مجلس الأمن يبحث توسيع حظر السلاح في السودان.. انقسام دولي يضع المقترح الأمريكي أمام اختبار صعب
نيويورك - سودان ون
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية بملبغ قدره 45 ألف يورو
دخل ملف الحرب في السودان مرحلة جديدة داخل مجلس الأمن الدولي، بعدما طرحت الولايات المتحدة خلال جلسة عقدت في نيويورك، الاثنين 24 أغسطس 2026، مقترحاً لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع إدراج الطائرات المسيّرة والأنظمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر.
وجاء التحرك الأمريكي في جلسة ركزت أساساً على حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية المتفاقمة للحرب، وسط تحذيرات أممية من اتساع نطاق القتال، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة، وتفاقم النزوح والأزمة الإنسانية. ولم يتحول المقترح الأمريكي إلى قرار ملزم خلال الجلسة، إذ يتطلب اعتماده استكمال المسار داخل مجلس الأمن والتوافق أو إجراء تصويت على مشروع القرار.
المقترح الأمريكي..توسيع جغرافي وتقني لحظر السلاح
قدم مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق أوسطية، مسعد بولس، تصور واشنطن أمام أعضاء مجلس الأمن، موضحاً أن مشروع القرار يستهدف توسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان، وتأكيد شمول الحظر للطائرات المسيّرة والأنظمة والتقنيات ذات الصلة.
كما يتضمن المقترح زيادة عدد الخبراء العاملين ضمن آلية مراقبة العقوبات، وتعزيز التعاون بين فرق الخبراء المعنية بالسودان والملفات الإقليمية الأخرى، بهدف تتبع شبكات تمويل وتسليح الأطراف المتحاربة. وقال بولس إن ( واشنطن ترى أن الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي لأطراف النزاع يمثل أحد محركات الحرب ) .
وتقول واشنطن إن الهدف من الخطوة ليس تغيير موازين القوى ميدانياً، وإنما زيادة الضغط على طرفي الحرب لدفعهما نحو وقف القتال والمسار السياسي.
لكن المقترح يواجه منذ طرحه اعتراضات من الحكومة السودانية وروسيا والصين، فيما أبدت الولايات المتحدة وفرنسا ودول غربية أخرى تأييداً لتوسيع الحظر.
السودان : توسيع الحظر قد يضعف قدرة الدولة على حماية المدنيين
من جانبها، رفضت الحكومة السودانية توسيع نظام العقوبات وحظر السلاح إلى كامل البلاد، معتبرة أن الإجراء قد يؤدي عملياً إلى مساواة القوات المسلحة السودانية بقوات الدعم السريع، ويؤثر في قدرة الدولة على حماية المدنيين ومواجهة التمرد.
وقال مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس الحارث محمد، إن بلاده لا تعارض استمرار الآليات القائمة المتعلقة بدارفور بصورة تقنية، لكنها تعترض على توسيع نطاقها بما يقيّد قدرة الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وأكد المندوب السوداني أن المشكلة الأساسية، من وجهة نظر الخرطوم، لا تكمن في غياب العقوبات، وإنما في استمرار تدفق السلاح إلى قوات الدعم السريع عبر شبكات خارجية، داعياً إلى تشديد الرقابة على الجهات التي تنتهك نظام العقوبات بدلاً من توسيع نطاق الحظر ليشمل الدولة السودانية بأكملها.
روسيا: لا مساواة بين الجيش والميليشيا
أبرز المواقف المعارضة للمقترح جاء من روسيا، التي حذرت من أن توسيع حظر السلاح والعقوبات قد يضر بقدرة القوات المسلحة السودانية، ويزيد من الضغوط الاقتصادية والإنسانية على المواطنين.
وأكد المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا رفضه لما وصفه بمحاولات خلق مساواة أخلاقية وسياسية بين طرفي النزاع، مشيراً إلى أن موسكو ترى اختلافاً بين عمليات القوات المسلحة السودانية ضد التمرد وبين الهجمات التي تنفذها قوات الدعم السريع ضد المدنيين والبنية التحتية.
كما حذرت روسيا من أن العقوبات الاقتصادية الإضافية، بما في ذلك الإجراءات التي تؤثر في الموارد الوطنية، قد تزيد من معاناة المواطنين ولا تقود بالضرورة إلى تسوية سياسية.
