فضيحة في كيجالي.. منتخب الشرقية ينسحب من الشوط الثاني بعد تأخره 6-0 وسط انتقادات لضعف الإعداد
كيجالي - رواندا | سودان ون
تحولت مشاركة منتخب مدرسة الشرقية بولاية القضارف، ممثل السودان في البطولة الأفريقية المدرسية لكرة القدم في رواندا، من حلمٍ طال انتظاره إلى مشهدٍ أثار موجة واسعة من الغضب والاستياء، بعدما انسحب المنتخب من الشوط الثاني في مباراته الافتتاحية، عقب نهاية النصف الأول متأخراً بستة أهداف دون مقابل، وسط حديث عن إرهاق السفر وغياب الإعداد الكافي للمشاركة القارية.
المشهد في كيجالي لم يكن مجرد خسارة ثقيلة في مباراة كرة قدم، بل أعاد فتح أسئلة قديمة حول طريقة إدارة المشاركات الخارجية للمنتخبات السودانية، ومدى جاهزية البعثات التي تحمل اسم السودان في المحافل الإقليمية والقارية.
من حلم التتويج إلى انسحاب في الشوط الثاني
كان منتخب مدرسة الشرقية قد وصل إلى رواندا بعد رحلة شاقة، حاملاً آمال ولاية القضارف والسودان، باعتباره بطل المنافسة المدرسية القومية وصاحب بطاقة التمثيل السوداني في البطولة الأفريقية للمدارس.
لكن البداية جاءت صادمة.
وبحسب المعلومات المتداولة بشأن المباراة، انتهى الشوط الأول بتقدم المنافس بنتيجة 6-0، قبل أن يتعذر على منتخب الشرقية إكمال المباراة في شوطها الثاني، في واقعة أثارت تساؤلات واسعة بشأن الحالة البدنية للاعبين والاستعداد الفني واللوجستي الذي سبق المشاركة.
وأرجعت مصادر مرتبطة بالبعثة ما حدث إلى إرهاق السفر وعدم كفاية الإعداد، في وقت يرى فيه متابعون أن المشاركة القارية لمنتخب مدرسي كان يفترض أن تسبقها فترة إعداد ومعسكر تدريبي مناسب، خصوصاً أن البطولة تضم منتخبات تمثل دولاً ذات تجارب متقدمة في كرة القدم المدرسية.
كيف وصل منتخب الشرقية إلى رواندا؟
المفارقة أن المنتخب الذي ظهر بهذه الصورة في كيجالي لم يصل إلى البطولة بالصدفة.
فمنتخب مدرسة الشرقية بالقضارف كان قد شق طريقه عبر منافسات محلية وقومية، قبل أن يتوج ببطولة المدارس ويفوز بحق تمثيل السودان في البطولة الأفريقية.
وكان الفريق قد خاض مشواراً تنافسياً شمل مواجهة منتخبات من ولايات مختلفة، قبل أن يتوج باللقب عقب فوزه على مدرسة أبو طليح ممثل ولاية النيل الأبيض بثلاثة أهداف دون مقابل.
وجاء التتويج بعد مشوار وصفه القائمون على الفريق بالناجح، حافظ خلاله منتخب الشرقية على سجله دون هزيمة وحقق العلامة الكاملة، متجاوزاً ممثلي عدد من الولايات، من بينها جنوب دارفور وشمال دارفور والنيل الأزرق، قبل حسم اللقب أمام النيل الأبيض.
ذلك الإنجاز جعل الآمال كبيرة في أن يظهر منتخب القضارف بصورة مختلفة على المستوى الأفريقي.
لكن ما حدث في كيجالي طرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يكفي الفوز بالبطولة المحلية لتمثيل السودان قارياً من دون إعداد يتناسب مع حجم المنافسة؟
أزمة الإعداد.. الحلقة الأضعف في المشاركات السودانية
تكشف واقعة منتخب الشرقية، إذا صحت المعلومات المتداولة حول أسباب الانسحاب، عن مشكلة تتكرر كثيراً في الرياضة السودانية: تحقيق الإنجاز محلياً ثم الانتقال مباشرة إلى المنافسة الخارجية من دون منح المنتخب الوقت والموارد الكافية للاستعداد.
فالمنتخب المدرسي، رغم صغر أعمار لاعبيه، يمثل السودان رسمياً، ما يجعل الإعداد البدني والفني والسفر والإقامة والتغذية والرعاية الطبية عناصر أساسية وليست تفاصيل ثانوية.
وكانت بعثة الشرقية قد واجهت، قبل السفر، تحديات مرتبطة بالتمويل والإجراءات واستخراج جوازات اللاعبين، فيما لعبت حكومة ولاية القضارف دوراً في معالجة عدد من العقبات حتى تمكن الفريق من مغادرة البلاد.
