عطش مشروع الجزيرة يهدد الموسم الصيفي.. المزارعون ينظفون الترع بأنفسهم و3 ملايين متر مكعب لإنقاذ المناقل
الخرطوم - سودان ون
تتسع دائرة القلق داخل مشروع الجزيرة والمناقل مع تصاعد شكاوى المزارعين من نقص مياه الري في عدد من الأقسام والمكاتب، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار العطش واختناقات قنوات الري إلى خسائر جديدة في موسم زراعي تعوّل عليه البلاد بشدة لتعزيز الإنتاج ودعم الاقتصاد السوداني.
وتأتي هذه التطورات في وقت يحتاج فيه السودان إلى استعادة قدرته الإنتاجية، خصوصاً في القطاع الزراعي الذي يمثل أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي وتحقيق الأمن الغذائي، ما يجعل أي تعثر في مشروع بحجم الجزيرة والمناقل قضية تتجاوز حدود المزارعين إلى الاقتصاد الوطني ككل.
محاصيل تحترق تحت وطأة العطش
صور ومقاطع فيديو حصلت عليها "سودان ون"، التقطها مزارعون في عدد من مناطق مشروع الجزيرة، تظهر حجم معاناة المحاصيل الزراعية جراء نقص مياه الري.
وفي مكتب 91 سرحان، ترعة مبروكة، قرية التبيب بأبو ريفي الهدي، محلية المناقل، تظهر الصور محاصيل في حالة تدهور شديد بسبب العطش، فيما يصف مزارعون وضعها بأنه بات قريباً من مرحلة الاحتراق، بعد تعذر وصول مياه الري بالكميات المطلوبة.
ولا تتوقف الشكاوى عند هذه المنطقة، إذ أفاد مزارعون في ترعة ود حميدان بمكتب درويش بالقسم الأوسط بأنهم اضطروا إلى القيام بأعمال تنظيف وتطهير للترعة وإزالة الحشائش بأنفسهم، في محاولة لتحسين انسياب المياه إلى الحواشات.
ويرى المزارعون أن قيامهم بهذه الأعمال يعكس حجم الأزمة التي تواجه منظومة الري، متسائلين عن مصير أعمال التطهير والنظافة التي يفترض أن تضطلع بها الجهات المسؤولة عن إدارة المشروع وقنواته.
عطش يمتد إلى أقسام ومكاتب أخرى
وفي ترعة دار السلام بمكتب 86 الشويرف بقسم التحاميد، أظهر مقطع فيديو حالة من ضعف وانحسار مياه الري، وسط شكاوى من تأخر نمو محاصيل العروة الصيفية وعدم وصول المياه بصورة منتظمة.
كما أظهر مقطع آخر جفافاً وانحساراً كبيراً للمياه في ميجر ود النورة بقسم ري التحاميد، في منطقة يقول سكانها إن بعض القرى تعتمد على هذا الميجر كمصدر لمياه الشرب، من بينها ود النورة وأم الشهداء.
وفي ترعة أب كساوي، مكتب 34 الفوار، قسم وادي شعير، يتحدث مزارعون عن انحسار شبه كامل للمياه، بينما تشير إفادات أخرى إلى أن ترعة ونيسة بمكتب 68 عجوبة بقسم الماطوري، في قرية مشيري، ظلت لأكثر من 20 يوماً من دون مياه، بحسب ما نقلته مصادر مزارعين.
وفي القسم الجنوبي، تظهر صور ومقاطع فيديو أخرى معاناة مزارعي مكتب سابع دليب، حيث يشير المزارعون إلى وجود خلل في كبري 10 البوليس بالحاج عبدالله، إلى جانب مشكلة في الميجر الرئيسي الخارج من بيارة مزيقيلا، يقولون إنها أسهمت في تفاقم عطش المحاصيل.
المزارعون يتحولون إلى عمال تطهير
وفي ترعة عدار بمكتب 57 شاكر بقسم التحاميد، وثقت مقاطع فيديو مزارعين وهم يقومون بأنفسهم بتنظيف الترعة من الحشائش، في محاولة لفتح الطريق أمام مياه الري.
وتطرح هذه المشاهد سؤالاً أوسع حول كفاءة منظومة إدارة وصيانة قنوات الري في مشروع الجزيرة، خصوصاً عندما يجد المنتج نفسه مضطراً إلى الجمع بين دوره كمزارع ودور الجهات المسؤولة عن صيانة وتطهير قنوات المياه.
