هل ضلّت لجنة الحوار السوداني-السوداني طريقها؟ أسئلة مشروعة حول اللقاءات الخارجية

سودان ون | تحليل محمد الحسيني

لم يكن اختيار اسم "لجنة تهيئة الحوار السوداني-السوداني" مجرد تسمية عابرة، بل كان يفترض أن يعكس جوهر المهمة الموكلة إليها: إطلاق حوار وطني تتقدم فيه الإرادة السودانية، وتُصاغ فيه الحلول بأيدي السودانيين، وتُناقش فيه خلافاتهم بعيداً عن الوصاية الخارجية أو الارتهان لحسابات الآخرين.

لكن التحركات الأخيرة للجنة تطرح سؤالاً يستحق التوقف أمامه: هل ما زالت اللجنة تسير في الطريق الذي أُنشئت من أجله، أم أن الانشغال باللقاءات الدبلوماسية والزيارات الخارجية بدأ يزاحم المهمة الأساسية التي تنتظرها البلاد؟

السؤال لا ينطلق من رفض التواصل مع الخارج، ولا من التقليل من أهمية الدعم الإقليمي والدولي لإنهاء الحرب والأزمة السياسية في السودان، وإنما من ضرورة التمييز بين حوار سوداني يستفيد من الدعم الخارجي، وحوار يصبح الخارج أحد العناوين البارزة في تهيئته وإدارته.

من الخرطوم إلى القاهرة.. ثم دعوة بوروندي

في العاشر من أكتوبر الجاري، التقت لجنة تهيئة الحوار السوداني-السوداني السفير المصري لدى السودان. ووفقاً لما أعلنه الناطق باسم اللجنة، عثمان ميرغني، قدم السفير مجموعة من النصائح المتعلقة بآليات التواصل مع الأطراف الخارجية، بما يساعد على تطوير تحركات اللجنة وتعزيز فرص نجاح مساعيها لتهيئة المناخ الملائم للحوار.

وفي القاهرة، عقدت اللجنة اجتماعاً مع سفراء سبع دول أوروبية، إلى جانب سفير الاتحاد الأوروبي لدى السودان، حيث أبدى الدبلوماسيون دعمهم لمساعي الحوار السوداني-السوداني، باعتباره مساراً لمعالجة الأزمة السياسية وتداعيات الحرب والنزوح واللجوء.

ولم تتوقف التحركات عند هذا الحد؛ إذ أعلن المتحدث باسم اللجنة موافقتها على تلبية دعوة لزيارة بوروندي، نقلها سفيرها في الخرطوم، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى دعم الحوار والتشاور بشأن سبل الوصول إلى حلول للأزمة السودانية.

هذه اللقاءات، كل على حدة، قد تبدو جزءاً طبيعياً من العمل الدبلوماسي، ولا يوجد ما يكفي لاعتبارها دليلاً على أن جهة خارجية تتحكم في اللجنة أو توجه قراراتها. غير أن اجتماعها في فترة زمنية قصيرة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن الأولويات، وجدوى هذه التحركات، وما إذا كانت تخدم مباشرة مهمة تهيئة الحوار داخل السودان.

المشكلة ليست في أن تلتقي اللجنة السفراء، بل في أن يتحول التواصل مع الخارج إلى مسار متقدم على التواصل مع الداخل، أو أن تستهلك التحركات الدبلوماسية وقتاً وجهداً كان الأولى توجيههما نحو بناء التوافق السوداني.

الحوار السوداني.. لمن تكون الكلمة الأخيرة؟

من حق مصر وبوروندي والاتحاد الأوروبي وسائر الشركاء الدوليين دعم جهود السلام والاستقرار في السودان. ومن حقهم كذلك عرض تصوراتهم ومقترحاتهم، وتقديم ما يرونه مفيداً لتقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية.

