قلّما نجد في التاريخ السياسي الحديث تجربة برلمانية بقدر ما مرّت به تجربة السودان من تحوّلات وانكسارات وإعادة بناء متكررة. فمنذ أن وُضعت أولى بذور العمل التشريعي في مطلع القرن العشرين، ظل "المجلس التشريعي" في السودان مرآة صادقة لحال البلاد السياسي؛ يُبنى مع كل موجة انفتاح ديمقراطي، ويُحلّ مع كل انقلاب عسكري أو أزمة سلطة. اليوم، ومع الحديث المتجدد عن ضرورة تشكيل مجلس تشريعي انتقالي يواكب المرحلة الحالية، يصبح من المهم العودة إلى جذور هذه المؤسسة، وفهم صلاحياتها، واستحقاقاتها الدستورية، وموقعها من هيكل الحكم بشكل عام.

فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي ... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية

بداية العمل التشريعي في السودان

تعود أولى محاولات إشراك السودانيين في صناعة القرار التشريعي إلى عام 1910، حين أُنشئ "مجلس الحاكم العام" ليتولى مراجعة وإجازة القوانين واللوائح الصادرة عن الإدارة البريطانية. لم يكن هذا المجلس تمثيليًا بالمعنى الحقيقي، بل أداة استشارية محدودة الصلاحيات بيد الحاكم العام.

بعد ذلك بعقود، وتحديدًا بين عامي 1943 و1948، تأسس "المجلس الاستشاري لشمال السودان" بمبادرة من الحاكم العام السير جون مفي، وضم ثلاثين عضوًا من زعماء العشائر ورجال الدين، جميعهم من شمال البلاد، وترأسه الحاكم العام نفسه. كانت هذه الخطوة تمهيدًا لما سيأتي لاحقًا من توسّع في المشاركة السياسية، وإن ظلت مقتصرة على فئة محددة من الأعيان دون تمثيل شعبي حقيقي.

الجمعية التشريعية 1948 أول برلمان سوداني حقيقي

قراءة في تاريخ "المجلس التشريعي السوداني": الصلاحيات، الاستحقاقات الدستورية، وهيكلية الحكم، يُجمع كثير من المؤرخين على أن عام 1948 يمثل نقطة التحول الحقيقية، إذ تأسست حينها "الجمعية التشريعية" لتكون أول مؤسسة تشريعية سودانية بالمعنى الاصطلاحي، برئاسة محمد صالح الشنقيطي، وبعضوية بلغت نحو 75 عضوًا، بين معيّنين من الحاكم العام ومنتخبين من المحافظات الشمالية والجنوبية ومن الخرطوم وأم درمان. قاطعت هذه الانتخابات أحزاب موالية لمصر كانت ترى في الجمعية التفافًا على مطلب الوحدة مع مصر، فيما شارك فيها حزب الأمة وجبهة الاستقلال. استمرت الجمعية حتى قيام أول انتخابات برلمانية كاملة عام 1953، وكان من أبرز إنجازاتها إقرار قراري الحكم الثنائي اللذين منحا السودان الحكم الذاتي، تمهيدًا للاستقلال عام 1956.

المجلس التشريعي في السودان عبر التاريخ

منذ ذلك التاريخ، شهد السودان سلسلة طويلة من الهيئات التشريعية التي ارتبط عمرها بعمر الأنظمة السياسية التي أفرزتها: برلمانات الحقبة البرلمانية بعد الاستقلال، فالجمعية التأسيسية التي أجازت تطبيق القوانين الإسلامية قبل أن تُحلّ إثر انتفاضة أبريل 1985، ثم الجمعية التأسيسية الثانية بين 1986 و1989 برئاسة محمد إبراهيم خليل، والتي عقدت أربع دورات برلمانية عدّلت خلالها الدستور الانتقالي قبل أن يطيح بها انقلاب "الإنقاذ" عام 1989.

مع حكومة الإنقاذ الوطني، تأسس "المجلس الوطني الانتقالي" 1996-1999 كأول هيئة تشريعية في عهدها، ثم تلاه "المجلس الوطني" برئاسة حسن الترابي، فأحمد إبراهيم الطاهر، ثم الفاتح عزالدين، وصولًا إلى إبراهيم أحمد عمر الذي رأس الهيئة التشريعية الوطنية حتى حلّها عقب سقوط نظام البشير في أبريل 2019.

كيف كان المجلس التشريعي مبني قبل ثورة ديسمبر

قُبيل ثورة ديسمبر 2018، كانت الهيئة التشريعية الوطنية تتألف من مجلسين اثنين: المجلس الوطني الذي ضمّ 450 عضوًا منتخبًا انتخابًا مباشرًا، ومجلس الولايات الذي ضمّ 50 عضوًا يُنتخبون بشكل غير مباشر عبر الهيئات التشريعية الولائية. هذا الهيكل الثنائي كان يهدف نظريًا إلى الموازنة بين التمثيل الشعبي المباشر والتمثيل الجغرافي للولايات، وإن ظل عمليًا خاضعًا لهيمنة حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك.

