استهتار متكرر.. عبارة "عُمان" تُعطّل مصائر الركاب بين سواكن وجدة وسط صمت رقابي
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحفي في 4 ولايات سودانية
سواكن - جدة
تتوالى الشواهد على أن العبارة "عُمان"، إحدى وسائل النقل البحري الرئيسية للركاب بين ميناء سواكن السوداني وميناء جدة الإسلامي بالمملكة العربية السعودية، باتت عاجزة عن الوفاء بأبسط معايير الانتظام والسلامة، في وقتٍ يتحمّل فيه مئات المسافرين يوميًا تبعات هذا التخبط، بينما تبدو الجهات الرقابية عاجزة - أو متقاعسة - عن اتخاذ إجراء حاسم.
إلغاء مفاجئ لرحلة يوم 21 أغسطس
في خطاب رسمي صادر عن وكالة بسام أحمد طاهر عفاشة التجارية (Bassam Shipping) بتاريخ 22 أغسطس 2026، موجّه إلى المدير العام التنفيذي لميناء جدة الإسلامي، أُعلن عن إلغاء رحلة العبارة "عُمان" التي كان مقررًا أن تغادر يوم 21 أغسطس 2026. واكتفت الوكالة بالإشارة إلى أنها ستتولى نقل الركاب وتسكينهم في الفنادق وتوفير وجبات غذائية لهم "حتى يتم حل المشكلة أو توفير بديل"، دون أن تُوضح للركاب أو للرأي العام طبيعة العطل أو الجدول الزمني المتوقع لحل الأزمة.
هذا الإلغاء المفاجئ لم يكن حدثًا معزولًا، بل يأتي في سياق متصل من التعثر، إذ يضع مئات المسافرين - ومعظمهم من العائدين أو المغادرين لظروف شخصية وعائلية ومعيشية ضاغطة - أمام مصير مجهول، بين انتظار في فنادق مؤقتة أو تكدس في صالات الموانئ، دون معلومات كافية أو ضمانات واضحة بشأن موعد السفر الفعلي.
تحذير رسمي سابق تجاهلته الجهات المعنية
اللافت أن هذا الإلغاء لم يأتِ من فراغ. فقد سبق أن وجّه المكتب التنفيذي بوزارة البنى التحتية والنقل السودانية، في خطاب رسمي مؤرخ 29 مارس 2026 موجّه إلى مدير عام هيئة الموانئ البحرية، توصية صريحة بنقل الأمر إلى الوزير للموافقة على إخراج الباخرة "عُمان" من الخط بين البلدين، وذلك لعدم استيفائها الشروط والمعايير الخاصة بالسودان من حيث عدد الغرف وتوفر الحمّامات الكافية للركاب. وأشار الخطاب إلى مراسلات سابقة بهذا الشأن تعود إلى يناير 2026، أي أن المشكلة موثقة ومعروفة لدى الجهات الرسمية منذ أشهر قبل وقوع أزمة أغسطس الأخيرة.
بعبارة أخرى: كانت هناك توصية رسمية بسحب ترخيص هذه الباخرة من الخط لعدم لياقتها لنقل البشر بكرامة وأمان، لكن يبدو أن هذه التوصية لم تُترجم إلى قرار فعلي رادع، وظلّت العبارة تعمل على الخط وتحمل المئات من الركاب في كل رحلة، رغم توثيق نقص واضح في مواصفات الراحة الأساسية.
أرقام تكشف حجم المسؤولية
تكشف بيانات إحدى رحلات العبارة (الرحلة رقم 62-2026، جدة رقم 59) بتاريخ 21 أغسطس 2026 أنها كانت تقلّ 547 راكبًا، غالبيتهم الساحقة من الجنسية السودانية، بينهم أطفال ومسنون وأسر كاملة. هذا العدد الكبير من الأرواح المعتمدة على انتظام هذا الخط البحري وحده كفيل بأن يفرض معايير تشغيل وسلامة صارمة لا مجال فيها للتهاون، خاصة أن العبارة - بحسب الشكاوى المتكررة - تعاني أصلًا من قصور في عدد الغرف والمرافق الصحية والمطاعم وسبل الراحة الأساسية للركاب طوال ساعات الرحلة البحرية الطويلة.
من يتحمل المسؤولية؟
هذه الوقائع مجتمعة تطرح سؤالًا جوهريًا أمام الجهات الحكومية المعنية بالموانئ والملاحة في البلدين: كيف تُمنح تصاريح وتصاديق التشغيل لسفن ثبت رسميًا أنها لا تستوفي المعايير الفنية والإنسانية الدنيا؟ ولماذا تُترك آلاف الأرواح رهينة قرارات تشغيل متقطعة، بينما تكتفي الجهات المشغّلة بخطابات اعتذار مقتضبة عند وقوع الأزمة، دون محاسبة أو مراجعة جذرية لصلاحية الباخرة للاستمرار في الخط؟
إن استمرار تشغيل عبّارة موصى رسميًا بإخراجها من الخط، دون معالجة جذرية لأوجه القصور التي رصدتها الجهات الرقابية نفسها، لا يمكن وصفه إلا بالاستهتار بحياة الركاب ومصائرهم. والمطلوب اليوم ليس مجرد خطابات اعتذار وتعويضات فندقية مؤقتة، بل مراجعة صارمة وشفافة لملف تراخيص السفن العاملة على خط سواكن-جدة، وربط استمرار أي باخرة على الخط بمعايير تنافسية وفنية حقيقية تضع سلامة الإنسان فوق أي اعتبار تجاري أو إداري آخر.