الخرطوم _ سودان ون

لم تعد أزمة المواصلات في ولاية الخرطوم مجرد مشكلة يومية تتعلق بتأخر المواطنين عن أعمالهم أو ارتفاع تكلفة الانتقال بين الأحياء والأسواق، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات المعيشية تعقيداً، مع عودة الحياة تدريجياً إلى العاصمة واستئناف المؤسسات التعليمية والمدارس والجامعات لأنشطتها، الأمر الذي وضع آلاف الأسر أمام تحدٍ يومي يتمثل في كيفية إيصال أبنائها إلى مقاعد الدراسة وإعادتهم إلى منازلهم في ظل شح وسائل النقل وارتفاع تكلفتها وتراجع المعروض من الوقود.

وتبدو معاناة الطلاب أكثر وضوحاً من غيرهم، فبين أسرة لا تستطيع توفير تكلفة الترحيل اليومي، وطالب يضطر إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، وآباء وأمهات يستهلكون ساعات من يومهم في البحث عن وسيلة مواصلات آمنة ومناسبة، تتسع دائرة التأثير الاجتماعي والتعليمي للأزمة، بما يجعل قضية النقل المدرسي جزءاً أساسياً من معركة استعادة الحياة الطبيعية في الخرطوم.

مبادرة كرري.. خطوة في الاتجاه الصحيح

في خضم هذه التحديات، جاءت مبادرة محلية كرري بتدشين 10 بصات لنقل الطلاب والمواطنين عبر عدد من الشوارع الرئيسية، مع تخفيض قيمة التذكرة بنسبة 50%، لتقدم نموذجاً عملياً للتدخل المحلي في مواجهة أزمة المواصلات.

وتعمل البصات عبر مسارات تشمل الشهداء وشارع الوادي والشنقيطي وصابرين، برعاية المدير التنفيذي لمحلية كرري عمر محمد أحمد النعيم، والدكتور كمال أحمد الحاج، وبإشراف إدارة النقل بالمحلية.

وتكتسب المبادرة أهميتها من أنها لا تكتفي بتوفير وسيلة نقل إضافية، وإنما تستهدف تخفيف العبء المالي عن المواطنين والطلاب، في وقت أصبحت فيه تكلفة الانتقال اليومية تمثل استنزافاً حقيقياً لدخل الأسر.

لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه حكومة ولاية الخرطوم هو: هل يمكن لعشر بصات أن تواجه أزمة بهذا الحجم؟ بالطبع لا، لكنها يمكن أن تكون بداية لتجربة أوسع إذا جرى تقييمها وتطويرها وتوسيع نطاقها لتشمل بقية المحليات والمناطق ذات الكثافة السكانية والمدارس والجامعات.

الطلاب في قلب الأزمة.. التعليم مهدد بتكلفة المواصلات

إن أخطر ما في أزمة المواصلات أنها لا تتوقف عند حدود المشقة اليومية، بل تمتد إلى حق الطلاب في التعليم وانتظامهم الدراسي.

فالتعليم الذي تسعى الدولة والمجتمع إلى استعادته بعد سنوات الحرب لا يمكن أن يستقيم دون توفير الحد الأدنى من الخدمات المساندة، وفي مقدمتها النقل.

وقد تجد بعض الأسر نفسها مضطرة إلى تقليص أيام ذهاب أبنائها إلى المدارس، أو تحمل نفقات إضافية تفوق قدرتها، بينما يواجه طلاب الجامعات تحديات أكبر بسبب المسافات الطويلة وتعدد وسائل الانتقال بين الأحياء ومواقع المؤسسات التعليمية.

وهنا تبرز ضرورة التعامل مع الترحيل المدرسي باعتباره خدمة ذات أولوية اجتماعية، وليس نشاطاً تجارياً يخضع بالكامل لمعادلات الربح والخسارة.

ومن المهم أن تضع حكومة الولاية خطة خاصة لنقل الطلاب، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم والجامعات والمحليات، تتضمن مسارات ثابتة ومواعيد معلنة وتعرفة مخفضة، مع إعطاء الأولوية للمدارس التي تعاني من صعوبة الوصول إليها.

شح الوقود.. لماذا لا نبحث عن حلول خارج الحافلات التقليدية؟

لا يمكن الحديث عن معالجة أزمة المواصلات بمعزل عن أزمة الوقود. فشح الإمدادات وارتفاع تكاليف التشغيل يضعان أصحاب المركبات العامة أمام معادلة صعبة: إما زيادة التعرفة لتعويض تكاليف التشغيل، أو تقليل عدد الرحلات، أو التوقف عن العمل.

ولذلك فإن زيادة عدد المركبات وحدها لن تكون حلاً كافياً إذا ظلت مشكلة الوقود قائمة. المطلوب هو التفكير في منظومة نقل أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على الوقود التقليدي، ومن بين الخيارات التي يمكن أن تدرسها حكومة الولاية:

1. التوسع في النقل الجماعي: تشجيع تشغيل البصات الكبيرة والمتوسطة في المسارات ذات الكثافة العالية، بدلاً من الاعتماد المفرط على المركبات الصغيرة، بما يقلل استهلاك الوقود لكل راكب.