صلاحيات المجلس التشريعي الانتقالي واستحقاقاته الدستورية

بموجب الوثيقة الدستورية التي وقّعتها قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي في يوليو 2019، نصّت الاستحقاقات الدستورية على تشكيل مجلس تشريعي انتقالي خلال ثلاثة أشهر من نفاذ الوثيقة. حُدّد عدد أعضائه بحد أقصى 300 عضو، على أن تحصل قوى الحرية والتغيير على ثلثي المقاعد، فيما توزَّع الثلث الباقي على قوى أخرى، مع اشتراط ألا يقل تمثيل النساء عن 40 بالمئة، ومنع أي عضو سابق في المؤتمر الوطني من الترشح لعضويته.

من حيث الصلاحيات، مُنح المجلس التشريعي الانتقالي صفة سلطة تشريعية مستقلة لا يجوز حلّها، وحُصّنت عضويته بحيث لا تسقط إلا بالوفاة أو الاستقالة أو المرض المقعد أو حكم قضائي بعقوبة سالبة للحرية. وتشمل مهامه الأساسية سنّ التشريعات، ومراقبة أداء الحكومة الانتقالية ومساءلتها، بل ومنحه صلاحية تغيير تركيبة الحكومة إذا اقتضى الأمر، باعتباره الضامن الرئيسي لمنع إساءة استخدام السلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية.

أين يقف المجلس التشريعي في هيكل الحكم الانتقالي

وفق الوثيقة الدستورية، يقوم هيكل الحكم الانتقالي على ثلاثة أضلاع رئيسية: مجلس السيادة كسلطة سيادية عليا، ومجلس الوزراء كسلطة تنفيذية عليا، والمجلس التشريعي كهيئة رقابية وتشريعية. وقد ظل هذا الضلع الثالث، عمليًا، الحلقة الأضعف في المعادلة، إذ لم يُشكَّل طوال سنوات الفترة الانتقالية، وهو ما تركت غيابه فراغًا دستوريًا كبيرًا انعكس على قدرة المكونات المدنية على مراقبة الأداء الحكومي ومحاسبته.

لماذا لم يتشكل المجلس التشريعي حتى الآن

يرى كثير من المتابعين للشأن السوداني أن غياب المجلس التشريعي لم يكن مصادفة، بل نتيجة تجاذبات سياسية بين مكونات الحرية والتغيير حول نسب التمثيل، إضافة إلى الخلافات حول إدماج قوى إعلان جوبا للسلام. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، ازدادت الدعوات إلحاحًا لاستئناف الحديث عن تشكيل هيئة تشريعية تسد الفراغ الدستوري، فيما ترى أطراف أخرى أن التوقيت غير مناسب لأنه لن يغيّر من مسار الحرب أو معاناة المواطنين.

خاتمة

يكشف تتبع مسار "المجلس التشريعي السوداني" منذ مجلس الحاكم العام عام 1910 وحتى النقاش الدائر اليوم حول تشكيله من جديد، عن نمط متكرر: مؤسسة تشريعية تُبنى في لحظات الانفتاح السياسي، وتُجمَّد أو تُحلّ عند كل ارتداد نحو السلطة الفردية أو العسكرية. وبقدر ما تمثل هذه المؤسسة ضمانة دستورية لمبدأ الفصل بين السلطات ومراقبة الأداء الحكومي، فإن استمرار غيابها اليوم يترك السودان أمام تحدٍّ حقيقي يتمثل في إعادة بناء الشرعية التمثيلية كخطوة أساسية نحو أي استقرار سياسي مقبل.

أسئلة شائعة

متى تأسست أول مؤسسة تشريعية في السودان؟

تأسست أول مؤسسة تشريعية بالمعنى الفعلي عام 1948 تحت مسمى "الجمعية التشريعية"، وسبقتها تجارب استشارية محدودة منذ عام 1910.

ما الفرق بين المجلس الوطني ومجلس الولايات في الهيئة التشريعية السابقة؟

كان المجلس الوطني يضم 450 عضوًا منتخبًا انتخابًا مباشرًا، بينما كان مجلس الولايات يضم 50 عضوًا يُنتخبون بشكل غير مباشر عبر الهيئات التشريعية للولايات، بهدف تحقيق توازن بين التمثيل الشعبي والتمثيل الجغرافي.

ما هي أبرز صلاحيات المجلس التشريعي الانتقالي بحسب الوثيقة الدستورية؟

تشمل صلاحياته سنّ التشريعات، ومراقبة أداء الحكومة الانتقالية ومساءلتها، والقدرة على تغيير تركيبة الحكومة عند الحاجة، إلى جانب حصانة أعضائه من الحل أو الإسقاط التعسفي.

لماذا لم يُشكَّل المجلس التشريعي الانتقالي حتى الآن؟

يعود ذلك إلى خلافات سياسية بين مكونات الحرية والتغيير حول نسب التمثيل وإدماج قوى اتفاق جوبا للسلام، إضافة إلى تعقيدات المشهد السياسي والأمني التي فرضتها الحرب المندلعة منذ أبريل 2023.