لكن هذا الحق لا يلغي حقيقة أساسية: السودان هو صاحب الأزمة، والسودانيون هم المعنيون أولاً وأخيراً بمآلاتها، وهم الذين سيتحملون نتائج أي تسوية سياسية، سواء نجحت في إنهاء الصراع أم أخفقت في بناء سلام مستدام.

لذلك، فإن مسؤولية اللجنة لا تقتصر على جمع المبادرات والتواصل مع العواصم، وإنما تتمثل في بناء أرضية وطنية مشتركة، وتحديد الأطراف التي ينبغي أن تشارك في الحوار، وصياغة أجندته، وتوفير الضمانات التي تمنع تحوله إلى مجرد منصة لإعادة إنتاج الأزمة بأسماء وشعارات جديدة.

فإذا كان الهدف هو تهيئة المناخ للحوار، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على غيره هو: ما الذي أنجزته اللجنة داخل السودان؟ وما الخطوات العملية التي قطعتها في تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية والمجتمعية؟ وما الجدول الزمني الذي تتوقع أن تنتقل بموجبه من مرحلة المشاورات إلى مرحلة الحوار الفعلي؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من عدد اللقاءات التي تعقدها اللجنة، أو عدد العواصم التي تزورها.

الدعم الخارجي لا يحتاج بالضرورة إلى سفر اللجنة

لا أحد يطالب اللجنة بالانغلاق على العالم، أو تجاهل الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها الدول والمنظمات الإقليمية والدولية في دعم السلام بالسودان. لكن التواصل مع الخارج لا يعني بالضرورة أن تحزم اللجنة أمتعتها كل بضعة أيام لتلتقي مسؤولين ودبلوماسيين خارج البلاد.

هناك وسائل متعددة لإيصال الرسائل وتبادل المقترحات، من بينها اللقاءات داخل السودان، والتواصل عبر السفارات، والاجتماعات الافتراضية، وتشكيل قنوات اتصال محددة بأهداف واضحة ومخرجات قابلة للقياس.

ومن أراد دعم الحوار السوداني-السوداني، فبإمكانه تقديم رؤيته ومقترحاته عبر ممثليه الدبلوماسيين، أو المشاركة في لقاءات تُعقد داخل السودان متى سمحت الظروف بذلك. كما يمكن للجنة أن تطلب دعماً فنياً أو سياسياً محدداً، من دون أن يتحول ذلك إلى برنامج زيارات مفتوح لا تتضح دائماً علاقته المباشرة بإنجاز مهمتها.

والأهم من مكان الاجتماع هو مضمونه: هل يفضي إلى خطوة عملية؟ هل يساعد في إزالة عقبة أمام الحوار؟ هل يفتح قناة اتصال كانت مغلقة؟ وهل توجد نتائج يمكن قياسها والبناء عليها؟

إذا لم تكن الإجابة واضحة، فإن اللقاء، مهما بلغت أهمية الحاضرين فيه، قد يتحول إلى نشاط دبلوماسي يضيف إلى سجل التحركات أكثر مما يضيف إلى فرص التسوية.

أمانة المسؤولية تقتضي وضوحاً أكبر

حين تقبل لجنة وطنية مسؤولية المساهمة في رسم مستقبل بلد يعيش حرباً وأزمة سياسية واقتصادية وإنسانية معقدة، فإنها مطالبة بأن تكون أكثر وضوحاً مع نفسها ومع الرأي العام.

عليها أن تحدد ما الذي تريده من الخارج، وما الذي تحتاج إليه من الداخل، وأين تنتهي الاستشارة وتبدأ المسؤولية الوطنية المستقلة.

فليس كل دعم مفيداً بالدرجة نفسها، وليس كل تحرك ضرورياً، وليس كل باب يُفتح أمام اللجنة واجباً أن تعبره. أحياناً تكون الحكمة في اختيار المسار الأقل ضجيجاً والأكثر إنتاجاً.

