عطشٌ يهدد موسم السودان الزراعي.. من المسؤول عن إنقاذ الجزيرة وحلفا وأمري والزيداب؟
الخرطوم - سودان ون
بينما يبحث السودان عن كل فدان قادر على إنتاج الغذاء، تبدو مساحات واسعة من مشروعاته الزراعية عالقة في أزمة قديمة تتجدد مع كل موسم: المياه لا تصل في موعدها.
من مشروع الجزيرة والمناقل إلى حلفا، وأمري، والزيداب، تتكرر الشكاوى ذاتها بصيغ مختلفة؛ ترع جافة، مناسيب مياه متراجعة، محاصيل مهددة بالعطش، طلمبات تتوقف مع انقطاع الكهرباء، ومزارعون أنفقوا مدخراتهم على التحضير والتقاوي والوقود ومدخلات الإنتاج، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام سؤال واحد: من المسؤول عن إنقاذ الموسم الزراعي؟
الأزمة، وفق إفادات مزارعين وشكاوى متداولة من مناطق إنتاج مختلفة، لم تعد مجرد مشكلة فنية تخص قنوات الري، وإنما تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة وإدارات المشاريع والجهات المعنية على حماية واحد من أهم مصادر الأمن الغذائي والاقتصاد السوداني.
مشروع الجزيرة... المياه الغابة في أكبر اختبار
في مشروع الجزيرة والمناقل، تتصاعد شكاوى المزارعين من أزمة مياه الري، خصوصاً في عدد من المكاتب والأقسام الزراعية التي تقول إفادات مزارعين فيها إن المياه لم تصل إلى مساحات واسعة في التوقيت المطلوب.
ومن أبرز المناطق التي تكررت بشأنها المناشدات مكتب الفوار وقسم وادي شعير، حيث تحدث مزارعون عن أزمة في ترع أبوكساوي والفوار ومهلة، مطالبين إدارة المشروع وعمليات الري بالتدخل العاجل قبل أن تتحول مشكلة المياه إلى خسارة كاملة للمحاصيل.
وفي مكتب بجيجة الزراعي، وردت أيضاً شكاوى بشأن عدم وصول المياه إلى الحواشات، وسط تساؤلات عن الأسباب الفنية والإدارية التي تقف وراء الاختناقات.
المفارقة التي يطرحها بعض المزارعين أكثر إيلاماً: في مناطق تصل إليها المياه، تُهدر كميات منها داخل الحواشات وعلى الطرق، بينما تنتظر مناطق أخرى دورها في الري.
وهنا لا تبدو المشكلة مرتبطة فقط بكمية المياه المتاحة، بل أيضاً بكفاءة إدارة الري وتوزيع المياه وصيانة القنوات ومراقبة المناسيب.
لجنة ميدانية... لكن المحاصيل للا تنتظر
وفي محاولة لمعالجة الاختناقات، نفذت لجنة من إدارة مشروع الجزيرة والمناقل جولة ميدانية للوقوف على مشكلات الري ورفع مناسيب المياه، برئاسة نائب المدير الزراعي للمشروع المهندس إسماعيل عبد المحسن، وبمشاركة مدير ري جنوب الجزيرة المهندس آدم إبراهيم.
وشملت الجولة مواقع وقناطر وقنوات في عدد من المناطق، بينها قنطرة 77 و99 الجزيرة، وكيلو 11، ودقيامة، و34 ود البر، و46 الرفاعيات، و48 تنوب، و55 المريبيعة بطابت.
ووفق ما أُعلن عقب الجولة، تم الاتفاق على رفع مناسيب المياه خلال يومين بما يتناسب مع احتياجات المحاصيل، بما يسمح باستمرار زراعة العدسية والخضر.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في صدور التوجيهات، وإنما في وصول المياه فعلياً إلى الحواشات.
فالمحصول لا ينتظر اجتماعاً، والمزارع لا يستطيع تأجيل الإنبات أو النمو حتى تنتهي الإجراءات الإدارية.
العطش لا يأتي وحده.. التمويل والتقاوي والقطن في دائرة الأزمة
أزمة الري ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه الموسم الزراعي.
فبحسب إفادات مزارعين، واجه الموسم منذ بدايته صعوبات في التمويل وعمليات التحضير وتوفير المدخلات، بينما ظل التمويل الزراعي، خصوصاً عبر البنك الزراعي، دون المستوى المطلوب في بعض المناطق.
وتضاف إلى ذلك شكاوى بشأن جودة بعض التقاوي وضعف الإنبات، وهي مشكلة تزيد خسائر المزارع الذي قد يضطر إلى إعادة الزراعة أكثر من مرة.
أما القطن، فله حساب مختلف؛ إذ يرتبط نجاحه بمواقيت زراعية محددة، وبالتالي فإن تأخر المياه لا يعني مجرد تأخير الري، بل قد يعني ضياع الفرصة الزراعية نفسها.
