لجنة تيسير الحوار السوداني تستعد لبدء أعمالها من الخرطوم الأحد المقبل.. ضمانات البرهان تفتح الباب أمام مسار سياسي جديد
الخرطوم - السودان | 25 أغسطس 2026
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي ... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية
تستعد لجنة تيسير الحوار السوداني-السوداني لبدء أعمالها رسمياً من العاصمة الخرطوم، يوم الأحد المقبل، في خطوة مرتقبة لإطلاق مسار حوار وطني يهدف إلى جمع القوى السياسية والمجتمعية حول قضايا الدولة ومستقبل الحكم في السودان، وسط انقسامات حادة بشأن شكل المشاركة وأولويات المرحلة المقبلة.
ومن المنتظر أن تعقد اللجنة مؤتمراً صحفياً في الخرطوم تعلن خلاله الترتيبات والإجراءات التحضيرية لانطلاق عملية الحوار، إلى جانب توضيح آليات العمل والضوابط المنظمة لمشاركة الأطراف المختلفة.
وكانت اللجنة قد عقدت خلال الأيام الماضية سلسلة اجتماعات تحضيرية، في إطار الاستعداد للمرحلة الأولى من الحوار، الذي يأتي في ظل استمرار الحرب والتعقيدات السياسية والأمنية التي تواجه السودان.
ضمانات سياسية وقانونية للمشاركين
ويستند المسار الجديد إلى موقف أعلنه رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، في خطابه بمناسبة الذكرى الـ72 لسودنة قيادة القوات المسلحة، إذ أكد موافقته على توفير ضمانات سياسية وقانونية وأمنية للمشاركين في الحوار.
وأوضح البرهان أن مجموعة وطنية بادرت من تلقاء نفسها إلى طرح مبادرة للحوار، انطلاقاً من رؤية تقوم على أن تجاوز الأزمة السودانية يتطلب حواراً سودانياً خالصاً ينطلق من الداخل ويستوعب القوى السياسية والمجتمعية.
وأكد أن الدولة مستعدة لتوفير الدعم اللوجستي والضمانات اللازمة لحماية المشاركين، مع التشديد على أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار أو المحددة لأجندته ومخرجاته، بما يحافظ - وفقاً للموقف المعلن - على استقلالية العملية وصدقيتها.
ما طبيعة الضمانات؟
وتضمن التصور الذي طرحه البرهان مجموعة من الضمانات المرتبطة بالمشاركين، أبرزها وقف الإجراءات الجنائية القائمة في مواجهة المشاركين خلال فترة الحوار، مع التأكيد على أن ذلك لا يمثل عفواً قانونياً نهائياً أو إسقاطاً للحقوق.
كما تضمن التصور حصانة مؤقتة في بعض الإجراءات التي قد تعوق مشاركة الأطراف، إلى جانب حماية قانونية للآراء والمواقف التي يطرحها المشاركون داخل جلسات الحوار، بما يسمح بإجراء نقاش سياسي أكثر صراحة دون الخشية من استخدام المواقف التي تطرح أثناء الحوار أساساً لملاحقات لاحقة.
وشدد البرهان كذلك على أهمية توفير مناخ عام يسمح بحرية التعبير والنقاش حول قضايا الحوار، مؤكداً أن الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون عملية مغلقة على المشاركين في جلساته، وإنما يجب أن يتيح للمجتمع السوداني التفاعل مع موضوعاته ومخرجاته.
من يشارك في الحوار السوداني؟
يمثل تحديد أطراف الحوار السوداني-السوداني إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل قبل انطلاقه، إذ تتباين الرؤى بين من يدعو إلى حوار شامل يضم أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والمجتمعية، وبين من يرى ضرورة وضع معايير سياسية وقانونية واضحة للمشاركة.
وفي هذا السياق، تذهب بعض الرؤى المطروحة إلى أن المشاركة ينبغي أن تقوم على الصفة الفردية للشخصيات، وليس بالضرورة على أساس تمثيل الكتل السياسية، مع ربط المشاركة بموقف الشخص من مؤسسات الدولة والحرب ومستقبل العملية السياسية.
في المقابل، تدعو أصوات أخرى إلى توسيع قاعدة الحوار لتشمل الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية والمجموعات المهنية والشخصيات القومية، باعتبار أن معالجة جذور الأزمة السودانية تتطلب مشاركة مجتمعية واسعة.
الاتفاق على. قواعد. الحوار. قبل الأطراف
ويرى عضو الكتلة الديمقراطية ورئيس تحالف منظمات المجتمع المدني، الدكتور صلاح دارمسا، أن النقاش حول الحوار ينبغي ألا يبدأ بسؤال "من يشارك ومن يُستبعد؟"، وإنما بسؤال أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الحوار ومرجعيته والغاية الوطنية التي يسعى إلى تحقيقها.
وتطرح هذه الرؤية ضرورة الاتفاق أولاً على ميثاق مبادئ للحوار يتضمن وحدة السودان وسيادته، والمحافظة على مؤسسات الدولة، ورفض استخدام السلاح للوصول إلى السلطة، والالتزام بالعمل السياسي المدني، وعدم إنشاء سلطات موازية للدولة.
كما تدعو إلى الفصل بين المسارات المختلفة للأزمة، بحيث يكون هناك مسار عسكري وأمني للترتيبات الأمنية، ومسار سياسي لمناقشة مستقبل الحكم والدولة، ومسار للعدالة والمساءلة لا يخضع للمساومات السياسية.
وتضع هذه الرؤية قضية بناء الدولة في صدارة الحوار، بدلاً من اختزاله في إعادة توزيع السلطة بين النخب السياسية.
سؤال كيف "يُحكم السودان"؟ يعود إلى الواجهة
وتطرح أصوات سودانية أخرى تصوراً أوسع للحوار، يركز على طبيعة الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم.