ومن المهم هنا ألا تُترك التحركات الخارجية مفتوحة أمام التأويلات. فحين لا يعرف السودانيون الغرض المحدد من زيارة ما، ولا مخرجاتها، ولا صلتها المباشرة بأجندة الحوار، تنشأ مساحة للشكوك والتفسيرات المتباينة، حتى لو كانت نوايا اللجنة سليمة.


إن الحوار الذي لا يستند إلى قاعدة داخلية صلبة سيظل عرضة للتأثر بتغير المواقف الخارجية وتبدل المصالح الإقليمية والدولية. أما الحوار الذي ينطلق من توافق وطني واضح، فيمكنه الاستفادة من الخارج من دون أن يفقد استقلال قراره.

التجربة التونسية.. حين يصبح الحوار مسؤولية وطنية

تقدم التجربة التونسية في الحوار الوطني عامي 2013 و2014 نموذجاً يستحق الدراسة، لا باعتباره وصفة جاهزة يمكن نقلها إلى السودان، وإنما بوصفه تجربة أظهرت أهمية امتلاك القوى الوطنية زمام المبادرة.

فقد اضطلع الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس، المكون من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بدور بارز في تقريب وجهات النظر بين القوى المتنازعة خلال أزمة سياسية حادة.

وأسهمت جهود الرباعي في دفع الأطراف إلى التوافق على خريطة طريق، شملت تشكيل حكومة كفاءات مستقلة واستكمال المسار الانتقالي. وفي عام 2015، مُنحت المنظمات الأربع جائزة نوبل للسلام تقديراً لدورها في المساهمة في بناء حوار وطني سلمي.

لم تكن قيمة التجربة في كثرة اللقاءات الخارجية، بل في قدرة أطراف وطنية على بناء مساحة مشتركة، وإقناع الخصوم بأن استمرار الأزمة أكثر كلفة من تقديم التنازلات المتبادلة.

والسودان، بما يواجهه من حرب ونزوح وانقسام سياسي واجتماعي، يحتاج إلى مقاربة تدرك خصوصية واقعه، وتضع بناء الثقة بين السودانيين في مقدمة الأولويات. فلا يمكن استيراد التوافق من الخارج، وإن كان بالإمكان الاستفادة من خبرات الآخرين في الوصول إليه.

"أمور صغار سلّمناها لكبار".. درس في إدارة المسؤولية

تُروى في كتب التاريخ والأدب السياسي حكاية عن أبي جعفر المنصور، حين سأل أحد أمراء بني أمية عن أسباب زوال دولتهم، فجاءت الإجابة بمعنى أن أموراً صغيرة أُسندت إلى كبار، وأموراً كبيرة سُلّمت إلى صغار، وأنهم بالغوا في التقرب من العدو طمعاً في كسب وده، وفرّطوا في الصديق ضماناً لولائه، فضاعت الأمور بين الإفراط والتفريط.

وبصرف النظر عن تفاصيل الرواية ونسبتها التاريخية، فإن المعنى الذي تحمله يظل صالحاً للتأمل: المسؤوليات الكبرى لا تُدار بحسن النوايا وحده، وإنما بحسن ترتيب الأولويات، ومعرفة ما يستحق الوقت والجهد، والتمييز بين ما يخدم الهدف وما يصرف الأنظار عنه.

ولجنة الحوار السوداني-السوداني أمام مسؤولية من هذا النوع. فهي لا تعمل في ظرف عادي، ولا تتعامل مع خلاف سياسي محدود، بل مع أزمة تتداخل فيها الحرب والأمن والاقتصاد والنزوح ومستقبل الدولة.

ومن ثم، فإن كل يوم يمر دون تقدم واضح في بناء الحوار يضاعف الحاجة إلى مراجعة الوسائل، وتقييم التحركات، وتحديد ما إذا كانت الجهود المبذولة تقرّب البلاد من التسوية أم تستهلك الوقت في مسارات جانبية.

ولا يعني ذلك أن اللجنة أخفقت، أو أن لقاءاتها الخارجية بلا جدوى؛ فالحكم النهائي ينبغي أن يستند إلى النتائج. لكنه يعني أن حجم الأزمة يفرض عليها تقديم ما يثبت أن كل تحرك يصب في خدمة المهمة الأساسية.