2. تنظيم الترحيل المدرسي المشترك:إنشاء منظومة تنسيق بين المدارس والأسر وأصحاب الحافلات، بحيث تخدم المركبة الواحدة أكثر من مدرسة أو مجموعة من الطلاب وفق مسارات وجداول مدروسة.

3. دراسة النقل الكهربائي: يمكن للولاية، بالتعاون مع القطاع الخاص والجهات الاستثمارية، دراسة إدخال حافلات كهربائية صغيرة في بعض المسارات القصيرة، خصوصاً إذا أمكن توفير نقاط شحن تعتمد على الطاقة الشمسية. وهو خيار يحتاج إلى دراسة جدوى للبنية التحتية والتكلفة والصيانة قبل التوسع فيه.

4. تشجيع الدراجات الهوائية: في المناطق الآمنة والمناسبة جغرافياً، يمكن دراسة تخصيص مسارات للدراجات الهوائية، خصوصاً لطلاب الجامعات والشباب القاطنين بالقرب من مؤسساتهم التعليمية، مع توفير اشتراطات السلامة والحماية.

5. تنظيم النقل التشاركي: الاستفادة من السيارات الخاصة والمركبات التي تتحرك يومياً بين الأحياء والمدارس والأسواق، عبر آليات منظمة لتجميع الركاب وتقاسم تكلفة الرحلة.

ماذا تستطيع حكومة ولاية الخرطوم أن تفعل؟

إن المسؤولية الأكبر في معالجة الأزمة تقع على عاتق حكومة ولاية الخرطوم، ليس فقط باعتبارها الجهة المشرفة على قطاع النقل، وإنما لأنها الجهة القادرة على جمع الأطراف المختلفة في إطار خطة موحدة.

وهناك مجموعة من التدخلات التي يمكن أن تشكل أساساً لخطة عاجلة:

أولاً: إنشاء غرفة تنسيق للنقل بالولاية

تضم ممثلين للمحليات وإدارات النقل والوقود والجهات التعليمية وأصحاب المركبات، تكون مهمتها تحديد المناطق الأكثر احتياجاً، ورصد حركة المركبات، وتوزيع وسائل النقل وفق الكثافة السكانية والاحتياجات الفعلية.

ثانياً: تخصيص وقود للنقل العام وترحيل الطلاب

يمكن دراسة تخصيص حصة تشغيلية للنقل الجماعي والحافلات المدرسية وفق ضوابط واضحة، تضمن وصول الوقود إلى المركبات العاملة فعلياً في نقل المواطنين والطلاب، مع الرقابة على الاستخدام ومنع التسرب إلى الأسواق غير الرسمية.

ثالثاً: إطلاق مشروع الولاية للترحيل المدرسي

وهو مشروع يمكن أن تشارك فيه الحكومة والمحليات والمدارس والجامعات والقطاع الخاص، من خلال التعاقد مع شركات وأصحاب بصات وحافلات صغيرة لتوفير رحلات منتظمة بتعرفة مدعومة.

رابعاً: إعادة تنظيم خطوط المواصلات

فالمشكلة ليست دائماً في عدد المركبات، بل في توزيعها أيضاً. هناك مناطق قد تتكدس فيها المركبات، بينما تظل أحياء أخرى معزولة أو تعاني من ندرة وسائل النقل. ولذلك فإن إعادة تخطيط المسارات وتحديد نقاط التجمع يمكن أن يحسنا كفاءة التشغيل بصورة ملموسة.

خامساً: إشراك شركات القطاع الخاص

يمكن لحكومة الولاية فتح المجال أمام الشركات والمصانع والمؤسسات الكبرى للمساهمة في توفير بصات للترحيل الجماعي، ضمن برامج المسؤولية المجتمعية، مع تقديم حوافز مناسبة للمؤسسات المشاركة.

المواطن شريك في الحل.. ماذا يمكن أن يقدم أصحاب السيارات الخاصة؟

لا ينبغي أن تظل مسؤولية مواجهة الأزمة محصورة في الحكومة وأصحاب المركبات التجارية. فالمجتمع نفسه يمتلك موارد وإمكانات يمكن أن تسهم في تخفيف المعاناة.

في الخرطوم آلاف السيارات الخاصة تتحرك يومياً من الأحياء السكنية إلى الأسواق ومقار العمل والجامعات، وفي كثير من الأحيان يكون مقعدان أو ثلاثة مقاعد شاغرة داخل السيارة الواحدة.

وهنا يمكن إطلاق مبادرة مجتمعية تحت شعار «مقعدك يخفف معاناة طالب»، تقوم على تشجيع أصحاب السيارات الخاصة على تخصيص مقاعد مجانية أو بتكلفة رمزية للطلاب والجيران الذين يسلكون الطريق نفسه.

