مطار الخرطوم ليس ملكاً للمشاهير.. فهل بدأت الفوضى تتسلل إلى بوابة السودان

الخرطوم - سودان ون

لم يعد مقبولاً أن نتحدث عن بناء دولة المؤسسات، وسيادة القانون، وإعادة إعمار السودان، بينما تظهر أمام أعيننا مشاهد تعيد إنتاج واحدة من أخطر مشكلات الدولة السودانية: ازدواجية المعايير، وتجاوز الإجراءات، والتعامل مع بعض الشخصيات بمنطق المكانة والنجومية بدلاً من منطق القانون.

الفيديو المتداول الذي أظهر الفنانة السودانية ندى القلعة لدى وصولها إلى السودان، وهي تستقل عربة "لاندكروزر" من محيط مدرج الطائرة، وتغادر دون أن تظهر في المشهد الإجراءات المعتادة التي يمر بها المسافرون، من جوازات وتفتيش ونقاط دخول، فتح الباب أمام موجة واسعة من التساؤلات حول طبيعة ما جرى، ومن سمح به، وهل كان الأمر استثناءً رسمياً له مبرراته أم تجاوزاً للإجراءات المعمول بها في المطارات؟

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف. المسألة ليست ندى القلعة كشخص، ولا تتعلق بكونها فنانة أو داعمة للقوات المسلحة ومعركة الكرامة. فمواقفها الوطنية ومساهماتها خلال الحرب محل تقدير، كما أن أي مواطن سوداني له الحق في التعبير عن موقفه السياسي والوطني. لكن الدعم الوطني لا يمنح حصانة من القانون، والنجومية لا تمنح امتيازاً على حساب مؤسسات الدولة.

مطار الخرطوم أكثر من مدرج وصالة

مطار الخرطوم الدولي ليس مجرد منشأة لاستقبال الطائرات والمسافرين. إنه بوابة السودان إلى العالم.

ومن هذه البوابة تتشكل لدى القادم والمغادر صورة أولية عن الدولة، ونظامها، وانضباط مؤسساتها، واحترامها للقانون. ولهذا فإن أي مشهد فوضوي داخل المطار لا ينبغي التعامل معه باعتباره واقعة عابرة أو تفصيلاً صغيراً.

عندما يرى المسافر العادي أنه مطالب بالمرور عبر الجوازات والتفتيش والبوابات والإجراءات الأمنية، ثم يرى شخصاً آخر يُستقبل بطريقة مختلفة ويصل إليه بسيارة إلى محيط الطائرة، فمن الطبيعي أن يسأل:

هل القانون واحد على الجميع؟ وإذا لم يكن واحداً، فما الذي تبقى من فكرة دولة المؤسسات السؤال ليس: من هي ندى القلعة؟ السؤال الحقيقي هو: من سمح بهذا الاستثناء؟ وهل كانت هناك تعليمات رسمية تتيح دخول المركبات إلى هذه المنطقة؟ وهل خضعت الفنانة لإجراءات الجوازات والتفتيش في مكان آخر وفق ترتيبات أمنية وبروتوكولية خاصة؟

أم أن ما ظهر في الفيديو يعكس فعلاً تجاوزاً للإجراءات؟ هذه أسئلة لا يستطيع الفيديو وحده الإجابة عنها، ولذلك فإن إدارة مطار الخرطوم وسلطات الجوازات والجهات الأمنية المعنية مطالبة بتقديم توضيح واضح للرأي العام.

فالشفافية هنا ليست ترفاً. وإذا كان هناك إجراء استثنائي قانوني، فمن حق الناس أن يعرفوا ذلك. وإذا كان هناك تجاوز، فمن حقهم أيضاً معرفة من المسؤول عنه.

كبار الزوار لمن؟

المشهد المتداول ليس الأول من نوعه.

