سودان ون | تقرير وتحليل
بعد سنوات من الحرب في السودان، وما رافقها من تقارير عن قتل المدنيين والعنف الجنسي وعمليات النهب وتدمير الممتلكات واستهداف الأعيان المدنية، أعلنت بريطانيا فرض عقوبات على 15 من القادة العسكريين وزعماء الجماعات المسلحة والمسؤولين الأمنيين من طرفي الصراع، على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات مرتبطة بسقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور.
الخطوة البريطانية تفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز أسماء المشمولين بالعقوبات وطبيعة الإجراءات المتخذة بحقهم، إلى سؤال أكثر إلحاحاً لدى السودانيين: لماذا جاء هذا التحرك الآن، بعد سنوات من الحرب، وليس منذ المراحل الأولى التي شهدت فيها البلاد انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين؟
أين كانت بريطانيا طوال سنوات الحرب؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، واجه السودانيون موجات متتالية من المعاناة، شملت القتل والنزوح القسري والعنف الجنسي ونهب المنازل والأسواق، فضلاً عن تدمير البنية التحتية وتعطيل الخدمات الأساسية. وفي مناطق النزاع، تصاعدت المخاوف بشأن سلامة المدنيين، مع ورود تقارير عن انتهاكات خطيرة نُسبت إلى أطراف الحرب.
ومع ذلك، يثير توقيت العقوبات البريطانية تساؤلات بشأن مدى سرعة استجابة المجتمع الدولي لهذه الوقائع، خصوصاً أن معاناة المدنيين لم تبدأ بسقوط الفاشر، بل سبقتها أشهر طويلة من الانتهاكات والتدهور الإنساني في مناطق متعددة من السودان.
وبالنسبة إلى الضحايا وأسرهم، لا يتعلق الأمر فقط بفرض عقوبات بعد وقوع الانتهاكات، وإنما بمدى قدرة التحركات الدولية على منع تكرارها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم إفلات المتورطين من المساءلة.
هل كان الانتظار ضرورياً حتى تصل المأساة إلى الفاشر، أم أن التحرك المبكر كان يمكن أن يسهم في زيادة الضغط لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين؟ سؤال يفرض نفسه مع إعلان لندن إجراءاتها الجديدة.
الفاشر.. هل عجّلت المأساة بالعقوبات؟
ربطت الحكومة البريطانية العقوبات الجديدة بالانتهاكات المرتبطة بسقوط مدينة الفاشر، التي ظلت تحت الحصار لفترة طويلة قبل أن تسقط في أكتوبر 2025، وسط تقارير عن عمليات قتل جماعي وعنف جنسي وانتهاكات واسعة بحق السكان.
ووفقاً للبيان البريطاني، شملت العقوبات قادة من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، إلى جانب قادة جماعات مسلحة متحالفة مع الجيش، على خلفية اتهامات تتعلق بالعنف الجنسي والتعذيب والهجمات على المدنيين.
ومن بين الأسماء التي أشار إليها البيان حسين أبو جلك، أحد قادة قوات الدعم السريع، والنور أحمد آدم، المعروف بالنور القبة، الذي قالت لندن إنه اضطلع بدور بارز في حصار الفاشر.
وتقول بريطانيا إن قرارها جاء عقب نشر أبحاث موّلتها المملكة المتحدة وأعدها مركز مرونة المعلومات (CIR)، تناولت ما وصفته باستخدام التجويع الممنهج والعنف الجنسي المرتبط بالصراع ضد المدنيين من جانب طرفي النزاع.
لكن ارتباط العقوبات بأحداث الفاشر يعيد طرح مسألة أوسع: هل تتحرك العقوبات الدولية عندما تتراكم الأدلة وتصبح الانتهاكات موثقة على نطاق أوسع، أم عندما تفرض التطورات الميدانية والضغوط السياسية والإنسانية نفسها على صناع القرار؟
عقوبات على الطرفين.. ماذا تعني الخطوة البريطانية؟
إدراج أشخاص من طرفي الصراع يعكس، وفق الإعلان البريطاني، توجهاً لمحاسبة أفراد تتهمهم لندن بالمسؤولية عن انتهاكات، بصرف النظر عن انتماءاتهم العسكرية أو تحالفاتهم.
غير أن فاعلية العقوبات لا تُقاس بمجرد الإعلان عنها، بل بمدى قدرتها على تقييد المستهدفين، والحد من قدرتهم على مواصلة الانتهاكات، ودعم التحقيقات المستقلة، وفتح الطريق أمام مساءلة قانونية تستند إلى الأدلة.
كما أن فرض العقوبات لا يمثل في حد ذاته حكماً قضائياً نهائياً بثبوت المسؤولية الجنائية على كل شخص مستهدف، إذ تظل الإدانة الجنائية من اختصاص الجهات القضائية المختصة وفق الإجراءات القانونية.
وتبقى الأسئلة قائمة بشأن مدى اتساع نطاق الإجراءات، وما إذا كانت ستتبعها خطوات إضافية ضد أفراد آخرين، وكيف ستتعامل بريطانيا مع التقارير المتعلقة بالانتهاكات التي وقعت في مناطق أخرى من السودان طوال سنوات الحرب.
15 مليون جنيه إسترليني للمساعدات.. هل تكفي الاستجابة الإنسانية؟
إلى جانب العقوبات، أعلنت بريطانيا تقديم 15 مليون جنيه إسترليني إضافية، تعادل نحو 20 مليون دولار وفق الإعلان، لدعم الجوانب الإنسانية ومساعدة الناجين في السودان.
ويمثل الدعم الإنساني جانباً مهماً في الاستجابة للأزمة، خاصة في ظل الاحتياجات المتزايدة للنازحين والناجيات من العنف الجنسي والمتضررين من فقدان المأوى ومصادر الدخل والخدمات الأساسية.
لكن حجم الكارثة الإنسانية يطرح تساؤلات حول مدى كفاية التمويل مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ومدى وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر تضرراً، وضمان توفير الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي للناجين.
فالمطلوب لا يقتصر على توفير المساعدات الطارئة، وإنما يشمل أيضاً دعم آليات التوثيق، وحماية الشهود والضحايا، وتعزيز فرص الوصول إلى العدالة، ومنع تكرار الانتهاكات.
السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته
لا يمكن فصل العقوبات البريطانية الجديدة عن الحاجة إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات في السودان، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول توقيت الاستجابة الدولية وحدودها.
فإذا كانت التحقيقات والأبحاث التي استندت إليها لندن قد أسهمت في دفع القرار، فإن السؤال يظل قائماً بشأن الإجراءات التي اتُّخذت خلال السنوات السابقة، ومدى الاستفادة من التقارير والتحذيرات التي سبقت سقوط الفاشر.
لماذا احتاجت بريطانيا إلى كل هذا الوقت لتعلن هذه العقوبات؟ وأين كانت الضغوط الدولية حين كان المدنيون يُقتلون، والنساء والفتيات يتعرضن للعنف الجنسي، والمنازل والممتلكات تُنهب، والأعيان المدنية تتعرض للاستهداف؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن العقوبات نفسها؛ لأن العدالة لا ينبغي أن تبدأ بعد اكتمال المأساة، وحماية المدنيين لا ينبغي أن تنتظر سقوط المدن وتراكم الضحايا.
وبالنسبة للسودان، تبقى العبرة في أن تتحول العقوبات من إعلان سياسي إلى إجراءات فعالة تدعم المساءلة، وتمنع تكرار الانتهاكات، وتضمن للضحايا حقهم في العدالة والإنصاف، بعيداً عن الانتقائية أو تأخر التحرك الدولي.