أحمد محمد عثمان كرار.. رجل المهمات الصعبة ورهان الإعمار في وزارة البنية التحتية والنقل

بقلم محمد الحسيني

من وجدان المجتمع إلى مسؤولية الدولة.. نائب ناظر البشاريين يحمل رؤية إدارية واجتماعية لقيادة مرحلة مفصلية في تاريخ السودان

ليست كل المناصب مجرد مواقع إدارية، ولا كل التكليفات الحكومية مسؤوليات عابرة؛ فهناك مواقع تتطلب شخصية تجمع بين رجاحة العقل، وقوة الإرادة، وسعة الأفق، والقدرة على التعامل مع تعقيدات الواقع، واستشراف متطلبات المستقبل. ومن بين هذه المواقع تبرز وزارة البنية التحتية والنقل، باعتبارها واحدة من أهم الوزارات الاستراتيجية التي يعوّل عليها السودان في معركة استعادة عافيته الاقتصادية وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

وفي هذا السياق، يأتي تولي الأستاذ أحمد محمد عثمان كرار منصب وزير الدولة بوزارة البنية التحتية والنقل، باعتباره فرصة للاستفادة من شخصية تمتلك رصيداً اجتماعياً معتبراً، وحضوراً مجتمعياً واسعاً، وتجربة في العمل العام، إلى جانب ما يتصف به من شجاعة ومبادرة واهتمام بقضايا الناس، وهي صفات تكتسب أهمية مضاعفة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى رجال يمتلكون القدرة على تحويل المسؤولية إلى إنجاز، والرؤية إلى برامج عمل.

شخصية تتجاوز حدود الانتماء الاجتماعي

يحمل الأستاذ أحمد محمد عثمان كرار صفة نائب ناظر البشاريين، وهي مسؤولية اجتماعية تتجاوز في معناها الاعتباري حدود التمثيل الأهلي، لتضع صاحبها أمام واجبات تتعلق بخدمة المجتمع، ورعاية مصالح الناس، والمساهمة في معالجة قضاياهم، وتعزيز قيم التماسك والتعاون.

وقد أسهم حضوره وسط أهله ومجتمعه في تشكيل رصيد من القبول والشعبية، لا يرتبط فقط بموقعه الاجتماعي، وإنما بما يمثله من شخصية حاضرة في قضايا الناس، ومهمومة بشؤون مجتمعها، وقادرة على التواصل مع مختلف المكونات.

واللافت في شخصية كرار أن حضوره الاجتماعي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره امتداداً لقاعدة أهلية فحسب، بل يمكن أن يشكل جسراً للتواصل بين الدولة والمجتمع، وبين المؤسسات الرسمية والطاقات الشعبية، خصوصاً في شرق السودان الذي يحتاج إلى مزيد من الاهتمام التنموي والاستثمار في إمكاناته البشرية والاقتصادية.

فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مسؤولين ينظرون إلى قضايا البلاد من داخل المكاتب المغلقة، بقدر حاجته إلى شخصيات تدرك نبض المجتمع، وتستمع إلى المواطنين، وتستطيع الجمع بين متطلبات الدولة وتطلعات الناس.

عقل مستنير وشجاعة في تحمل المسؤولية

من أبرز ما يميز القيادات التي تنجح في مواقع المسؤولية امتلاكها فكراً منفتحاً، وقدرة على قراءة المشهد من زوايا متعددة، وعدم الاكتفاء بالحلول التقليدية للمشكلات المتراكمة.

ويُنظر إلى أحمد محمد عثمان كرار باعتباره من الشخصيات التي تجمع بين الجرأة في الموقف، والمبادرة في التعامل مع القضايا، والاهتمام بالشأن العام. فالشجاعة هنا ليست مجرد صفة شخصية، وإنما استعداد لتحمل المسؤولية، ومواجهة التحديات، والدفاع عن مصالح المواطنين، والبحث عن الحلول حتى في الظروف المعقدة.

كما أن اتساع الأفق، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، تمثل عناصر مهمة يمكن أن تسهم في تعزيز حضوره داخل وزارة تتشابك فيها الملفات الفنية والإدارية والاقتصادية والاستثمارية.

والمرحلة الراهنة تتطلب مسؤولاً لا يكتفي بإدارة الواقع كما هو، وإنما يمتلك القدرة على التفكير فيما ينبغي أن يكون عليه السودان خلال السنوات المقبلة.

السكة الحديد.. بداية تحمل دلالات استراتيجية

من المؤشرات اللافتة في تحركات وزير الدولة بالبنية التحتية والنقل حرصه على أن تكون هيئة سكك حديد السودان في عطبرة من أوائل محطاته الميدانية.

