ماذا يعني مشروع الشراكة الاقتصادية الأميركي مع السودان؟.. المعادن مقابل التكنولوجيا وشروط سياسية مؤجلة

سودان ون - قراءة وتحليل

هل تنظر الولايات المتحدة إلى السودان بوصفه بلداً يحتاج إلى المساعدة للخروج من الحرب، أم بوصفه دولة تمتلك موارد استراتيجية يمكن أن تصبح جزءاً من حسابات الاقتصاد الأميركي وسلاسل الإمداد العالمية؟ وهل يمثل مشروع قانون الشراكة الاقتصادية الذي طُرح أخيراً فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، أم مدخلاً جديداً لإعادة ترتيب العلاقة بين الثروة الوطنية والمصالح الدولية؟

هذه الأسئلة تفرض نفسها عقب تقديم النائب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي جيم بيرد، في 13 أكتوبر 2026، مشروع قانون يحمل الرقم H.R. 10795، تحت اسم "قانون السودان للاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة"، المعروف اختصاراً باسم "Sudan IMPACT Act".

ويقترح المشروع إنشاء شراكة أميركية سودانية في مجالي الزراعة والتعدين، تقوم على توفير التكنولوجيا والمعدات والخبرات الأميركية مقابل التعاون في الموارد الطبيعية السودانية، لكنه يضع شروطاً سياسية وأمنية تجعل تحويل هذه الفكرة إلى واقع مرتبطاً بإحراز تقدم في حماية المدنيين والاستقرار السياسي ووجود سلطة حكم شرعية بقيادة مدنية.

وبين الفرصة الاقتصادية المحتملة والاشتراطات السياسية، يبدو المشروع أكثر من مجرد مبادرة تجارية؛ فهو يعكس تصوراً للعلاقة المستقبلية مع السودان، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع حسابات الاستقرار والحكم وإدارة الموارد.

ماذا تريد الولايات المتحدة من السودان؟

تقدم قائمة الموارد الواردة في المشروع مؤشراً مهماً لفهم دوافع المبادرة. فهي لا تقتصر على الذهب، وإنما تشمل اليورانيوم والنحاس والكروم والحديد والمنغنيز والزنك والنيكل والفضة، إلى جانب النفط الخام والصمغ العربي.

هذه القائمة تضع السودان في دائرة الاهتمام المرتبط بالمعادن والمواد الأولية التي تدخل في صناعات متعددة، من الإلكترونيات والسيارات إلى قطاعات الطاقة والتصنيع. كما تضيف المنتجات الزراعية، وفي مقدمتها الصمغ العربي، بعداً تجارياً يتجاوز قطاع التعدين.

ومن هنا، يمكن قراءة المبادرة باعتبارها محاولة لربط الموارد الطبيعية السودانية باحتياجات الولايات المتحدة الاقتصادية والصناعية، في وقت تتزايد فيه أهمية تأمين مصادر متنوعة للمواد الخام وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد.

لكن ذلك لا يعني أن واشنطن حصلت على حقوق في هذه الموارد، أو أن الشركات الأميركية أصبحت صاحبة امتيازات تلقائية في السودان. فالمشروع لا يزال مقترحاً تشريعياً، وأي ترتيبات فعلية ستحتاج إلى استكمال الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة والاتفاق مع الجهات السودانية المختصة.

السؤال الأساسي هنا ليس ما إذا كان السودان يمتلك الموارد، بل كيف يمكن تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية حقيقية للدولة والمواطن، بدلاً من أن تبقى مجرد مواد خام تتنافس عليها المصالح الخارجية.

المعادن مقابل التكنولوجيا.. هل هي معادلة متكافئة؟

يقترح المشروع توفير معدات زراعية حديثة، وتقنيات للري والزراعة الدقيقة والتصنيع الزراعي، إلى جانب تكنولوجيا التعدين والمسح الجيولوجي وتحسين سلامة المناجم والحد من الأضرار البيئية.