فقد شهدت مطارات أخرى خلال فترات سابقة مشاهد مشابهة، تم فيها استقبال سياسيين وشخصيات عامة ومشاهير من محيط الطائرات أو عبر صالات كبار الزوار، وسط أعداد كبيرة من المستقبلين. وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية:

إذا أصبحت صالة كبار الزوار ومدرج الطائرة متاحين بهذا الشكل للمشاهير والسياسيين وناشطي وسائل التواصل الاجتماعي، فأين سيكون المكان الذي يليق باستقبال رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والقيادات العليا في الدولة، ورؤساء الدول والحكومات والضيوف الرسميين؟

البروتوكول ليس وجاهة. والتمييز بين أنواع الاستقبال ليس بحثاً عن مظاهر الفخامة. إنه جزء من هيبة الدولة وتنظيمها واحترام مؤسساته. الدولة التي لا تفرق بين استقبال مسؤول رسمي رفيع واستقبال شخصية عامة، وتسمح بتحويل مرافقها السيادية إلى ساحات احتفاء جماهيري، تفقد شيئاً من هيبتها أمام مواطنيها قبل أن تفقدها أمام الخارج.

كيف ينظر العالم إلينا؟

السودان يحاول اليوم استعادة موقعه بعد حرب مدمرة. والبلاد في حاجة إلى تقديم صورة مختلفة تماماً عن صورة الفوضى التي ارتبطت بها خلال سنوات طويلة.

نحن نريد جذب المستثمرين.

نريد عودة شركات الطيران.

نريد استعادة السياحة.

نريد عودة السودانيين في الخارج.

نريد علاقات دولية أكثر قوة.

ونريد أن نقنع العالم بأن السودان يتجه نحو دولة حديثة، مستقرة، تحكمها المؤسسات والقوانين. لكن ماذا يحدث عندما تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور من مطار الخرطوم تظهر فيها معاملة مختلفة لشخصية عامة؟

كيف سيقرأها مسؤول أجنبي؟

وكيف سيفهمها مستثمر؟

وكيف ينظر إليها سوداني يقف في طابور طويل لإكمال إجراءاته، ثم يرى شخصاً آخر يعبر من مسار مختلف؟ هذه ليست مشكلة "لاندكروزر". إنها مشكلة صورة الدولة. احترام ندى القلعة لا يعني إعفاءها من النقد

من المهم أن نكون واضحين. ندى القلعة فنانة سودانية، ولها مواقف معلنة داعمة للقوات المسلحة، كما قدمت إسهامات غنائية ومجتمعية خلال الحرب، وهذا موقف يحظى باحترام جمهورها. لكن احترام مواقفها لا يعني أن تصبح فوق النقد.

بل العكس. كلما ارتفعت مكانة الشخص العامة، أصبحت مسؤوليته أكبر في احترام القانون والنظام. وإذا كانت الإجراءات قد تم تجاوزها بالفعل، فإن المسؤولية لا تقع على الفنانة وحدها؛ بل قبل ذلك على الجهة التي سمحت بالتجاوز إن ثبت وقوعه.

فالمطار مؤسسة دولة، وليس مكاناً تُمنح فيه الامتيازات بناءً على الشهرة أو الشعبية. السودانيون دفعوا ثمناً غالياً هذه النقطة هي الأكثر إيلاماً.

السودان خاض حرباً قاسية، قدمها فيها مئات الشهداء وسقط آلاف الضحايا، ونزح الملايين، ودُمرت مؤسسات ومنشآت ومدن، ودفع السودانيون ثمناً باهظاً دفاعاً عن بلدهم ومستقبله. واليوم، فإن واحدة من أهم رسائل مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون:

لن نعيد إنتاج الدولة القديمة.

لن نعيد دولة المحسوبية.

لن نعيد دولة الاستثناءات.

لن نعيد دولة "فلان يعرف فلاناً".

لن نعيد دولة المواطن الذي ينتظر في الطابور، بينما يمر صاحب النفوذ من باب آخر.