ويمتلك الموقف الروسي وزناً خاصاً داخل المجلس، إذ إن روسيا عضو دائم ويتمتع بحق النقض، كما أن الصين، العضو الدائم الآخر، أبدت بدورها تحفظات على توسيع العقوبات، داعية إلى التعامل بحذر مع أي إجراءات جديدة واحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.
الصين تحذر من تحويل العقوبات إلى غاية بحد ذاتها
دعت الصين مجلس الأمن إلى عدم التعامل مع العقوبات باعتبارها بديلاً عن المسار السياسي، مؤكدة أن أي إجراءات جديدة ينبغي أن تكون مرتبطة بهدف واضح يتمثل في دعم السلام، لا أن تتحول إلى أداة ضغط منفصلة عن جهود التسوية.
وحذرت بكين من أن توسيع نطاق الإجراءات القسرية قد يؤثر في الاستقرار الاقتصادي والحياة اليومية للسودانيين، داعية في المقابل إلى تحسين تنفيذ الإجراءات القائمة وملاحقة الانتهاكات وشبكات تهريب السلاح.
ويعني هذا الموقف، إلى جانب الموقف الروسي، أن تمرير أي مشروع أمريكي بصيغة موسعة سيواجه اختباراً صعباً داخل المجلس، خصوصاً في ظل الحاجة إلى أصوات كافية وعدم استخدام حق النقض من أي عضو دائم.
السعودية إدانة لهجمات الدعم السريع ودعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار
في المقابل، ركزت المملكة العربية السعودية خلال الجلسة على حماية المدنيين ووقف الحرب، حيث أدان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالعزيز الواصل الهجمات الأخيرة التي اتهم قوات الدعم السريع بشنها ضد المدنيين في السودان، بما في ذلك النساء والأطفال.
ودعت الرياض جميع الأطراف إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والعمل نحو التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، مؤكدة استمرار دعمها للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
ويأتي الموقف السعودي في سياق دور المملكة في المسار الدبلوماسي الخاص بالسودان، ولا سيما منبر جدة الذي استضاف جولات تفاوضية بين الأطراف منذ اندلاع الحرب.
مصر: منع السلاح والمرتزقة ورفض الكيانات الموازية
وتتمسك مصر، في سياستها المعلنة تجاه الأزمة السودانية، بوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ورفض إنشاء كيانات موازية، إلى جانب دعوتها إلى وقف تدفق السلاح والمرتزقة إلى الدعم السريع .
وتتوافق هذه الرؤية مع جوهر النقاش داخل مجلس الأمن حول الدور المتزايد للتدخلات الخارجية في إطالة أمد الحرب، وهي نقطة أشار إليها أيضاً المسؤولون الأمميون خلال جلسة الاثنين.
الأمم المتحدة: الخطر يتجاوز حدود المعارك
في الجانب الإنساني، رسمت الأمم المتحدة صورة شديدة القتامة للأوضاع في السودان.
وقالت وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، إن القتال مستمر على جبهات متعددة، وإن نحو 13 مليون شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم، بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخلياً في الولايات السودانية الثماني عشرة.
وأشارت إلى أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وثقت نحو 1,400 حالة وفاة بين المدنيين خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2026، بينها نحو 1,100 شخص قتلوا جراء ضربات بالطائرات المسيّرة التابعة للدعم السريع .
وحذرت ديكارلو من تكرار أنماط القتل الجماعي والانتهاكات والعنف الجنسي، مؤكدة أن استمرار الحرب سيترك آثاراً طويلة الأمد على السودان والمنطقة.
كما أشارت الأمم المتحدة إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في خطوط المواجهة التقليدية، مع تزايد استهداف الأسواق والمدارس ومحطات الوقود ومنشآت المياه بالطائرات المسيّرة، وهو ما يزيد مخاطر الانهيار الإنساني.
هل فشل المقترح الأمريكي؟
على خلاف ما جرى تداوله في بعض المنصات، لم يفشل مشروع القرار الأمريكي عبر تصويت داخل مجلس الأمن في جلسة 24 أغسطس، ولم يصدر قرار بتوسيع حظر السلاح على كامل السودان خلال الجلسة.