نظرياً، يمكن لهذا النوع من التعاون أن يعالج جوانب من الاختلال الهيكلي في الاقتصاد السوداني، الذي يعتمد بدرجات متفاوتة على تصدير المواد الخام، بينما يحتاج إلى تطوير قدراته الصناعية والإنتاجية.

فبدلاً من تصدير الذهب والمعادن في صورتها الأولية، يمكن للسودان أن يستفيد من نقل التكنولوجيا، وتطوير معامل التحليل والمعالجة، وتحسين عمليات الاستخراج، وتأهيل الكوادر الوطنية، وإنشاء صناعات مرتبطة بالموارد المحلية.

وفي الزراعة، يمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد على تحسين الإنتاجية، وتطوير نظم الري، وتقليل الفاقد، وتعزيز التصنيع الزراعي، بما يفتح المجال أمام زيادة القيمة المضافة للقطن والصمغ العربي والمحاصيل الغذائية والنقدية.

غير أن نجاح هذه المعادلة يتوقف على طبيعة الاتفاقات التي قد تُبرم مستقبلاً. فالتعاون الذي يقتصر على استخراج الموارد وتصديرها مقابل استيراد المعدات لن يكون بالضرورة في مصلحة السودان على المدى الطويل.

أما الشراكة التي تتضمن نقل المعرفة، وتدريب السودانيين، وتوطين الصناعات، وخلق فرص العمل، وتطوير البنية التحتية، فيمكن أن تمثل خطوة نحو بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة.

والفارق بين النموذجين كبير؛ لأن قيمة الشراكة لا تُقاس بحجم المعادن التي تخرج من السودان، بل بحجم القدرات الاقتصادية التي تبقى داخله بعد استخراجها وتصديرها.

لماذا ربطت واشنطن الشراكة بالحكم المدني؟

الجانب السياسي هو الأكثر حساسية في مشروع القانون، إذ لا يجعل التعاون الاقتصادي مفتوحاً بصورة تلقائية، بل يشترط أن تكون هناك سلطة حكم سودانية شرعية بقيادة مدنية، وأن يتحقق تقدم جوهري وقابل للقياس في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية.

كما يمنح المشروع وزير الخارجية الأميركي دوراً في تقييم مدى استيفاء هذه الشروط قبل إقامة الشراكة.

ويعني ذلك أن المشروع لا يتعامل مع الثروات السودانية باعتبارها ملفاً اقتصادياً منفصلاً عن الأزمة السياسية والأمنية، وإنما يربط الوصول إلى التعاون المقترح بوجود ترتيبات حكم يراها الجانب الأميركي مستوفية للمعايير الواردة في التشريع.

ومن منظور واشنطن، يمكن فهم هذا الربط باعتباره محاولة لتقليل المخاطر السياسية والأمنية المحيطة بالاستثمار، وضمان وجود جهة تستطيع إبرام الاتفاقات وتنفيذها والإشراف على الموارد والعائدات.

لكن من الجانب السوداني، تبرز أسئلة مشروعة حول طبيعة هذه الشروط، والجهة التي ستحدد تحققها، وكيفية ضمان ألا تتحول المعايير السياسية إلى أداة تتحكم في توقيت التعاون الاقتصادي أو اتجاهاته.

كما أن النص، وفق المعلومات المتاحة، لا يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لتشكيل سلطة مدنية، ولا يقدم وصفة تفصيلية للانتقال السياسي في السودان.

لذلك، فإن الحديث عن مشروع الشراكة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعلاناً أميركياً عن تسوية سياسية جاهزة للسودان، أو دليلاً على اتفاق بين واشنطن والسلطات السودانية بشأن مستقبل الحكم.

إنه مقترح يربط فرصة اقتصادية محتملة بشروط سياسية وأمنية، لكنه لا يحسم كيفية الوصول إلى تلك الشروط أو موعد تحققها.

