هل بدأت "مافيا التخريب" حربها ضد محافظ بنك السودان أمنة ميرغني؟


الخرطوم - سودان ون / بقلم محمد الحسيني

فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية


تتصاعد في الأوساط السودانية، عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، موجة من الجدل حول أداء محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني حسن التوم، أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البلاد، وسط تضارب حاد بين من يصفون الحملة ضدها بأنها استهداف ممنهج، ومن يوجهون إليها انتقادات مباشرة حول قرارات البنك وامتيازاتها الوظيفية.


من هي آمنة ميرغني؟
دخلت آمنة ميرغني حسن التوم، ابنة مدينة ود مدني، بنك السودان المركزي عام 1986 عبر لجنة الاختيار للخدمة العامة، وتدرّجت خلال نحو أربعين عاماً في السلم الوظيفي حتى بلغت أعلى مناصبه الفنية والإدارية، إذ شغلت موقع المدير العام للأسواق المالية، ثم المدير العام لمطابع السودان للعملة، قبل أن يُعلن تعيينها محافظاً للبنك المركزي في أكتوبر 2025.


وهي خريجة كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم بدرجة الشرف، تخصص إدارة أعمال، وحاصلة على درجة الماجستير في المحاسبة والتمويل من جامعة الجزيرة، إلى جانب مشاركتها في عدد من الدورات والورش التدريبية داخل السودان وخارجه.


سلسلة قرارات مصرفية متسارعة
منذ توليها المنصب، أصدر بنك السودان المركزي تحت قيادتها حزمة من القرارات والإجراءات التي طالت أكثر من ملف:


تحريرأسعارالصرف: أصدر البنك المركزي مطلع الأسبوع منشوراً جديداً ألغى بموجبه عدداً من قراراته السابقة، ومنح المصارف التجارية مرونة أوسع في تعديل أسعار الصرف المعلنة وشراء حصائل الصادر وفق حركة العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي. وأكد البنك، في بيان لاحق، أن المنشور رقم (16/2026) لا يعني انسحابه من سوق النقد الأجنبي أو توقف عمليات ضخ العملة.


تحديث بيانات العملاء وهوية "سوداباس": نفى البنك المركزي، في توضيح صادر عن إدارة الاتصال المؤسسي في 23 أغسطس، ما تداولته بعض الصفحات من أن التسجيل في الهوية الرقمية "سوداباس" يُعفي العملاء من تحديث بياناتهم المصرفية، مشدداً على أن التسجيل في الهوية الرقمية يخدم إثبات الهوية فقط، فيما تبقى إجراءات التحديث لدى المصارف قائمة بموجب ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع تمديد المهلة حتى نهاية العام الجاري.


نظام التدفقات الرأسمالية الإلكتروني: أعلن البنك عن تشغيل منظومة إلكترونية لأتمتة إجراءات المستثمرين الأجانب، بما يشمل تسجيل رؤوس الأموال وتحويل الأرباح والقروض وإعادة تحويل رأس المال الأجنبي عبر البوابة الإلكترونية للبنك، في خطوة وصفها بأنها تعزز الرقابة على حركة الأموال الأجنبية.


تدشين "المحول القومي": في أوائل أغسطس، دشّن النائب الأول لمحافظ البنك، المعتصم عبدالله أحمد، بالتعاون مع شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)، خدمة المحوّل القومي، برَبْط بنك أمدرمان الوطني كأول مصرف يُربط بالمنظومة، ضمن خطة لربط جميع المصارف العاملة في البلاد تباعاً وتفعيل خدمات الدفع الإلكتروني.


اتهامات وشكوك حول ملف الترخيص
في سياق متصل، أثار ترخيص ممنوح لإحدى الشركات جدلاً واسعاً في وقت سابق بعدما أصدرت الشركة بياناً أكدت فيه أن حصولها على الترخيص جاء وفق الإجراءات القانونية المعتادة لدى البنك المركزي. وأعقب ذلك بيان من البنك وُصف بأنه "غامض"، اكتفى بالإشارة إلى الضوابط التنظيمية العامة دون التطرق مباشرة إلى الشركة أو الترخيص.

ونقلت مواقع إخبارية لاحقاً، عن مصدر لم يُكشف عنه، أن البنك ألغى الترخيص، دون صدور بيان رسمي يوضح ملابسات منحه أو أسباب سحبه، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول آليات الرقابة الداخلية في المؤسسة.


الجدل الشخصي:بين الدفاع والتشكيك

رافق تعيين ميرغني جدل مواز طال شخصها بدل سياساتها، إذ تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي روايات غير مؤكدة حول صلات عائلية واجتماعية للمحافظة، وهي روايات لم تصدر بشأنها أي جهة رسمية تأكيداً أو نفياً. وانبرى عدد من المعلقين للدفاع عنها، معتبرين أن هذه الحملة تندرج ضمن نمط متكرر في التعاطي السوداني مع أي شخصية تتولى منصباً حساساً، ومطالبين بالحكم على أدائها المهني بدل الانشغال بحياتها الشخصية.


في المقابل، تصدّرت مؤخراً ادعاءات نشرها الكاتب الصحفي الطاهر ساتي جدلاً أوسع، إذ نسب إلى عقد المحافظة بنوداً تتعلق برواتب وامتيازات ضخمة، من بينها راتب شهري ومكافآت موسمية وبدل سكن وعلاج بالخارج. غير أن هذه الأرقام لم تصدر بشأنها أي وثيقة رسمية من بنك السودان أو جهة حكومية تؤكدها، كما لوحظ تضارب داخلي في بعض الأرقام المتداولة نفسها، وهو ما يستدعي التعامل معها بوصفها ادعاءات غير موثقة حتى تصدر جهة الاختصاص بياناً رسمياً يؤكدها أو ينفيها.


هل هي "حرب" منظمة أم نقد مشروع؟


يبقى السؤال الذي يطرحه عنوان هذا التقرير مفتوحاً: هل ما يتعرض له موقع المحافظة من حملات هو تخريب ممنهج يستهدف زعزعة الثقة في مؤسسة بنك السودان المركزي في توقيت حساس يمر فيه الاقتصاد الوطني بتحديات كبرى، أم أنه نقد مشروع يطال قرارات نقدية أربكت السوق وأسعار الصرف، وملفات ترخيص تفتقر إلى الشفافية؟


ما هو مؤكد أن بنك السودان المركزي، بوصفه مؤسسة سيادية حساسة، بحاجة ماسة إلى ترسيخ صورته كجهة رقابية موثوقة، عبر بيانات واضحة وسريعة تحسم الجدل حول الترخيص الملغى والامتيازات المتداولة، بدل ترك الساحة لتضارب الروايات وتفسيرات مفتوحة تُضعف الثقة في القطاع المصرفي برمّته، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد السوداني إلى استقرار وشفافية أكثر من أي وقت مضى.