ويمكن أن تتخذ المبادرة عدة أشكال:

- مشاركة الرحلات: يتفق الجيران وزملاء العمل على نقل أبنائهم أو طلاب الحي في رحلة واحدة بدلاً من تحرك عدة سيارات بصورة منفصلة.

- مبادرات الأحياء: تشكيل مجموعات تنسيق بين الأسر لتوفير سيارات يومية لنقل الطلاب إلى المدارس القريبة.

- مساهمة أصحاب المركبات: تخصيص يوم أو عدد من الرحلات أسبوعياً لنقل الطلاب مجاناً أو بتكلفة مخفضة.

- التنسيق بين الجامعات والطلاب: إنشاء مجموعات موثوقة لتبادل معلومات الرحلات وتنسيق الوصول والعودة.

- المسؤولية المجتمعية: دعوة رجال الأعمال وأصحاب الشركات والمغتربين للمساهمة في تمويل ترحيل الطلاب غير القادرين.

لكن هذه المبادرات تحتاج إلى تنظيم يضمن سلامة الطلاب، والتحقق من هوية السائقين والمركبات، والحصول على موافقات أولياء الأمور، وتحديد نقاط الصعود والنزول بوضوح.

وماذا عن مستخدمي المواصلات العامة؟

حتى المواطن الذي لا يمتلك سيارة يستطيع أن يكون جزءاً من الحل. إن تنظيم حركة الركاب، والالتزام بمواقف محددة، وتجنب التزاحم والتدافع، والإبلاغ عن الاستغلال والممارسات غير القانونية، كلها سلوكيات تسهم في تحسين كفاءة منظومة النقل.

كما يمكن للطلاب وأولياء الأمور تشكيل لجان مجتمعية للتواصل مع إدارات المدارس والمحليات، وتحديد الاحتياجات الحقيقية للترحيل، بدلاً من انتظار الحلول من أعلى.

ومن المهم أيضاً دعم المبادرات الجادة التي توفر تعرفة مناسبة، مع الحرص على عدم تحميل أصحاب المركبات أعباء تشغيلية تجعل استمرار الخدمة أمراً مستحيلاً.

من مبادرة محلية إلى مشروع لولاية الخرطوم

إن تجربة محلية كرري بتسيير 10 بصات وتخفيض التذاكر بنسبة 50% تستحق التقدير، لكنها تحتاج إلى الانتقال من كونها مبادرة محلية محدودة إلى نموذج قابل للتطبيق في محليات الولاية الأخرى.

ويمكن أن تبدأ الخطوة التالية بتقييم التجربة: عدد الطلاب والمواطنين المستفيدين، وحجم الإقبال، ومدى انتظام الرحلات، وتكلفة التشغيل، والمناطق التي تحتاج إلى إضافة مسارات جديدة.

بعد ذلك يمكن التوسع تدريجياً في أم درمان وبحري والخرطوم، وفقاً للاحتياجات الفعلية وإمكانات التشغيل. كما يمكن إطلاق حملة مجتمعية واسعة تحت شعار «الخرطوم تتشارك الطريق»، تجمع الحكومة وأصحاب السيارات الخاصة وشركات النقل والمدارس والجامعات والمواطنين في مبادرة واحدة، يكون هدفها ألا يحرم طالب من الوصول إلى مدرسته بسبب المواصلات، وألا يصبح الذهاب إلى العمل عبئاً يفوق قدرة المواطن.

الخلاصة.. المواصلات ليست رفاهية بل شرط لاستعادة الحياة

إن استعادة الخرطوم لا تعني فقط إعادة تأهيل الطرق والمباني والمرافق، بل تعني أيضاً استعادة قدرة المواطن على الحركة والعمل والتعليم والحياة بصورة طبيعية. وأزمة المواصلات واحدة من الاختبارات الحقيقية لقدرة الحكومة على تحويل العودة إلى الخرطوم من مجرد عودة سكانية إلى عودة متكاملة للخدمات.

قد لا تمتلك الولاية اليوم ما يكفي من الوقود أو البصات أو الموارد لإنهاء الأزمة بصورة فورية، لكن ذلك لا يعني غياب الحلول. فالتنظيم الجيد، وتوسيع النقل الجماعي، وتخصيص الوقود للخدمات ذات الأولوية، وتشجيع مشاركة السيارات الخاصة، وإطلاق برامج ترحيل الطلاب، يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً.

فالطالب الذي يصل إلى مدرسته في موعده، والأم التي تطمئن إلى عودة أبنائها، والعامل الذي يصل إلى موقع عمله دون استنزاف نصف دخله في المواصلات، جميعهم يمثلون مؤشرات حقيقية على تعافي العاصمة.

ولعل الرسالة الأهم أن أزمة المواصلات لن تحلها الحكومة وحدها، ولن يستطيع المواطن تجاوزها بمفرده؛ إنها مسؤولية مشتركة، تبدأ بقرار حكومي جاد، وتتسع بمبادرات المجتمع، وتنتهي بعودة حق الناس في التنقل والتعليم والعمل دون معاناة يومية.