الذهب السوداني.. الثروة التي تكشف حجم التحدي

يحتل الذهب موقعاً محورياً في هذه المعادلة، خصوصاً مع تراجع قطاعات إنتاجية واسعة بفعل الحرب، وتزايد الضغوط على الإيرادات العامة والنقد الأجنبي.

وتشير البيانات التي أوردها التقرير المرجعي عن إنتاج السودان من الذهب في عام 2025 إلى نحو 74.6 طن، وهو حجم يعكس الأهمية الاقتصادية للمعدن في البلاد.

لكن ارتفاع الإنتاج لا يعني بالضرورة أن الدولة تحصل على العائدات التي تتناسب مع حجم الثروة المستخرجة. فالمشكلة لا ترتبط بالإنتاج وحده، وإنما بقدرة المؤسسات على تنظيم التعدين، ومراقبة الصادرات، ومكافحة التهريب، وضمان دخول الإيرادات إلى القنوات الرسمية.

وفي ظل الحرب، تزداد صعوبة الرقابة على مناطق الإنتاج وشبكات التجارة والنقل، بينما تتسع الحاجة إلى مؤسسات قادرة على حماية الموارد من الاستغلال غير المنظم.

ومن هنا، تكتسب عبارة "الإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية" الواردة في المشروع أهمية تتجاوز الجانب الفني. فهي تثير قضية جوهرية تتعلق بمن يملك سلطة إدارة الثروة، وكيف تُبرم العقود، ومن يراقب العائدات، وما نصيب المواطنين من الموارد التي تُستخرج من أرضهم.

وأي شراكة اقتصادية جادة ينبغي أن تضع هذه القضايا في صميم الاتفاقات، لا أن تكتفي بتوفير التكنولوجيا أو زيادة حجم الإنتاج.

هل يمكن أن تسهم الشراكة في إعادة إعمار السودان؟

يحتاج السودان إلى أكثر من استئناف النشاط الاقتصادي بعد الحرب. فهو يحتاج إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الإنتاج الزراعي، وتطوير قطاع التعدين، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة بيئة تسمح بعودة الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وفي هذا السياق، قد يشكل التعاون في الزراعة والمعادن مدخلاً مهماً إذا ارتبط بأولويات إعادة الإعمار، خصوصاً أن القطاعين قادران على توفير فرص العمل وتحريك سلاسل الإنتاج والنقل والتصنيع والخدمات.

لكن ذلك يتطلب ألا تُصمم الشراكة حول احتياجات الطرف الخارجي وحدها، بل حول أولويات التنمية السودانية أيضاً.

فالسودان لا يحتاج إلى تصدير المزيد من موارده فحسب، وإنما إلى بناء قدرته على تصنيع جزء منها، وتوسيع قاعدته الإنتاجية، وتحسين دخل العاملين في القطاعات الزراعية والتعدينية، وتطوير المناطق التي توجد فيها الموارد.

كما أن أي تعاون مستقبلي يجب أن يراعي الشفافية في العقود، وحماية البيئة، وحقوق المجتمعات المحلية، والسلامة المهنية، والالتزامات الضريبية، وآليات تسوية النزاعات.

ومن دون هذه الضمانات، قد تتحول زيادة النشاط الاستخراجي إلى توسع في تصدير المواد الخام من دون تحقيق تحول اقتصادي مستدام.

ما الذي ينبغي أن تفعله الخرطوم؟

إذا انتقل المشروع مستقبلاً إلى مراحل تشريعية متقدمة، أو أصبح أساساً لمباحثات اقتصادية فعلية، فإن التعامل السوداني معه يحتاج إلى رؤية تفاوضية واضحة، لا إلى الترحيب المطلق أو الرفض المسبق.

أولاً، تحديد القطاعات التي يحتاج السودان إلى تطويرها، وترتيبها وفق أثرها في الإنتاج والتشغيل وإعادة الإعمار.

ثانياً، اشتراط نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية، حتى لا تبقى العلاقة محصورة في استخراج المعادن وتصديرها.

