من مشاهدة مسلسل إلى عقوبة قاسية... لماذا تخشى كوريا الشمالية الدراما الكورية؟ في بلد آخر، قد تكون مشاهدة حلقة من مسلسل كوري تسلية عابرة بعد يوم طويل. أما في كوريا الشمالية، فقد تتحول هذه اللحظة نفسها إلى بداية كابوس حقيقي: اعتقال، إذلال علني، سنوات من العمل القسري، وفي أسوأ الحالات إعدام أمام حشد من الناس. يبدو الأمر مبالغاً فيه حين يُروى لأول مرة، لكن شهادات عشرات الكوريين الشماليين الذين فروا من بلادهم تؤكد أن الأمر واقعي تماماً، وأن نظام بيونغ يانغ ينظر إلى مسلسل رومانسي كوري جنوبي بوصفه تهديداً أمنياً لا يقل خطورة عن أي تمرد سياسي. فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ ولماذا يخشى نظام كيم جونغ أون تحديداً الدراما الكورية دون غيرها من أشكال الفن؟
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي ... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية
قانون عقوبة مشاهدة الدراما الكورية في كوريا الشمالية 2020
لم يعد الأمر يعتمد فقط على تقدير الضباط المحليين أو مزاج المسؤولين. فمنذ عام 2020 أصدرت السلطات في بيونغ يانغ قانوناً مخصصاً بالكامل لهذه المسألة، يُعرف باسم قانون "الفكر المضاد للثورة والثقافة"، ينص على عقوبات تصل إلى 15 عامًا من العمل القسري لحيازة مواد إعلامية أجنبية، وعلى الإعدام في حال التوزيع الواسع للدراما أو الأفلام أو الموسيقى الكورية الجنوبية. بمعنى آخر، صار امتلاك حلقة مسلسل محفوظة على هاتف أو ذاكرة تخزين جريمة منصوص عليها بوضوح، لا مجرد مخالفة اجتماعية.
وبحسب تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية استناداً إلى شهادات فارّين من البلاد، فإن القانون ينص على عقوبة تتراوح بين خمس إلى خمس عشرة سنة من الأشغال الشاقة لمن يشاهد أو يمتلك مسلسلات أو أفلامًا أو موسيقى كورية جنوبية. أما من يجرؤ على توزيع هذا المحتوى أو تنظيم عروض جماعية له، فينتظره مصير أقسى بكثير قد يصل إلى الموت.
إعدامات علنية في كوريا الشمالية بسبب مشاهدة المسلسلات الكورية
ما يزيد المشهد قسوة أن هذه العقوبات لا تُنفَّذ في الخفاء دائماً، بل تتحول أحياناً إلى مناسبات علنية يُجبر فيها السكان، وبينهم طلاب مدارس، على الحضور ومشاهدة تنفيذ الحكم. إحدى الشاهدات التي تحدثت لمنظمة العفو الدولية روت كيف اقتيدت وهي طالبة في المرحلة المتوسطة مع زميلاتها لمشاهدة إعدام أشخاص بتهمة مشاهدة أو توزيع مواد إعلامية كورية جنوبية، ووصفت ما جرى بأنه نوع من "التعليم الأيديولوجي" الذي يهدف إلى ترسيخ الخوف في نفوس الأطفال منذ الصغر.
وتكشف شهادات أخرى أن هذه الممارسة ليست استثناءً نادراً، بل جزء من سياسة ممنهجة. فقد قال شهود إنهم أُجبروا كطلاب على حضور إعدامات علنية لأشخاص اتهموا بمشاهدة أو توزيع مواد كورية جنوبية، بل إن تجمعات ضخمة تصل إلى عشرات الآلاف من الأشخاص حضرت في إحدى المرات لمشاهدة إعدام شخص متهم بتوزيع محتوى أجنبي. الرسالة هنا واضحة ومباشرة: لا مجال للمساومة مع "الثقافة الوافدة".
هل الرشوة تُنجي من عقوبة مشاهدة الدراما الكورية في كوريا الشمالية
الأمر اللافت في هذه القصة أن تطبيق القانون لا يبدو عادلاً حتى وفق معايير النظام نفسه. فالشهادات تشير إلى أن الأثرياء يستطيعون غالباً الإفلات من أقسى العقوبات عبر دفع رشى للمسؤولين، بينما يتحمل الفقراء العبء الأكبر من القسوة. وهذا ما أكده أحد الفارين من البلاد، وهو شاب غادر كوريا الشمالية عام 2019، حين أوضح أن الناس يُقبض عليهم لارتكاب الفعل نفسه، لكن نتيجة القضية تُحدَّد في النهاية بحسب قدرتهم المالية على "التفاوض" مع من يعتقلهم.
