مجلس الأمن يناقش السودان اليوم وسط تصاعد القتال في كردفان والنيل الأزرق. هل تتجه الضغوط الدولية إلى مرحلة جديدة؟

نيويورك ، سودان ون

يعقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الاثنين 24 أغسطس 2026، جلستين منفصلتين تتناولان السودان وأوكرانيا، في وقت يعود فيه الملف السوداني إلى واجهة النقاش الدولي على وقع تصاعد العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، ولا سيما شمال كردفان والنيل الأزرق، وتزايد المخاوف الدولية من اتساع رقعة الحرب وتداعياتها الإنسانية والإقليمية

وبحسب برنامج الأمم المتحدة، تبدأ جلسة السودان عند الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت نيويورك، فيما تعقد جلسة بشأن أوكرانيا في الثالثة عصراً

وتأتي جلسة السودان بطلب من الدنمارك، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال أغسطس، وتركز بصورة أساسية على حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية للحرب ومن المتوقع أن يترأس الاجتماع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، بينما يقدم إحاطتين كل من وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو، ووكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر، إلى جانب ممثلة عن المجتمع المدني.

لماذا يعود السودان إلى مجلس الأمن الآن؟

تكتسب جلسة اليوم أهمية خاصة لأنها تنعقد في مرحلة ميدانية شديدة الحساسية، مع تصاعد القتال في شمال كردفان، ولا سيما حول مدينة الأبيض، بالتزامن مع تجدد المواجهات في النيل الأزرق والمناطق القريبة من الحدود الإثيوبية وتشير تقديرات مركزية في متابعة أعمال مجلس الأمن إلى أن مدينة الأبيض أصبحت واحدة من أبرز بؤر القلق الدولي، في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة حولها واستهداف منشآت حيوية، بينها مرافق الكهرباء والوقود، وهو ما انعكس على الخدمات الصحية والمسائية.

كما أفادت تقديرات المنظمة الدولية للهجرة بنزوح أكثر من 200 ألف شخص في منطقة كردفان منذ أواخر عام 2025 وفي النيل الأزرق، ازدادت حساسية المشهد بعد تجدد القتال حول الكرمك وقيسان، وسط مخاوف من انتقال الصراع إلى نطاق إقليمي أوسع، خصوصاً مع ورود تقارير بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية ممرات للإمداد والعمليات العسكرية، وهي معلومات تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها تقارير وحقائق مثبتة بصورة مستقلة.

الأبيض في قلب الحسابات الدولية

من المرجح أن تحظى مدينة الأبيض بمساحة كبيرة في نقاشات مجلس الأمن، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي، وتقول وثائق متابعة أعمال المجلس إن أعضاء فيه قد يركزون على تزايد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة، وتأثير ذلك على المدنيين والبنية التحتية الحيوية، مع دعوات إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ومستدامة.

وهنا تبرز معادلة معقدة أمام المجلس: كيف يمكن حماية المدنيين وتسهيل المساعدات دون أن تتحول المطالب الإنسانية إلى أدوات ضغط سياسي أو إلى إجراءات تمس مؤسسات الدولة السودانية؟

هل يعود ملف حظر السلاح إلى الواجهة؟

من أكثر الملفات حساسية في جلسة اليوم احتمال إعادة طرح مسألة توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان والحظر الأممي الحالي ليس شاملاً لكل الأراضي السودانية؛ إذ توضح الأمم المتحدة أن نظام العقوبات بموجب القرار 1591 يفرض حظراً على الأسلحة والمواد ذات الصلة بالنسبة إلى الجهات العاملة في دارفور، مع وجود ترتيبات واستثناءات محددة

وتشير قراءة أعمال المجلس إلى أن بعض الدول قد تجدد الدعوة إلى توسيع نطاق الحظر، بينما لا توجد، وفق المعطيات المتاحة قبل جلسة اليوم، دلائل مؤكدة على وجود مشروع قرار جاهز للتصويت اليوم بشأن توسيع حظر السلاح وهذه نقطة مهمة؛ فمجرد مناقشة توسيع الحظر لا تعني بالضرورة أن المجلس بصدد إصدار قرار فوري.