والأدق أن الولايات المتحدة طرحت مشروعاً لتوسيع الحظر، بينما أظهرت المداخلات الأولى انقساماً واضحاً حوله. وبالتالي فإن المعركة الدبلوماسية الحقيقية ستنتقل إلى مرحلة التفاوض على نص المشروع، ومحاولة واشنطن الحصول على العدد المطلوب من الأصوات، مع بقاء احتمال استخدام الفيتو من روسيا أو الصين عاملاً حاسماً إذا بقيت صيغة المشروع الحالية دون تعديل.
وهذه النقطة مهمة في قراءة مستقبل الملف؛ فعدم تمرير القرار في الجلسة لا يعني سقوط المبادرة الأمريكية، كما أن طرح المشروع لا يعني دخوله حيز التنفيذ.
ماذا يعني ذلك لمستقبل الحرب في السودان؟
المشهد الذي خرج من جلسة مجلس الأمن يعكس انقساماً دولياً متزايداً حول كيفية التعامل مع الحرب السودانية.
فالولايات المتحدة ودول غربية ترى أن تشديد العقوبات وحظر السلاح يمكن أن يستخدم للضغط على طرفي الحرب ووقف تدفق الأسلحة، بينما ترى الحكومة السودانية وروسيا والصين أن توسيع الحظر قد يضعف مؤسسات الدولة ويقيد قدرتها العسكرية، من دون أن يضمن وقف تدفق السلاح إلى الجماعات المسلحة.
وفي الوقت ذاته، تتزايد القناعة داخل الأمم المتحدة بأن الحل العسكري وحده لن ينهي الحرب، وأن استمرار تدفق الأسلحة والمساعدات العسكرية الخارجية يجعل الصراع أكثر قابلية للاستمرار والتوسع إقليمياً. وقد دعت الأمم المتحدة إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار ومسار سياسي سوداني أكثر شمولاً.
السيناريوهات المقبلة
أولاً: تعديل المشروع الأمريكي.
قد تدخل واشنطن في مفاوضات مع أعضاء المجلس لتعديل صياغة حظر السلاح، خصوصاً ما يتعلق بالقوات الحكومية والطائرات المسيّرة، سعياً للحصول على دعم أوسع.
ثانياً: مواجهة الفيتو.
إذا أصرت واشنطن على صيغة تشمل كامل الأراضي السودانية دون استثناءات تراعي مؤسسات الدولة، فقد تواجه اعتراضاً روسياً أو صينياً، ما يجعل تمرير القرار أكثر صعوبة.
ثالثاً: تشديد الرقابة بدلاً من توسيع الحظر.
قد يكون الحل الوسط هو الإبقاء على نظام العقوبات الحالي مع تعزيز آليات مراقبة الحدود وشبكات تمويل وتسليح قوات الدعم السريع.
رابعاً: انتقال الضغط إلى المسار السياسي.
تزامن الجلسة مع استمرار جهود الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، إلى جانب مساعي الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد" والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، بما يشير إلى أن المسار الدبلوماسي سيظل جزءاً أساسياً من المعركة السياسية حول مستقبل السودان.
السودان أمام معركة دبلوماسية موازية للحرب
تكشف جلسة مجلس الأمن أن الحرب في السودان لم تعد قضية عسكرية داخلية فحسب، بل أصبحت ملفاً دولياً تتداخل فيه اعتبارات الأمن الإقليمي، وتدفقات السلاح، والأزمة الإنسانية، ومستقبل الدولة السودانية.
وبينما تسعى واشنطن إلى استخدام العقوبات وتوسيع حظر السلاح كوسيلة للضغط على الحكومة السودانية ، تتمسك الخرطوم برفض أي إجراءات ترى أنها تقيد مؤسسات الدولة، في وقت تدفع فيه روسيا والصين باتجاه مقاربة أكثر تحفظاً تجاه العقوبات.
أما السعودية ومصر، فتواصلان الدفع باتجاه وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، بينما تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار القتال سيضاعف الخسائر الإنسانية ويزيد مخاطر اتساع رقعة النزاع.
وبذلك، فإن جلسة مجلس الأمن بشأن السودان لم تحسم مستقبل حظر السلاح، لكنها كشفت بوضوح عن معركة دبلوماسية جديدة حول السودان؛ معركة قد تكون نتائجها مؤثرة في مسار الحرب، وفي قدرة الحصول على السلاح، وفي فرص العودة إلى طاولة التفاوض خلال المرحلة المقبلة.