من أديس أبابا إلى كمبالا.. تحركات لإعادة تشكيل قيادة حركة عبد الواحد ومعركة نفوذ جديدة في دارفور
تقرير تحليلي
تبدو حركة/جيش تحرير السودان، بقيادة عبدالواحد محمد نور، أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع الحرب في السودان، مع تداول معلومات عن تحركات سياسية وتنظيمية تستهدف إعادة ترتيب موازين القيادة والنفوذ داخل الحركة، في مسار لا يعتمد بالضرورة على المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما على استمالة القيادات، وتوسيع الانقسامات، وفتح مسارات سياسية وقانونية موازية.
وتشير معطيات متداولة إلى أن هذه التحركات بدأت في أديس أبابا وامتدت إلى كمبالا، بمشاركة شخصيات مرتبطة بمسارات سياسية وعسكرية مختلفة، من بينها السلطان أحمد علي دينار، القيادي في مجلس قيادة «تأسيس»، وحافظ إمام، المسؤول السياسي السابق في حركة تحرير السودان، والذي انضم أخيراً إلى قوات الدعم السريع.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن أحد الأسماء المطروحة في إطار البحث عن قيادة بديلة هو إبراهيم مهاجر عبدالعال «أرقولا»، رغم صدور قرار بفصله من الحركة في يونيو 2026، فيما تُطرح في سياق هذه التحركات مسألة علاقاته مع منظمات دولية تنشط في المناطق التي تتمتع الحركة بنفوذ فيها. فتعدد الأسماء والمسارات المتداولة يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتعلق بالصراع على النفوذ داخل أحد أهم الفاعلين المسلحين في دارفور.
من تغيير القيادة إلى تفكيك مركز النفوذ
المسألة، وفق هذا التصور، لا تتعلق فقط بموقع عبدالواحد محمد نور، وإنما بمستقبل مركز القوة الذي تمثله الحركة في جبل مرة ومحيط طويلة. فالحركة تحتفظ منذ سنوات بهيكل عسكري وسياسي خاص، كما بنت لنفسها شبكة من العلاقات مع منظمات دولية وفاعلين سياسيين وإنسانيين، الأمر الذي يجعل السيطرة على قرارها الداخلي أكثر أهمية من مجرد تغيير اسم في قمة الهرم القيادي.
ومن هنا، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل القيادة يمكن أن تتحول إلى معركة أوسع على ثلاث دوائر متداخلة: القرار العسكري، والإدارة المدنية، والعلاقات الخارجية. وإذا صحت المعطيات المتداولة بشأن وجود تحركات منظمة في هذا الاتجاه، فإن السيناريو يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الصراع داخل دارفور؛ من استهداف الخصوم بالسلاح إلى محاولة إعادة إنتاج موازين القوة من داخل المؤسسات والتنظيمات نفسها.
مسار سياسي وآخر حقوقي
ولا تقف المعلومات المتداولة عند حدود الاتصالات السياسية والتنظيمية، إذ تتحدث أيضاً عن مسار قانوني يستهدف عبدالواحد محمد نور، تقوده شخصيات مرتبطة بملفات حقوقية وقانونية. وتشير المعطيات إلى تحركات لجمع إفادات وشهادات وإعداد ملف قانوني، مع تداول الحديث عن محاولة الاستناد إلى اختصاصات وآليات المحكمة الجنائية الدولية.
استمالة القيادات.. معركة داخلية هادئة
في موازاة ذلك، تتحدث المعلومات المتداولة عن محاولات لاختراق البنية القيادية للحركة واستمالة شخصيات مؤثرة فيها، من بينها الناطق الرسمي محمد عبدالرحمن الناير «بوتشر»، عبر عروض وحوافز مالية وسياسية. و تكشف، عن طبيعة مختلفة للصراع. فبدلاً من محاولة إسقاط الحركة من الخارج، يصبح الهدف هو إعادة توزيع الولاءات داخلها، بما يسمح بإحداث تغيير في موازين القرار دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية شاملة.