ويذهب هذا الاتجاه إلى أن القضية الأساسية ليست تشكيل حكومة جديدة، وإنما الإجابة عن سؤال ظل حاضراً في السياسة السودانية منذ الاستقلال: كيف يُحكم السودان؟
ومن بين المقترحات المطروحة في هذا السياق اعتماد نظام إقليمي أو فدرالي أكثر اتساعاً، بما يتيح معالجة قضايا توزيع السلطة والثروة والعلاقة بين المركز والأقاليم، إلى جانب وضع أسس جديدة لإدارة التنوع السياسي والمجتمعي.
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن نجاح الحوار يتطلب أن يكون شاملاً وشفافاً وقادراً على مناقشة شكل الدولة، وليس فقط ترتيبات السلطة التنفيذية في الخرطوم.
مناوي: الحوار منصة للالتقاء دون إقصاء
وفي موقف داعم لفكرة الحوار، قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن الحوار السوداني-السوداني يمكن أن يشكل منصة لالتقاء مختلف القوى السياسية والتفاكر حول القضايا الأساسية للدولة، وصولاً إلى توافق وطني يقود إلى استقرار مستدام.
ويأتي ذلك في وقت تتعدد فيه المبادرات والرؤى المطروحة لإنهاء الحرب وإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني، بينما لا تزال قضية العلاقة بين المسار السياسي والمسار العسكري والأمني واحدة من أكثر الملفات تعقيداً.
"صمود" أمام اختبار المشاركة والمقاطعة
وتبرز في المقابل مواقف رافضة أو متحفظة على صيغة الحوار الحالية، ومن بينها مواقف منسوبة إلى تحالف "صمود"، الذي يرى منتقدوه أن موقفه يضعه أمام اختبار سياسي يتعلق بمدى قدرته على الفصل بين رفض شروط أو آليات الحوار وبين رفض مبدأ الحوار نفسه.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الحوار الوطني لا ينبغي أن يكون حكراً على السلطة أو على أي تحالف سياسي، كما أن اتساع المشاركة لا يعني بالضرورة منح الشرعية السياسية للأطراف المسلحة.
وفي المقابل، فإن نجاح الحوار يتطلب - بحسب هذه الرؤية - ضمانات حقيقية للاستقلالية والتمثيل وتكافؤ المشاركة، حتى لا يتحول إلى مسار لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي الذي سبق الحرب.
وتظل هذه النقطة من أكثر الملفات حساسية، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول المرجعيات الإقليمية والدولية لأي عملية سياسية تخص السودان.
حوار سياسي أم حوار استراتيجي؟
أما الأستاذ الدكتور محمد حسين أبو صالح، فيدعو إلى الانتقال من مفهوم الحوار السياسي التقليدي إلى حوار استراتيجي شامل يتجاوز تقاسم السلطة ويبحث في جذور الأزمة السودانية.
وتقوم هذه الرؤية على إنتاج "فكرة وطنية" تعبر عن الدولة السودانية وليس عن حكومة أو حزب أو قبيلة أو جهة بعينها، إلى جانب إعداد وثيقة للمصالح الوطنية وترتيبات تتعلق بالأمن القومي والحكم الرشيد والسلام المستدام.
كما تدعو إلى جعل فترة ما بعد الحرب مرحلة تأسيس للدولة، وليس مجرد مرحلة انتقال للسلطة، مع إنشاء منصة وطنية للحوار تتولى إدارة المعرفة وإجراء المشاورات الشعبية والتحليل الاستراتيجي، والاستفادة من خبرات العلماء والمختصين والخبراء بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
الخرطوم أمام اختبار الحوار
ومع اقتراب الموعد المعلن لبدء أعمال لجنة تيسير الحوار السوداني، تتجه الأنظار إلى الخرطوم لمعرفة طبيعة الخطوات التي ستعلنها اللجنة، والمعايير التي ستحدد المشاركة، ومدى قدرتها على تحويل المبادرة من فكرة سياسية إلى عملية حوارية ذات قواعد واضحة ومخرجات قابلة للتنفيذ.
وتكمن أهمية المرحلة المقبلة في أن الحوار يأتي في لحظة مفصلية بالنسبة للسودان؛ فالحرب لم تترك آثاراً عسكرية وأمنية فحسب، وإنما عمّقت أزمة الدولة، وأعادت طرح قضايا شكل الحكم، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وتوزيع السلطة والثروة، والعدالة، وإدارة التنوع، ومستقبل المؤسسات الوطنية.
وبالتالي، فإن نجاح الحوار لن يقاس فقط بعدد المشاركين أو القوى التي تجلس إلى الطاولة، وإنما بقدرته على إنتاج توافق وطني قابل للحياة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام انتقال سياسي مستقر، وإنهاء دورة الصراع والانقلابات والحروب.
الخلاصة
يبدأ الحوار السوداني-السوداني في الخرطوم وسط سقف مرتفع من التوقعات وخلافات واضحة حول شروط المشاركة وحدود الشمول والمرجعيات السياسية.
وبينما تؤكد السلطة استعدادها لتوفير ضمانات سياسية وقانونية وأمنية للمشاركين، يبقى التحدي الأكبر أمام لجنة التيسير هو بناء الثقة وإثبات استقلالية العملية، ووضع قواعد واضحة للمشاركة، ومنع الحوار من التحول إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات السياسية.
وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، قد يكون الاختبار الحقيقي للحوار هو قدرته على الانتقال من الخلاف حول من يحكم السودان إلى التوافق حول كيف يُحكم السودان، ومن صراع النخب على السلطة إلى مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة ويضع السلام والاستقرار والمواطنة في مقدمة أولويايه