أسباب خوف كوريا الشمالية من الدراما الكورية الجنوبية تحديداً
قد يتساءل كثيرون: ولماذا الدراما الكورية الجنوبية بالذات، دون غيرها من أشكال المحتوى الأجنبي؟ الإجابة تكمن في طبيعة هذا المحتوى نفسه. فالدراما الكورية الجنوبية لا تقدّم فقط قصص حب وصراعات عائلية، بل تعرض أيضاً - ولو بشكل غير مقصود - نمط حياة مختلف تماماً عمّا يعيشه سكان الشمال: شوارع مضاءة، هواتف ذكية، حرية اختيار المهنة والشريك، ورفاهية يومية بسيطة. هذا التباين الصارخ هو بالضبط ما يخشاه النظام، لأنه يهدد الرواية الرسمية التي تصوّر كوريا الجنوبية بلداً فقيراً تابعاً للغرب.
حظر اللهجة الكورية الجنوبية والهواتف الأجنبية في كوريا الشمالية
لم تكتفِ بيونغ يانغ بملاحقة المسلسلات وحدها، بل وسّعت شبكة الرقابة لتشمل كل ما قد يحمل "أثراً جنوبياً". فوفق تقارير متعددة، يُحظر التحدث بلغة عامية يستخدمها الكوريون الجنوبيون، إلى جانب فرض عقوبة السجن مدى الحياة لمن يثبت استيراده مواد إعلامية محظورة من سيول، بينما ترتفع العقوبة إلى الإعدام إذا كان مصدر المحتوى الولايات المتحدة أو اليابان تحديداً. كما يخضع الآباء أنفسهم للمساءلة والغرامات إذا ثبت تساهلهم مع أبنائهم في هذا الشأن، في محاولة لغلق كل المنافذ الممكنة أمام الجيل الجديد.
تصاعد إعدامات كوريا الشمالية خلال جائحة كورونا
لم يكن مستوى القمع ثابتاً على الدوام، بل شهد تصاعداً واضحاً خلال سنوات إغلاق الحدود بسبب جائحة كورونا. فقد وثّق تقرير حقوقي نقلته وكالة رويترز إعدام عشرات الأشخاص في عشرات الحالات المرتبطة بانتهاك حظر الثقافة الأجنبية، حيث سُجّل إعدام 148 شخصًا في 60 حالة بين عامي 2020 و2024، وارتبط جزء كبير منها بمشاهدة أو تداول مسلسلات وأفلام كورية جنوبية. ويرى مراقبون أن إغلاق الحدود في تلك الفترة منح النظام فرصة إضافية لتشديد قبضته الداخلية بذريعة الوقاية الصحية.
خاتمة
قصة الخوف من الدراما الكورية في كوريا الشمالية ليست مجرد تفصيلة غريبة تُروى للدهشة، بل هي مرآة تعكس هشاشة نظام يرى في مسلسل رومانسي بسيط تهديداً وجودياً لسرديته الرسمية. فحين تتحول مشاهدة حلقة تلفزيونية إلى قضية حياة أو موت، يتضح أن المعركة الحقيقية ليست مع كوريا الجنوبية أو ثقافتها، بل مع أي نافذة قد تفتح عيون الناس على عالم مختلف عمّا اعتادوا سماعه. ورغم كل هذه القسوة، تستمر الشهادات في التسرب من الداخل، لتؤكد أن الرغبة في المعرفة تجد دائماً طريقها، مهما بلغت شدة العقاب.
أسئلة شائعة
هل مشاهدة مسلسل كوري جنوبي واحد كافية للعقوبة؟
نعم، بحسب الشهادات والتقارير الحقوقية، فإن مجرد المشاهدة أو الحيازة يكفي لتوقيع عقوبات تصل إلى سنوات من الأشغال الشاقة، حتى لو لم يقم الشخص بتوزيع المحتوى.
ما الفرق بين عقوبة المشاهدة وعقوبة التوزيع؟
المشاهدة أو الحيازة الفردية تُعاقب عادة بالعمل القسري لسنوات، بينما التوزيع أو تنظيم عروض جماعية للمحتوى يعرّض صاحبه لعقوبات أشد قد تصل إلى الإعدام.
هل يمكن للمال أن يجنّب الشخص العقوبة؟
تشير شهادات فارين من البلاد إلى أن دفع الرشى للمسؤولين المحليين يمكن أن يخفف العقوبة أو يُسقطها، بينما يتحمل من لا يملكون المال أقسى الأحكام.
متى صدر القانون الذي يجرّم هذا المحتوى بشكل مباشر؟
صدر عام 2020 تحت اسم قانون "الفكر المضاد للثورة"، وشدّد بشكل كبير على تجريم حيازة أو توزيع المواد الإعلامية الأجنبية.
هل تقتصر الرقابة على المسلسلات فقط؟
لا، فقد اتسعت لتشمل الأفلام والموسيقى واللهجة الكورية الجنوبية، إضافة إلى الهواتف والأجهزة الإلكترونية الأجنبية غير المسجلة رسمياً.