ثالثاً، ضمان أن تتم أي اتفاقات بشأن الموارد الطبيعية عبر مؤسسات مختصة وإجراءات قانونية شفافة، مع نشر المعلومات الأساسية المتعلقة بالعقود والعائدات وفق الأطر القانونية المعتمدة.

رابعاً، التفاوض على إنشاء صناعات تحويلية داخل السودان، بما في ذلك معالجة المعادن وتصنيع المنتجات الزراعية، بدلاً من الاعتماد المستمر على تصدير المواد الأولية.

خامساً، حماية المصالح الوطنية في تحديد شروط الاستثمار والضرائب والرسوم والحقوق البيئية، وضمان ألا تؤدي الاتفاقات إلى التزامات غير متوازنة أو انتقاص من السيادة على الموارد.

وأخيراً، ربط أي شراكة بخطة وطنية أوسع للتعافي الاقتصادي، بحيث تصبح الاستثمارات جزءاً من مشروع لإعادة بناء الدولة والاقتصاد، لا مجرد ترتيبات منفصلة لاستغلال موارد محددة.

مشروع قانون أم تحول في السياسة الأميركية؟

من المهم التمييز بين الدلالة السياسية للمبادرة ووضعها القانوني الحالي. فقد أُحيل مشروع القانون H.R. 10795 إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، ما يعني أنه لا يزال في مرحلة تشريعية مبكرة، ولا يمثل قانوناً نافذاً أو اتفاقاً اقتصادياً قائماً.

ولا يضمن تقديم المشروع إقراره، كما لا يعني أن الحكومة الأميركية التزمت بتنفيذ الشراكة أو أن الحكومة السودانية وافقت عليها.

ومع ذلك، فإن طرح مبادرة تجمع بين المعادن والزراعة والتكنولوجيا والتجارة يكشف عن اهتمام يستحق المتابعة، خصوصاً إذا تطور إلى نقاش رسمي حول مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

لكن من السابق لأوانه اعتبار المشروع تحولاً نهائياً في السياسة الأميركية تجاه السودان؛ فذلك يتطلب متابعة مساره داخل الكونغرس، ومواقف الإدارة الأميركية، وأي اتصالات أو تفاهمات رسمية قد تظهر لاحقاً.

الفرصة موجودة.. لكن من يحدد شروطها؟

يعيد مشروع "Sudan IMPACT Act" طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف يستطيع السودان الاستفادة من ثرواته الطبيعية في بناء اقتصاد قوي، بدلاً من أن يكون مصدراً للمواد الخام في الأسواق العالمية؟

فالولايات المتحدة تقترح شراكة تجمع الموارد السودانية بالتكنولوجيا والخبرات الأميركية، لكنها تربطها بشروط تتعلق بالحكم المدني وحماية المدنيين والاستقرار والإدارة المسؤولة للموارد.

وهذا يجعل المبادرة فرصة محتملة، لا مكسباً مضموناً. فقيمتها بالنسبة إلى السودان ستتحدد وفق طبيعة الاتفاقات المستقبلية، ومدى قدرتها على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة وخلق فرص العمل وضمان حصول الدولة والمواطن على نصيب عادل من عائدات الثروة.

والأهم أن السودان، مهما كانت حاجته إلى الاستثمارات الخارجية، لا ينبغي أن يتعامل مع موارده باعتبارها مجرد وسيلة لجذب الشركاء. بل عليه أن يجعل كل شراكة محتملة جزءاً من رؤية وطنية واضحة للتنمية وإعادة الإعمار.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس فقط: ماذا تريد الولايات المتحدة من ثروات السودان؟ بل أيضاً: ماذا يريد السودان أن يحقق من هذه الثروات، وما الشروط التي تضمن أن تعود عائداتها على شعبه واقتصاده؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت الشراكة المقترحة ستفتح باباً للتنمية، أم ستظل مجرد مشروع يربط الثروة السودانية بحسابات المصالح الدولية، من دون أن يضمن وحده تغيير واقع الاقتصاد السوداني.