وتشير إفادات إلى أن إحدى الشركات الزراعية كانت تستهدف زراعة نحو 20 ألف فدان في قسمي الحوش والجنوبي، إلا أن مشكلات الري وتأخر وصول المياه أثرت في المساحات التي يمكن زراعتها فعلياً.
حلفا... عندما يتحول العطش إلى خطر على الإنتاج
وفي مشروع حلفا، تبدو الصورة أكثر قسوة في ظل ظروف بيئية شديدة الحساسية.
غياب الأمطار، إلى جانب ما يصفه مزارعون بالتلاعب أو التعديات على مياه الترع، يهدد بتعطيش مساحات زراعية وإلحاق خسائر بالمحاصيل.
وتحذر الشكاوى من أن استمرار التعديات على شبكة الري قد يحرم الأراضي من حصتها المائية، بينما تتراجع قدرة المزارعين على إنقاذ محاصيلهم مع ارتفاع تكاليف الوقود ومدخلات الإنتاج.
وهنا تصبح قضية حماية شبكة الري جزءاً من حماية الاقتصاد نفسه؛ لأن خسارة المحصول تعني خسارة دخل المزارع، وتقليص المعروض الغذائي، وزيادة الضغوط على الأسواق.
أمري مشروع زراعي في مواجهة سؤال العدالة
وفي منطقة أمري، تتخذ القضية بعداً مختلفاً.
فقد دخل أهالي المنطقة في اعتصام مطالبين بمعالجة ما يصفونه بأزمة عطش أصابت مشروعهم الزراعي، إلى جانب مطالب تتعلق بعلاقة الأراضي والمشروعات القائمة داخل نطاقها.
وتتضمن المطالب المعلنة الاعتراف بوجود مشروعات مثل شركة دواجن النيل والمحاور داخل أراضي المشروع، وترتيب حقوق الأهالي، والمطالبة بالمساهمة في صيانة وتشغيل المشروع الزراعي، فضلاً عن مطالب تتعلق بالأسهم والتمثيل وإجراءات الأراضي والملكيات.
ويقول الأهالي إن مشروعهم الزراعي، الذي يقدرون مساحته بأكثر من 70 ألف فدان، يواجه خطر التوقف بسبب العطش، في منطقة ذات طبيعة صحراوية تعتمد بصورة أساسية على منظومة الري.
هذه المطالب، بما فيها ما يتعلق بالملكية والعوائد والتمثيل، تحتاج بطبيعة الحال إلى ردود رسمية موثقة من الجهات والشركات المعنية، لكن جوهر المشكلة لا يحتاج إلى كثير من الشرح: الأرض الزراعية التي لا تصلها المياه تتحول تدريجياً من مورد اقتصادي إلى عبء على أصحابها.
الزيداب... الكهرباء تتحول إلى أزمة مياه
في مشروع الزيداب الزراعي بولاية نهر النيل، ترتبط أزمة العطش بعامل مختلف: الكهرباء.
وخلال زيارة وفد من وزارة الزراعة والري الاتحادية للمشروع، عرض المزارعون مشكلاتهم، وفي مقدمتها تأثير قطوعات التيار الكهربائي على تشغيل طلمبات الري والنشاط الزراعي والبستاني.
وطالب المزارعون بإدخال الطاقة الشمسية كحل مستدام لتشغيل طلمبات الري، خاصة أن الاعتماد الكامل على الكهرباء يجعل الإنتاج الزراعي رهينة لاستقرار الشبكة القومية.
وتبلغ مساحة المشروع، وفق المعلومات التي قدمتها إدارة المشروع، نحو 20 ألف فدان، فيما تمتد الترع والقنوات لمسافات كبيرة تجعل عمليات الصيانة والتطهير مكلفة ومعقدة.
وأعلنت وزارة الزراعة والري الاتحادية دعمها للمشروع والعمل على معالجة مشكلاته، مع طرح الطاقة الشمسية ضمن خيارات معالجة أزمة الطاقة.
وهنا تقدم الزيداب نموذجاً واضحاً لمشكلة أوسع في السودان: أزمة الري ليست دائماً نقصاً في المياه، وإنما قد تكون أزمة طاقة أو بنية تحتية أو إدارة.
أين يذهب الماء عندما يموت الزرع؟
السؤال الأكثر إلحاحاً في أزمة الموسم الحالي ليس فقط: هل توجد مياه؟
بل:
أين توجد المياه؟ وكيف يجري توزيعها؟ ومن يراقب وصولها؟
فإذا كانت الموارد المائية متاحة، لكن المياه لا تصل إلى الحقل في الوقت المناسب، فإن الخلل يصبح إدارياً وفنياً بالدرجة الأولى.