فالذين ضحوا بأنفسهم من أجل السودان لم يفعلوا ذلك حتى تتحول مؤسسات الدولة إلى مساحات للامتياز الشخصي. من حق المشاهير أن يُكرموا.. وليس من حقهم أن يتجاوزوا القانون يمكن للدولة أن تحتفي بفنان أو رياضي أو إعلامي أو شخصية مجتمعية. يمكن تنظيم استقبال رسمي. يمكن تخصيص بروتوكول لكبار الشخصيات. ويمكن حتى تنظيم ترتيبات أمنية خاصة عند الضرورة.

لكن لا يمكن أن تصبح الشهرة مبرراً للاستثناء، فهذه بداية طريق خطير. اليوم فنان. وغداً سياسي. وبعد غد ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي. ثم مسؤول أو رجل أعمال. وفي النهاية يصبح المواطن العادي هو الوحيد الذي يلتزم بالقانون. وهنا تنهار الدولة من الداخل.

سؤال إلى ندى القلعة

لا نطرح السؤال من باب التشهير، وإنما من باب حق الجمهور في المعرفة: ندى القلعة، وهي قادمة من وجهتها، هل دخلت بسيارتها إلى مدرج الطائرة في المطار الذي غادرت منه، أم أنها، مثل بقية المسافرين، أكملت إجراءات السفر والصعود إلى الطائرة بالطريقة النظامية، ثم جرى استقبالها عند وصولها إلى الخرطوم بترتيبات خاصة؟

إذا كانت الإجراءات التي ظهرت في الفيديو قانونية ورسميّة، فليكن ذلك واضحاً للرأي العام. وإذا كانت هناك ترتيبات أمنية أو بروتوكولية خاصة، فمن الطبيعي أن يكون لها سند قانوني. أما إذا كان الأمر مجرد مجاملة أو استثناء غير قانوني، فالمطلوب ليس مهاجمة ندى القلعة، وإنما محاسبة الجهة التي سمحت بتحويل مطار دولي إلى مساحة للمحاباة.

السودان المنتظر يبدأ من التفاصيل الصغيرة الدولة لا تُبنى بالشعارات الكبيرة وحدها. تُبنى عندما يقف الوزير في الصف مثل المواطن عندما لا يكون لديه سبب قانوني للاستثناء. وتُبنى عندما يلتزم المشهور بالقانون مثل المواطن المغمور. وتُبنى عندما لا يحتاج الإنسان إلى معرفة مسؤول لكي يحصل على حقه. وتُبنى عندما يعرف رجل الأمن أن التعليمات المكتوبة أقوى من الهاتف الذي يأتيه من صاحب نفوذ. وتُبنى عندما يصبح السؤال:

"هل هذا قانوني؟"

أقوى من السؤال:

"من هو الشخص؟"

السودان الذي نطمح إليه ليس السودان الذي يُعامل فيه الناس وفق أسمائهم وشهرتهم وعلاقتهم. بل السودان الذي يكون فيه القانون هو الاسم الأكبر من الجميع. ولا ينبغي أن تكون ندى القلعة، ولا أي فنان أو سياسي أو ناشط أو رجل أعمال، فوق القانون.

فالشهرة تنتهي عند بوابة الدولة. والنفوذ يجب أن يتوقف عند حدود القانون. ومطار الخرطوم، باعتباره بوابة السودان إلى العالم، ينبغي أن يكون من أول الأماكن التي نبدأ فيها بناء هذه القاعدة.

دولة مؤسسات حقيقية لا تعني أن نمنع تكريم المشاهير، وإنما تعني أن نضمن ألا يتحول التكريم إلى امتياز، وألا تتحول النجومية إلى حصانة، وألا يصبح الاستثناء هو القاعدة.

السودان دفع ثمناً باهظاً حتى يبقى.

والمرحلة المقبلة يجب ألا تكون فقط مرحلة إعادة بناء المباني والطرق والمطارات، وإنما مرحلة إعادة بناء معنى الدولة نفسه.

دولة واحدة.

قانون واحد.

ومعيار واحد للجميع.

فلا أحد فوق القانون.