ولم يكن اختيار السكة الحديد مجرد زيارة بروتوكولية، بل حمل دلالة واضحة على إدراك أهمية هذا المرفق التاريخي في معادلة النقل والاقتصاد السوداني.

فالسكة الحديد ليست مجرد وسيلة لنقل الركاب والبضائع، بل تمثل شرياناً اقتصادياً قادراً على ربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والموانئ، وفتح مسارات جديدة للتجارة، وتعزيز ارتباط السودان بمحيطه الإقليمي والأفريقي.

وخلال لقائه بقيادات الهيئة والعاملين فيها، أكد كرار أن نهضة قطاع النقل ترتبط بنهضة السكة الحديد، مشيراً إلى حجم الدمار الذي طال البنية التحتية، وضرورة العمل مع مختلف قطاعات النقل لمعالجة التحديات والمعوقات وإعادة تشغيل المؤسسات بكفاءة.

كما حمل حديثه اهتماماً واضحاً بالعاملين وقضاياهم، معلناً تبنيه لمطالبهم، ومثمناً الدور التاريخي للنقابة العامة لعمال السكة الحديد.

وهنا تتجلى أهمية الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والبعد الإنساني؛ فإعادة بناء المؤسسات لا تتحقق بالمنشآت والآليات وحدها، وإنما تبدأ أيضاً بالاهتمام بالإنسان الذي يديرها ويشغّلها ويحافظ عليها.

من الميناء الجاف إلى مشروعات النقل.. حضور ميداني واهتمام بالتفاصيل

وفي امتداد لهذا التوجه، جاءت زيارة وزير الدولة إلى خط الميناء الجاف بجمارك عطبرة، برفقة مدير عام هيئة سكك حديد السودان، للوقوف ميدانياً على سير العمل ومستوى التنفيذ.

وقد عكست الزيارة اهتماماً بمتابعة المشروعات على أرض الواقع، والاقتراب من العاملين، والوقوف على مستوى الأداء المهني، مع الإشادة بما تحقق من تقدم والتأكيد على أهمية تحفيز الكوادر التي تبذل جهوداً متميزة.

كما عقد اجتماعاً موسعاً مع قيادات وحدات النقل، شمل الهيئة القومية للطرق والجسور، والخطوط الجوية السودانية "سودانير"، والإدارة العامة للنقل البري.

وناقش الاجتماع التحديات الإدارية والفنية، والمشروعات الاستراتيجية، والخطط التطويرية، وسبل التنسيق بين الوحدات المختلفة، بما يعزز كفاءة الأداء ويسرّع معالجة الاختناقات.

وتكتسب هذه التحركات أهميتها من أنها تضع الملفات الأساسية للوزارة أمام اختبار المتابعة والتقييم، بدلاً من الاكتفاء باستعراض الخطط والتقارير. كما أن الاستماع إلى القيادات التنفيذية والوقوف على احتياجات الوحدات يمثلان مدخلاً ضرورياً لبناء رؤية واقعية قابلة للتنفيذ.

شرق السودان.. قضايا التنمية في صدارة الاهتمام

لا يمكن الحديث عن شخصية أحمد محمد عثمان كرار بمعزل عن امتداداته الاجتماعية واهتمامه بقضايا شرق السودان، وهي منطقة تمتلك أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة لمستقبل البلاد، بما تضمه من موانئ وممرات تجارية وموارد طبيعية وإمكانات استثمارية واعدة.

وقد حمل اللقاء الذي جمعه بوفد التهنئة والمباركة، في 29 أكتوبر 2026، مؤشرات إيجابية بشأن اهتمامه بمشروعات تنموية تخدم إنسان الشرق، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب، وتعزيز فرص مشاركتهم في التنمية والإنتاج.

كما عكس اللقاء حرصاً على التواصل مع المبادرات المجتمعية، ومن بينها لجنة إسناد كهرباء أحياء وقرى ولاية البحر الأحمر، بما يؤكد أهمية الشراكة بين المسؤولين والمجتمع في معالجة القضايا الخدمية.

وتبقى الحاجة ملحة إلى تحويل هذه الرؤى والاهتمامات إلى برامج ومشروعات ملموسة، خاصة في قطاعات الطرق والكهرباء والموانئ والنقل والخدمات الأساسية، حتى ينعكس أثر التنمية على حياة المواطنين بصورة مباشرة.

وزارة البنية التحتية والنقل.. امتحان القيادة في زمن الإعمار

ربما لا توجد مرحلة في تاريخ السودان الحديث تجعل من وزارة البنية التحتية والنقل بهذه الأهمية مثل المرحلة الحالية.

