الحوار السوداني الشامل يقترب من أغسطس.. البرهان يكثف المشاورات لتحديد الموعد والأجندة

الخرطوم – سودان ون

دخلت الترتيبات الخاصة بإطلاق حوار سوداني–سوداني شامل مرحلة جديدة، مع تكثيف رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان مشاوراته مع قوى سياسية ومجتمعية وشخصيات مستقلة، في مسعى للتوافق حول شكل الحوار وموعد انعقاده والأطراف التي ستشارك فيه.

وتتركز المشاورات، وفق مصادر سياسية مطلعة، على عدد من الملفات الرئيسية، أبرزها تحديد موعد الحوار السوداني، صياغة الأجندة، آليات المشاركة، وتهيئة المناخ السياسي بما يسمح بانطلاق عملية حوار أوسع من حالة الاستقطاب التي عمقت الانقسام السياسي منذ اندلاع الحرب في السودان.

مشاورات لتحديد موعد الحوار السوداني

وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود مقترح لعقد الحوار السوداني خلال أغسطس الجاري، غير أن الموعد النهائي لم يُحسم بصورة رسمية حتى الآن، في ظل استمرار الاتصالات بشأن طبيعة الأجندة وترتيبات المشاركة والجهات التي يمكن أن تنخرط في العملية السياسية.

وتشمل المشاورات، بحسب المصادر، قوى سياسية وشخصيات مستقلة وقيادات أهلية وممثلين عن الإدارات الأهلية والطرق الصوفية ومكونات من المجتمع المدني، في محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة والوصول إلى صيغة يمكن أن تحظى بقدر من القبول وسط المكونات السودانية المختلفة.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى أن يكون الحوار الوطني السوداني مدخلًا لمعالجة جذور الأزمة وإنهاء الحرب وتهيئة الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة، مع تأكيد عدد من القوى السياسية ضرورة أن تكون العملية السياسية بقيادة سودانية وأن تُتخذ قراراتها داخل البلاد بعيدًا عن فرض الحلول الخارجية.

تهيئة المناخ السياسي قبل انطلاق الحوار

ولا تقتصر المشاورات على تحديد موعد الحوار وأجندته، إذ تبحث الاتصالات الجارية، وفق المعلومات المتداولة، خطوات سياسية وقانونية يمكن أن تسهم في تهيئة المناخ العام وبناء الثقة بين الأطراف التي قد تشارك في العملية.

وتشمل هذه الملفات بحث إجراءات مرتبطة بالشأن السياسي، من بينها مراجعة بعض البلاغات والإجراءات القانونية، بما يمكن أن يتيح مساحة أوسع للمشاركة أمام القوى والشخصيات التي تختار الانخراط في الحوار السوداني الشامل.

كما تبرز اتصالات مرتقبة مع تحالف صمود وقوى مدنية أخرى، في إطار التعرف على مواقف مختلف الأطراف من فكرة الحوار، وشكل العملية السياسية، والضمانات المطلوبة لضمان مشاركة أوسع.

ما أجندة الحوار السوداني المرتقب؟

ويُتوقع أن تكون أجندة الحوار واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا، في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وتداعياتها السياسية والإنسانية والأمنية. ومن أبرز الملفات المطروحة على أي عملية سياسية مقبلة:

- وقف الحرب والوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

- حماية المدنيين ومعالجة الملف الإنساني.

- محاسبة المتورطين في الانتهاكات وفق القانون. - إعادة بناء مؤسسات الدولة.

- إصلاح القطاع الأمني والعسكري.

- ترتيبات المرحلة الانتقالية.

- عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم.

- إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب.

- وضع أسس لعملية انتخابية مستقبلية.

- معالجة التدخلات الخارجية في الأزمة السودانية.

وتفرض هذه الملفات على الأطراف السودانية البحث عن صيغة لا تكتفي بوقف القتال، وإنما تتعامل مع القضايا التي أنتجت الأزمة وأصبحت جزءًا من مستقبل الدولة السودانية.

الحرب والتدخلات الخارجية في صدارة المشهد

ويأتي التحرك السياسي في وقت لا تزال فيه الحرب السودانية مستمرة، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، وسط تداعيات واسعة على المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد ومؤسسات الدولة.

كما تواجه قوات الدعم السريع اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في دارفور ومناطق أخرى، بينما تواصل جهات دولية الحديث عن الانتهاكات التي رافقت الحرب، إلى جانب الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لأطراف الصراع. وتبرز في هذا السياق اتهامات موجهة إلى الإمارات العربية المتحدة بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.

ومن ثم، فإن أي حوار سياسي سوداني مقبل سيجد نفسه أمام ملفات شديدة الحساسية، من بينها وقف الحرب، العدالة والمساءلة، مستقبل القوات المسلحة والقوات النظامية، منع انتشار التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، والتعامل مع التدخلات الإقليمية والدولية.

مشاركة القوى السياسية.. الاختبار الأصعب

وتبقى مسألة المشاركة واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الحوار السوداني المرتقب، خصوصًا في ظل الانقسامات السياسية التي أفرزتها الحرب، وظهور مواقف ومشروعات سياسية متباينة بشأن مستقبل الدولة وشكل المرحلة الانتقالية.

ويحتاج نجاح الحوار إلى صيغة واضحة تحدد معايير المشاركة، بحيث تجمع بين القوى السياسية والمجتمعية والشخصيات المستقلة، مع مراعاة طبيعة المرحلة وضرورة ألا يتحول الحوار إلى منصة لإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي.

كما أن مشاركة القوى المدنية ستكون عنصرًا مهمًا في تحديد مدى قدرة الحوار على اكتساب شرعية سياسية وشعبية، خصوصًا إذا نجحت المشاورات في الوصول إلى تفاهمات بشأن الأجندة والضمانات وآليات اتخاذ القرار.

هل يتحول الحوار إلى مسار لإنهاء الحرب؟

وتتجاوز أهمية الحوار السوداني المرتقب مجرد عقد مؤتمر أو لقاء سياسي، إذ يرتبط نجاحه بقدرته على التحول إلى عملية سياسية وطنية تمتلك جدولًا واضحًا ومراحل محددة وآليات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

ويرى مراقبون أن نجاح أي مسار سياسي في السودان يتطلب الجمع بين إنهاء الحرب والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، إلى جانب معالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية والقانونية التي خلفها الصراع.

كما سيكون ملف العدالة والمساءلة حاضرًا بقوة، في ظل حجم الانتهاكات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب، وما ترتب عليها من نزوح واسع وخسائر بشرية ومادية كبيرة. السودان أمام اختبار سياسي جديد ومع استمرار المشاورات لتحديد موعد وأجندة ومشاركة الأطراف، تبدو الخرطوم أمام محاولة جديدة لإطلاق مسار سياسي سوداني يمكن أن يشكل مدخلًا لمعالجة الأزمة، إذا نجحت القوى المعنية في تجاوز الخلافات حول المشاركة والأجندة والضمانات.

ويبقى التحدي الأساسي أمام هذا المسار هو تحويل الحوار من مجرد لقاء بين القوى السياسية إلى عملية وطنية قادرة على معالجة أسباب الحرب وتداعياتها، ووضع أسس لمرحلة جديدة تقوم على وحدة السودان، سيادة مؤسسات الدولة، إنهاء القتال، حماية المدنيين، وتحقيق السلام والاستقرار.

وفي حال حسم موعد الحوار خلال أغسطس، فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل العملية السياسية، والجهات المشاركة فيها، ومدى قدرتها على تقديم مسار سوداني جديد يتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة دولة ومجتمع، وليس مجرد صراع بين أطراف سياسية أو عسكرية.