هل نحن أمام معركة دبلوماسية جديدة؟

السؤال الأهم بالنسبة للخرطوم لا يتعلق فقط بما سيقال داخل قاعة المجلس، وإنما بما قد يترتب على النقاشات من تحركات دبلوماسية وسياسية لاحقة فالحرب السودانية لم تعد شأناً عسكرياً داخلياً فقط، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بملفات إقليمية تشمل أمن الحدود، تدفقات السلاح، حركة اللاجئين، أمن البحر الأحمر، والعلاقات بين السودان ودول الجوار.

ومن هنا، فإن جلسة مجلس الأمن تمثل أيضاً اختباراً للقدرة الدبلوماسية السودانية على تقديم روايتها بشأن الحرب، والتأكيد على سيادة السودان ووحدة أراضيه ورفض أي تدخل خارجي، مع إبراز المخاطر المترتبة على استمرار تدفق السلاح والمقاتلين عبر الحدود أما الحديث عن وجود قرار محسوم مسبقاً ضد السودان أو عن قدرة دولة واحدة على فرض مسار بعينه داخل المجلس، فيحتاج إلى التمييز بين الضغوط السياسية والمشروعات المقترحة من جهة، والقرارات الملزمة التي تحتاج إلى تصويت من جهة أخرى.

ماذا عن الفيتو الروسي؟

تداولت بعض المنصات معلومات تزعم أن روسيا استخدمت اليوم حق النقض ضد مشروع قرار بريطاني يتضمن حظر الطيران وإدخال قوات أممية إلى السودان لكن هذه المعلومة لا تتطابق مع المعلومات الرسمية المتاحة حتى وقت إعداد هذا التقرير فبرنامج مجلس الأمن المنشور اليوم يحدد جلسة السودان باعتبارها اجتماعاً لمناقشة تقارير الأمين العام حول السودان وجنوب السودان، بينما لا تظهر في المصادر الرسمية المتاحة إشارة إلى تصويت اليوم على مشروع قرار بريطاني بشأن حظر الطيران أو نشر قوات أممية في السودان

كما أن المصادر التي سبقت الاجتماع تحدثت عن إحاطات ومناقشة سياسية وإنسانية، وليس عن تصويت مقرر على مشروع قرار من هذا النوع وبالتالي، فإن نشر خبر عن استخدام روسيا للفيتو في هذه المسألة باعتباره حقيقة مؤكدة سيكون سابقاً لأوانه ما لم يصدر سجل رسمي من مجلس الأمن يثبت إجراء التصويت ونتيجته.

هل يمكن أن تتحول الضغوط إلى عقوبات جديدة؟

السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الحالية لا يتمثل بالضرورة في صدور قرار شامل ضد السودان، وإنما في استمرار الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الفردية والإجراءات أحادية الجانب، بالتوازي مع محاولات الدفع نحو توسيع بعض التدابير الأممية وهنا تمتلك الخرطوم عدداً من الأدوات السياسية والدبلوماسية، أبرزها تنشيط الاتصالات مع أعضاء مجلس الأمن، وتقديم معلومات موثقة بشأن مصادر التسليح والدعم الخارجي ، والدفع باتجاه تطبيق القانون الدولي بصورة متساوية، إضافة إلى توسيع التعاون مع الاتحاد الأفريقي والدول العربية والدول المؤثرة في المجلس كما أن تحسين الوصول الإنساني وحماية المدنيين يمكن أن يشكلا عنصرين مهمين في مواجهة أي ضغوط دولية، لأن المعركة الدبلوماسية لا تُحسم بالخطاب السياسي وحده، وإنما أيضاً بالقدرة على تقديم وقائع قابلة للتحقق وإظهار التزام واضح بحماية السكان والمنشآت المدنية.