لكن المزارعين أنفسهم يقرون بأن إنقاذ الموسم لا يمكن أن يعتمد على المبادرات الفردية وحدها، في ظل اتساع مساحة المشروع وحجم شبكة الري وتعقيدها.
نداءات عاجلة من مناطق الإنتاج
وفي قسم أبوقوتة الزراعي، قسم عمليات الري عبد الماجد 34، مكتب بجيجة 46، أطلقت قيادات وروابط المزارعين نداءً للتكاتف لمعالجة مشكلة قنطرة عجور بالكيلو 46، حيث تعاني ترعة فريتقة، بحسب النداء، من تراكم الطمي والحشائش بما يعيق انسياب المياه ووصولها إلى الحواشات.
ودعت الروابط المزارعين إلى التعاون والمساهمة في إزالة الطمي والحشائش، باعتبار أن إنقاذ ما تبقى من الموسم يتطلب تحركاً سريعاً.
غير أن هذه الدعوات تفتح في الوقت ذاته نقاشاً حول حدود المسؤولية: هل يصبح تنظيف قنوات الري التزاماً على المزارع عندما تتعطل أعمال الصيانة؟ وأين تبدأ مسؤولية إدارة المشروع والجهات المختصة وأين تنتهي مسؤولية روابط المزارعين؟
إدارة الجزيرة 34 مليون متر مكعب من خزان سنار
في المقابل، لا تشير التصريحات الرسمية إلى تجاهل كامل لملف المياه، بل تتحدث عن تحركات لمعالجة المشكلة.
وكان والي ولاية الجزيرة، الطاهر إبراهيم الخير، قد دعا إلى مضاعفة الجهود وتحقيق الاستخدام الأمثل للمياه في مشروع الجزيرة، مع التأكيد على أهمية التقانات الحديثة والالتزام بالموجهات الفنية في إدارة الري.
وجاء ذلك خلال لقائه محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى ومدير وحدة أمن المشروع المقدم أمن عثمان خير الله.
وأعلن محافظ المشروع أن الفترة المقبلة ستشهد تكوين تنظيمات مهن الإنتاج الزراعي والحيواني، باعتبارها خطوة ضمن مسار تعافي المشروع، كما أشار إلى ترتيبات لتشكيل مجلس إدارة مشروع الجزيرة بالتنسيق مع تلك التنظيمات.
وكشف المحافظ عن اعتزام إدارة المشروع تنظيم حملات لضبط إدارة المياه، موضحاً أن كمية المياه المتدفقة من خزان سنار إلى القنوات تقارب 34 مليون متر مكعب، إلى جانب تأكيد وصول كميات كافية من الوقود وسداد استحقاقات الشركات.
وفي السياق ذاته، أفاد مدير وحدة أمن المشروع بإزالة نحو 70% من المخلفات، مع توقعات باستكمال إزالة المتبقي بعد توفير السند القانوني اللازم.
ثلاثة ملايين متر مكعب للمناقل
وفي تطور آخر، أعلنت إدارة مشروع الجزيرة عن تحركات لزيادة مناسيب المياه في أقسام المناقل تدريجياً.
وخلال جولة ميدانية شملت القناطر الرئيسية بامتداد المناقل، وقف فريق فني ضم قيادات من الإدارة الزراعية وإدارة الري ومديري شرق وغرب المناقل وجنوب الجزيرة ومهندسي الري، على مناسيب المياه والكميات الواردة من خزان سنار عبر قنطرة الكيلو 57 إلى ترعة المناقل الرئيسية.
وأظهرت القياسات، وفق المعلومات الواردة من إدارة المشروع، حاجة أقسام المناقل عبر القناطر الرئيسية إلى نحو 3 ملايين متر مكعب من مياه الري.
وتعهد مدير قطاع جنوب الجزيرة بزيادة مناسيب المياه تدريجياً في قناطر أقسام المناقل بهدف تأمين الاحتياجات المائية لمحاصيل العروة الصيفية.
لكن بالنسبة للمزارعين، فإن القضية لا تتعلق فقط بكمية المياه التي تدخل المشروع، وإنما بقدرة شبكة الري على إيصالها إلى آخر حواشة وفي التوقيت المناسب.
من خزان سنار إلى آخر حواشة
هنا تكمن إحدى أهم حلقات الأزمة.
فوجود كميات كبيرة من المياه عند المصدر لا يعني بالضرورة وصولها إلى جميع الأراضي الزراعية. وبين الخزان والقنوات الرئيسية والترع والميجرات والقناطر والحواشات، توجد شبكة واسعة تحتاج إلى إدارة دقيقة وصيانة مستمرة وتطهير وإزالة للطمي والحشائش ومعالجة عاجلة لأي أعطال أو اختناقات.