وهذا النوع من الصراعات ليس جديداً في تاريخ الحركات المسلحة السودانية، حيث كثيراً ما كانت الانقسامات الداخلية والانشقاقات القيادية مدخلاً لإعادة تشكيل التنظيمات ومواقعها السياسية والعسكرية.
لماذا تثير «القوة المشتركة» القلق؟
وتربط المعطيات المتداولة هذه التحركات بما أظهرته تجربة القوة المشتركة للحركات المسلحة في دارفور من قدرة على تغيير الحسابات العسكرية والسياسية على الأرض.
فالتجربة أظهرت أن توحد الفاعلين المحليين، حتى بصورة مؤقتة، يمكن أن ينتج قوة سياسية وعسكرية يصعب تجاوزها في حسابات الحرب. ومن هذه الزاوية، فإن أي تقارب محتمل بين قيادة حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد وبعض الأطراف الأخرى في السودان قد يُنظر إليه باعتباره تطوراً يستحق المتابعة من جانب خصوم الحركة وحلفائها على السواء.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر بسبب موقع جبل مرة الجغرافي والعسكري والسياسي، باعتباره واحداً من أكثر المناطق حساسية في خريطة الصراع الدارفوري.
أديس أبابا وكمبالا.. لماذا الخارج مهم؟
اختيار العواصم الإقليمية كمساحات للتحرك السياسي ليس تفصيلاً عابراً. فأديس أبابا وكمبالا ظلتا خلال السنوات الماضية ساحات مهمة للاتصالات السودانية والإقليمية، واستضافتا لقاءات بين أطراف سياسية وعسكرية ومنظمات وشخصيات مرتبطة بالأزمة السودانية. وفي حالة حركة تحرير السودان، فإن التحركات الخارجية يمكن أن تؤدي دوراً يتجاوز التفاوض السياسي، إلى بناء شبكات دعم واتصالات، وفتح قنوات مع منظمات دولية، واختبار فرص تشكيل قيادة أو واجهة سياسية جديدة. وتتحدث المعلومات المتداولة عن أدوار محتملة لجهات إقليمية، بينها الإمارات، في دعم هذه التحركات.
المعركة الحقيقية: من يملك قرار جبل مرة؟
في نهاية المطاف، قد لا تكون القضية الأساسية هي عبدالواحد محمد نور كشخص، وإنما من يملك قرار حركة تحرير السودان، ومن يملك القدرة على التأثير في جبل مرة، ومن يحدد موقف الحركة من الحرب ومن القوى السودانية والإقليمية المتنافسة. ولهذا فإن أي تغيير في قيادة الحركة، إذا حدث، لن يكون مجرد تعديل تنظيمي داخلي.
فهو قد يعيد رسم خريطة التحالفات في دارفور، ويؤثر في الحسابات العسكرية حول جبل مرة، ويفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة، وربما يغيّر موقع الحركة من الحرب الدائرة في السودان. ومن هنا، تبدو المعركة المقبلة؛ معركة نفوذ قبل أن تكون معركة قيادة.
من البندقية إلى التنظيم
الحرب السودانية لم تعد تُدار فقط على خطوط المواجهة العسكرية. فإلى جانب المدافع والطائرات والمواقع الميدانية، أصبحت القيادة، والتمويل، والعلاقات الدولية، والإدارة المدنية، والإعلام، والملفات الحقوقية أدوات متقدمة في إعادة تشكيل موازين القوة.
وفي حالة حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد نور، فإن المعلومات المتداولة عن تحركات في أديس أبابا وكمبالا تضع الحركة أمام اختبار داخلي جديد، بينما يظل السؤال الأكبر مفتوحاً: هل نحن أمام محاولات محدودة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، أم أمام مشروع أوسع لإعادة تشكيل القيادة والنفوذ في جبل مرة؟
الإجابة لن تحسمها التسريبات وحدها، وإنما ما ستكشفه الأيام المقبلة من تحركات وانشقاقات ومواقف قيادات الحركة، وما إذا كانت الاتصالات الخارجية ستتحول إلى واقع سياسي وتنظيمي على الأرض.