فالحرب لم تترك قطاعاً من قطاعات البنية التحتية بمنأى عن آثارها؛ إذ تعرضت الطرق والجسور والمطارات والموانئ ومحطات النقل والمنشآت الخدمية والاقتصادية لأضرار جسيمة، الأمر الذي يجعل إعادة الإعمار مهمة وطنية تتجاوز حدود الاختصاص الوزاري التقليدي.

ومن هنا، فإن وجود شخصية تمتلك خلفية اجتماعية واسعة، وفهماً إدارياً، وقدرة على التواصل مع المؤسسات والمجتمع، يمكن أن يشكل إضافة مهمة إلى جهود الوزارة، إذا ما اقترن ذلك بوضوح الصلاحيات، وتكامل العمل مع الوزير والقيادات الفنية والتنفيذية، وتوفير الموارد اللازمة.

وأمام وزير الدولة ملفات استراتيجية يمكن أن تسهم في رسم ملامح السودان الجديد، أبرزها:

- إعادة تأهيل شبكة الطرق والجسور: باعتبارها أساس الربط بين الولايات ومناطق الإنتاج والأسواق.
- إحياء مشروع السكك الحديدية: وتحديث بنيتها التشغيلية وتوسيع شبكاتها لربط الموانئ والمراكز الاقتصادية والمناطق الزراعية.
- تطوير الموانئ والموانئ الجافة: لتعزيز قدرة السودان على المنافسة التجارية وتحويل موقعه الجغرافي إلى ميزة اقتصادية.
- إنعاش قطاع الطيران: وإعادة تأهيل المطارات والخطوط الجوية السودانية بما يعيد للسودان حضوره في حركة النقل الإقليمي والدولي.
- توسيع الشراكات الاستثمارية: عبر استقطاب القطاع الخاص ورؤوس الأموال الوطنية والأجنبية للمساهمة في مشروعات البنية التحتية.
- ربط شرق السودان بالنهضة القومية: والاستفادة من الموانئ والمناطق الاقتصادية والممرات التجارية في خلق فرص العمل وتحريك عجلة الإنتاج.
- تمكين الشباب والكفاءات الوطنية: وإشراكهم في مشروعات إعادة البناء والتشغيل والتطوير.

إن هذه الملفات لا تحتاج إلى قرارات إدارية فحسب، بل إلى رؤية متكاملة تضع الأولويات، وتحدد جداول التنفيذ، وتستفيد من الخبرات الوطنية والدولية، وتؤسس لشراكات قادرة على نقل المشروعات من مرحلة التخطيط إلى واقع الإنجاز.

رهان على رجل المرحلة

إن الثناء على المسؤولين لا ينبغي أن يكون غاية في ذاته، وإنما يجب أن يكون تقديراً لما يمتلكونه من إمكانات، وتحفيزاً لهم على تقديم الأفضل، وتذكيراً بأن المناصب العامة مسؤولية أمام الله والوطن والمواطن.

ومن هذه الزاوية، فإن أحمد محمد عثمان كرار يمثل شخصية تتوافر لديها مقومات اجتماعية وإنسانية وإدارية يمكن البناء عليها في واحدة من أكثر الوزارات ارتباطاً بمستقبل السودان.

فهو رجل يحمل هموم مجتمعه، ويتمتع بحضور اجتماعي واسع، ويملك الشجاعة والمبادرة، وتتيح له خلفيته الأهلية فرصة للتواصل مع قطاعات واسعة من المواطنين، بينما تمنحه مسؤولياته الحكومية مساحة أوسع للإسهام في معالجة قضايا وطنية تتجاوز حدود المنطقة والقبيلة إلى فضاء السودان كله.

والرهان الحقيقي أن تتحول هذه المقومات إلى أداء مؤسسي فاعل، وأن تكون زياراته واجتماعاته الميدانية بداية لمرحلة من المتابعة الجادة والإنجازات التي يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

فالسودان الذي يتطلع إلى النهوض من آثار الحرب يحتاج إلى رجال يجمعون بين عقل الدولة وقلب المجتمع، وبين شجاعة القرار وحكمة الإدارة، وبين الرؤية الوطنية والقدرة على التنفيذ.

وأحمد محمد عثمان كرار أمام فرصة تاريخية ليكون أحد الوجوه الفاعلة في معركة إعادة إعمار السودان؛ معركة لا تقل أهمية عن معركة استعادة الأمن والاستقرار، لأنها معركة بناء الإنسان والمؤسسات والطرق والجسور والموانئ والسكك الحديدية، وصناعة مستقبل يليق بهذا الوطن وإمكاناته.

فالتاريخ لا يحتفظ للمسؤولين بمواقعهم، وإنما بما يتركونه من أثر، وما ينجزونه من مشروعات، وما يقدمونه من خدمة للناس والوطن.