ولهذا فإن معاناة مزارعي مكتب 91 أو ترعة دار السلام أو ترعة ونيسة أو ميجر ود النورة لا يمكن فصلها عن السؤال الأكبر المتعلق بكفاءة شبكة الري بأكملها.
فالزراعة في مشروع الجزيرة لا تحتمل انتظاراً طويلاً؛ المحصول يحتاج إلى المياه في مراحل محددة، وتأخر الري قد يعني انخفاض الإنتاجية أو فقدان المحصول، وبالتالي ضياع تكلفة البذور والأسمدة والوقود والعمالة التي تحملها المزارع طوال الموسم.
موسم مهدد واقتصاد يبحث عن فرصة
وتأتي أزمة مياه الري في مشروع الجزيرة في توقيت بالغ الحساسية للاقتصاد السوداني.
فالبلاد التي أنهكتها الحرب وتداعياتها الاقتصادية تحتاج إلى كل مورد إنتاجي متاح، وإلى كل فدان قادر على إنتاج الغذاء أو المحاصيل النقدية.
ومن هذه الزاوية، فإن إنقاذ الموسم الزراعي ليس قضية تخص المزارع وحده، وإنما يمثل جزءاً من معركة أوسع لاستعادة الإنتاج وتحسين الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل وتحريك الأسواق وتقليل الضغوط الاقتصادية.
وكل فدان يتعرض للعطش يعني خسارة محتملة في سلسلة اقتصادية تبدأ من المزارع ولا تنتهي عند الأسواق، مروراً بالنقل والتخزين والتصنيع والتجارة.
من المسؤول عن أزمة الري؟
المشهد الحالي يفرض ضرورة الفصل بين وجود مشكلة في المياه وبين تحديد المسؤولية عنها.
فالمزارع الذي يشكو من العطش يحتاج إلى مياه تصل في موعدها، وإدارة المشروع مطالبة بإدارة شبكة الري بكفاءة، والجهات المختصة مطالبة بتوفير الموارد والصيانة، بينما يقع على روابط المزارعين دور مهم في التعاون والإبلاغ والمساهمة في حماية القنوات، خصوصاً في الحالات الطارئة.
لكن المشكلة تصبح أكثر خطورة عندما تتحول المعالجات الفردية إلى بديل دائم عن الإدارة المؤسسية.
فقيام المزارعين بتنظيف الترع بأنفسهم قد يكون حلاً مؤقتاً لإنقاذ محصول، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن برنامج منتظم لتطهير القنوات وصيانة القناطر ومعالجة الاختناقات.
"هل منمغيث" السؤال الذي يتكرر في الجزيرة
ما بين صور محاصيل ذابلة، وترع خالية من المياه، ومزارعين يحملون أدوات التنظيف بأيديهم، وتصريحات رسمية تتحدث عن زيادة المناسيب وضبط إدارة المياه، تبدو صورة الموسم الزراعي في مشروع الجزيرة معلقة بين خطر الخسارة ومحاولات الإنقاذ.
المطلوب الآن ليس فقط إعلان وصول المياه إلى المشروع، وإنما قياس ما يصل فعلياً إلى الحواشات، وتحديد مناطق الاختناق، ونشر بيانات واضحة عن مناسيب المياه، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المقصرين إن ثبت التقصير.
كما أن مجلس تنظيم منتجي مشروع الجزيرة والمناقل أمام اختبار حقيقي في الدفاع عن مصالح المنتجين ونقل شكاواهم بصورة مؤسسية إلى الجهات المختصة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: أين المياه؟
بل: أين ذهبت سنوات الخبرة المتراكمة في إدارة واحد من أكبر المشاريع الزراعية في السودان؟ ولماذا لا تصل المياه إلى بعض الحواشات رغم الحديث عن تدفقات كبيرة من خزان سنار؟ ومن يتحمل تكلفة المحاصيل التي يموت بعضها عطشاً؟
وفي بلد يبحث عن طريق للخروج من الحرب والأزمة الاقتصادية، لا تبدو خسارة الموسم الزراعي مجرد خسارة لمزارع.
إنها خسارة لاقتصاد يحتاج إلى كل حبة قمح، وكل جوال ذرة، وكل فدان منتج.
ومشروع الجزيرة لا يحتاج إلى المزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى مياه تصل في الوقت المناسب إلى آخر حواشة.
فهل تتحول هذه النداءات إلى تحرك عاجل قبل أن يصبح إنقاذ الموسم الصيفي مستحيلاً؟
وغدا نواصل