ما المطلوب من اللجنة الآن؟

إذا أرادت اللجنة الحفاظ على الثقة العامة، فعليها أن تنتقل من مرحلة توسيع دائرة الاتصالات إلى مرحلة إظهار النتائج. ويمكن أن يبدأ ذلك بخمس خطوات عملية:

1. إعلان خارطة طريق واضحة: تحدد مراحل تهيئة الحوار، والأطراف المستهدفة، والجدول الزمني المتوقع، والمعايير التي سيُقاس بها التقدم.

2. تقديم المسار الداخلي على غيره: تكثيف اللقاءات مع القوى السياسية والمجتمعية والشخصيات الوطنية، ومعالجة نقاط الخلاف التي تعوق انطلاق الحوار.

3. ضبط التحركات الخارجية: ربط كل لقاء أو زيارة بهدف محدد ومخرجات معلنة، مع توضيح القيمة المضافة التي يقدمها كل تحرك للعملية السياسية.

4. تحديد طبيعة الدعم الدولي: الاستفادة من الخبرات والوساطات والضمانات الممكنة، مع التأكيد أن تحديد أجندة الحوار وصياغة التسوية يجب أن يظلا مسؤولية سودانية.

5. تعزيز الشفافية والمساءلة: نشر تقارير موجزة عن نتائج المشاورات، وما تحقق منها، وما لا يزال عالقاً، والخطوات التالية التي ستتخذها اللجنة.

هذه الإجراءات لا تقلل من أهمية الدبلوماسية، بل تمنحها معنى عملياً، وتمنع تحولها إلى غاية في حد ذاتها.

لا تجعلوا الحوار ثقباً في سفينة السودان

السودان اليوم أشبه بسفينة أثقلتها الحرب، وتنازعتها الأمواج السياسية والاقتصادية والإنسانية. وفي مثل هذا الظرف، لا يكفي أن تتعدد الجهات التي تعرض المساعدة، ولا أن تتكاثر الاجتماعات والزيارات؛ المطلوب هو معرفة الاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه السفينة، وتوحيد الجهود للوصول بها إلى بر الأمان.

إن لجنة الحوار السوداني-السوداني ليست مطالبة بإغلاق أبوابها أمام الخارج، لكنها مطالبة بأن تعرف متى تستمع، ومتى تتحرك، ومتى تعود إلى الداخل لتنجز ما أُنشئت من أجله.

والخوف الحقيقي ليس من لقاء سفير هنا أو قبول دعوة هناك، بل من أن يتسع هامش التحركات الدبلوماسية على حساب المسار الوطني، وأن تطول مرحلة التهيئة إلى درجة يفقد معها الحوار زخمه وثقة السودانيين في قدرته على تقديم مخرج من الأزمة.

فهل ضلّت لجنة الحوار السوداني-السوداني طريقها؟

لا تكفي اللقاءات الأخيرة وحدها للإجابة بنعم، لكنها تضع أمام اللجنة أسئلة لا يجوز تجاهلها. والإجابة لن تكون ببيان جديد عن لقاء آخر، ولا بصورة جماعية من عاصمة أخرى، وإنما بخطوات ملموسة تقرّب السودانيين من بعضهم، وتفتح الطريق أمام حوار حقيقي، وتؤكد أن القرار الوطني سيظل في أيدي أصحابه.

على اللجنة أن تتذكر أن اسمها ليس شعاراً إعلامياً، وأن الحوار الذي تحمله ليس مشروع علاقات عامة، بل مسؤولية تاريخية تتصل بمستقبل دولة وأمة.

فلتستفد من الخارج، ولكن لتبدأ من الداخل؛ ولتستمع إلى العالم، ولكن لتجعل صوت السودانيين هو الأساس. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الرحلات بقدر ما يحتاج إلى طريق واضح نحو الحوار والسلام.