هل أصبح الحسم العسكري جزءاً من استراتيجية مواجهة الضغط الخارجي؟

المعطيات الميدانية تشير إلى أن التطورات العسكرية في كردفان والنيل الأزرق ودارفور ستكون حاضرة بقوة في الحسابات السياسية خلال المرحلة المقبلة لكن الربط المباشر بين العمليات العسكرية وبين جلسة مجلس الأمن يحتاج إلى قدر من الحذر فالحسم العسكري، إذا أصبح هدفاً معلناً للدولة، سيظل مرتبطاً بحسابات الميدان، بينما تتحرك الدبلوماسية على مسار موازٍ وفي المقابل، فإن أي تقدم عسكري على الأرض قد يغير طبيعة الحسابات السياسية، كما أن أي تحول دبلوماسي قد يؤثر في خيارات الأطراف العسكرية ومن هذه الزاوية، فإن الميدان والدبلوماسية أصبحا مسارين متداخلين في إدارة الحرب السودانية، وليس مسارين منفصلين.

الأزمة الإنسانية تضغط على المجلس إلى جانب التطورات العسكرية، سيكون الملف الإنساني أحد أبرز محاور جلسة اليوم وتقدر خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في السودان لعام 2026 بنحو 2.87 مليار دولار، لكنها لم تكن قد حصلت، قبيل جلسة اليوم، سوى على نحو 41.2% من التمويل المطلوب ويعني ذلك أن المجتمع الدولي يواجه معضلة مزدوجة: تصاعد الاحتياجات الإنسانية من جهة، وتراجع قدرة المنظمات الإنسانية على العمل في مناطق القتال من جهة أخرى ومن المتوقع أن يدعو توم فليتشر إلى تحسين الوصول الإنساني وزيادة التمويل، في وقت أصبحت فيه العمليات الإنسانية أكثر خطورة بسبب الهجمات على العاملين والمنشآت المدنية

ماذا بعد جلسة مجلس الأمن؟

الأهمية الحقيقية لجلسة اليوم لن تتحدد فقط بما سيقال داخل قاعة المجلس، وإنما بما سيحدث بعدها فإذا بقيت الجلسة في إطار الإحاطات والمواقف السياسية، فإن تأثيرها المباشر على مسار الحرب سيكون محدوداً، لكنها قد تمهد لتحركات لاحقة بشأن حظر السلاح، العقوبات، حماية المدنيين، المساعدات الإنسانية أو المسار السياسي أما إذا ظهرت خلال الجلسة مؤشرات على توافق أوسع بين أعضاء المجلس حول إجراءات محددة، فستكون الخرطوم أمام مرحلة دبلوماسية أكثر تعقيداً تتطلب تحركاً مبكراً لتقليل آثار أي ضغوط محتملة وفي المقابل، فإن انقسام القوى الكبرى داخل مجلس الأمن يظل عاملاً مهماً في تحديد قدرة المجلس على الانتقال من البيانات والإحاطات إلى قرارات ملزمة

الخلاصة :

يدخل السودان جلسة مجلس الأمن اليوم في لحظة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها تطورات كردفان والنيل الأزرق، وأمن الحدود الإثيوبية، وحماية المدنيين، والأزمة الإنسانية، وحظر السلاح، والتدخلات الخارجية ولا تشير المعطيات الرسمية المتاحة إلى أن المجلس بصدد التصويت اليوم على قرار بفرض حظر طيران أو إدخال قوات أممية إلى السودان،

كما لا توجد حتى وقت إعداد التقرير أدلة رسمية تؤكد استخدام روسيا للفيتو ضد مشروع قرار من هذا النوع لكن مجرد عودة السودان إلى طاولة مجلس الأمن في ظل تصاعد القتال تكشف أن الحرب دخلت مرحلة تتداخل فيها المعادلة العسكرية مع المعركة الدبلوماسية بصورة أكبر من أي وقت مضى وبالنسبة للخرطوم،

فإن التحدي المقبل لن يكون عسكرياً فقط؛ بل سيكون أيضاً القدرة على إدارة المعركة السياسية في نيويورك، وبناء تحالفات دولية وإقليمية، وتقديم رواية موثقة بشأن الحرب، مع الحفاظ على سيادة الدولة ومؤسساتها ومنع تحويل الأزمة الإنسانية إلى مدخل لإجراءات دولية أوسع.