وإذا كانت القنوات تحتاج إلى تطهير وصيانة، فمن المسؤول عن تنفيذها قبل بداية الموسم؟
وإذا كانت الكهرباء تشغل الطلمبات، فمن وضع خطة بديلة للمشروعات التي تعتمد عليها؟
وإذا كانت هناك تعديات على شبكات الري، فمن يملك سلطة إيقافها؟
وإذا كانت هناك خسائر في المحاصيل، فمن سيحصرها ويحدد أسبابها ويضع آلية لتعويض المتضررين أو مساعدتهم؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تنتقل من منصات التواصل الاجتماعي إلى غرف القرار والمؤسسات المختصة.
الحكومة وعود كثيرة وامتحان التنفيذ
شهدت الفترة الماضية زيارات لمسؤولين اتحاديين وولائيين إلى عدد من المشروعات الزراعية، وصدرت توجيهات ووعود بمعالجة مشكلات الري والتمويل والتأهيل.
لكن المزارع لا يقيس نجاح الزيارة بعدد الصور والبيانات، وإنما بكمية المياه التي وصلت إلى حقله.
وهنا تحديداً تقع مسؤولية الحكومة وإدارات المشاريع ووزارة الزراعة والري والجهات المختصة بالطاقة والتمويل.
فالقطاع الزراعي لا يمكن أن ينهض بخطاب إعلامي فقط، ولا يمكن أن تنجح خطط الأمن الغذائي في السودان إذا ظل الري يعمل بمنطق الطوارئ من موسم إلى آخر.
وماذا عن المزارعين؟
تحميل الإدارة وحدها كل المسؤولية لن يكون دقيقاً.
فالمزارع نفسه شريك في منظومة الإنتاج، وهناك مشكلات تتعلق بإهدار المياه داخل بعض الحواشات، وعدم الالتزام بطرق الري المناسبة، وشراء تقاوي من مصادر غير موثوقة، إلى جانب ضعف التنسيق بين المنتجين في بعض المناطق.
كما أن الجمعيات والروابط المهنية والكيانات التي تمثل المزارعين مطالبة بالخروج من دائرة البيانات والمنافسات الداخلية إلى دور رقابي ومهني حقيقي.
المزارع يحتاج إلى من يمثله عندما تنقطع المياه، لا إلى ممثل يظهر فقط في موسم الانتخابات.
هل بدأ الموسم بالفشل؟
ليس بالضرورة.
فبعض التجارب الزراعية في السودان تؤكد أن بدايات المواسم قد تكون صعبة، ثم تتحسن الظروف المناخية وتتوفر المياه في فترات لاحقة.
لكن انتظار تحسن الظروف لا يعفي المؤسسات من مسؤوليتها.
فالزراعة الحديثة لا تقوم على الأمل وحده، وإنما على التخطيط والري المنتظم والتمويل والتقاوي الجيدة والتوقيت الصحيح.
والمعادلة القديمة "نرمي الحب ونرجى الرب" لا ينبغي أن تتحول إلى سياسة دولة.
من المسؤول إذن؟
الإجابة ليست اسماً واحداً.
المسؤولية موزعة بين وزارة الزراعة والري، إدارات المشروعات الزراعية، إدارات الري، الحكومات الولائية، الجهات المسؤولة عن الكهرباء والطاقة، البنك الزراعي، مجالس تنظيم المنتجين، الجمعيات الزراعية، والمزارعين أنفسهم، كلٌ بحسب اختصاصه ودوره.
لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الدولة في بناء منظومة تمنع تكرار الأزمة.
فليس من المعقول أن يبدأ كل موسم بالسؤال نفسه: هل ستصل المياه؟
وليس من المقبول أن يصبح نجاح الزراعة مرتبطاً بجهود فردية لإنقاذ الحواشات.
وليس من الحكمة أن يخسر السودان محصولاً بسبب مشكلة كان يمكن حلها قبل أشهر من بداية الموسم.
السودان لا يملك رفاهية إهدار المواسم
في بلد يعيش حرباً وضغوطاً اقتصادية وإنسانية واسعة، تصبح الزراعة أكثر من نشاط اقتصادي.
إنها مسألة أمن قومي وغذائي.
كل فدان يخرج من الإنتاج يعني غذاءً أقل، ودخلاً أقل للمزارع، وضغطاً أكبر على الأسواق، وحاجة أكبر للاستيراد في بلد يحتاج إلى توجيه موارده المحدودة إلى إعادة الإعمار والإنتاج.
ولهذا فإن أزمة العطش في الجزيرة وحلفا وأمري والزيداب وغيرها يجب ألا تُقرأ باعتبارها شكاوى موسمية عابرة.
إنها إنذار مبكر.
فإذا كان السودان يريد استعادة اقتصاده، فعليه أولاً أن يعيد الماء إلى الأرض.
أما السؤال الذي يظل معلقاً فوق الترع الجافة والحواشات العطشى فهو:
الموسم يموت أمام أعين المزارعين.. فمن ينقذ الزراعة السودانية؟
غدا نكمل