غير أن معالجة أزمة السفر لا تعني بالضرورة اكتمال الإعداد الرياضي.
وهنا تبرز المسؤولية الإدارية بصورة أكبر: من يضع برنامج الإعداد؟ ومن يحدد موعد السفر؟ ومن يتحمل مسؤولية وصول لاعبين صغار إلى بطولة قارية وهم يعانون من إرهاق السفر؟
انتقادات تطال إدارة البعثة
وترافقت الواقعة مع انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي لطريقة إدارة البعثة، التي ترأسها منال البشرى، عضو الاتحاد السوداني لكرة القدم، وسط مطالبات بمراجعة تفاصيل المشاركة والوقوف على أسباب عدم اكتمال المباراة.
كما ظهرت مقارنات مع مشاركات سودانية سابقة، في إشارة إلى جدل متكرر حول إدارة البعثات الرياضية واختيار القيادات الإدارية التي تتولى تمثيل السودان خارجياً.
لكن هذه الانتقادات تظل بحاجة إلى رد رسمي من الاتحاد السوداني لكرة القدم والجهات المنظمة للبعثة لتحديد المسؤوليات بصورة واضحة، بدلاً من الاكتفاء بما يرد في مواقع التواصل الاجتماعي من اتهامات أو أحكام مسبقة.
فالواقعة، بما تحمله من حساسية، تستوجب تحقيقاً إدارياً وفنياً يجيب عن الأسئلة الأساسية: هل كان المنتخب جاهزاً بدنياً؟ متى بدأ الإعداد؟ متى وصلت البعثة إلى رواندا؟ وهل تم وضع جدول سفر يراعي أعمار اللاعبين وحاجتهم إلى الراحة والاستشفاء قبل المباراة؟
من وجع 2016 إلى خيبة كيجالي
وتكتسب مشاركة الشرقية أهمية خاصة لدى أبناء القضارف، إذ ترتبط بقصة بدأت منذ عام 2016، عندما أحرز المنتخب بطولة المدارس القومية في كسلا، لكنه لم يحصل حينها على فرصة تمثيل السودان خارجياً وفق الرواية المتداولة من أبناء الفريق.
وبعد سنوات من الانتظار، عاد الجيل الجديد ليحصل على فرصة التمثيل القاري، وسط آمال بأن تكون المشاركة في رواندا تتويجاً لمسيرة طويلة من العمل.
وكانت الرسالة قبل السفر واضحة: الشرقية إلى رواندا من أجل كتابة صفحة جديدة، لا مجرد إكمال قائمة المشاركين.
لكن مشهد الانسحاب من الشوط الثاني، إن تأكدت تفاصيله رسمياً، وضع نهاية مؤقتة مؤلمة لبداية كانت تحمل الكثير من التفاؤل.
الأطفال ليسوا مسؤولين عن أخطاء الكبار
وفي خضم الغضب المتصاعد، يبقى اللاعبون الصغار هم الطرف الذي لا ينبغي تحميله مسؤولية ما حدث.
هؤلاء اللاعبون خاضوا المنافسة المحلية، فازوا بالبطولة، تدربوا، وسافروا لتمثيل السودان. وإذا كان هناك قصور في الإعداد أو التخطيط أو إدارة الرحلة، فإن المسؤولية تقع على الجهات التي تملك قرار التخطيط والتنفيذ، وليس على أطفال وجدوا أنفسهم أمام منافسة قارية بعد رحلة شاقة.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس جلد اللاعبين بعد خسارة ثقيلة، وإنما حمايتهم وتطويرهم ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير إداري أو فني يثبت وقوعه.
المطلوب الآن.. تحقيق لا تبرير
واقعة كيجالي تحتاج إلى أكثر من بيان عابر.
الاتحاد السوداني لكرة القدم والجهات المعنية بالرياضة المدرسية أمام اختبار حقيقي لتوضيح ما حدث، ونشر الحقائق المتعلقة ببرنامج الإعداد والسفر والإقامة والجوانب الفنية والطبية للبعثة.
فإذا كان السبب إرهاق السفر، فمن المسؤول عن البرنامج الزمني للرحلة؟
وإذا كان السبب ضعف الإعداد، فلماذا دخل بطل السودان بطولة قارية من دون جاهزية كافية؟
وإذا كانت هناك عقبات مالية أو إدارية حالت دون الإعداد، فلماذا لم يتم إعلانها مبكراً؟
هذه الأسئلة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف منظومة إدارة الرياضة السودانية التي يفترض أن تتعلم من أخطائها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلاعبين صغار يمثلون مستقبل كرة القدم في البلاد.
القضارف حققت اللقب.. والسودان يستحق مشاركة تليق باسمه
منتخب الشرقية يستحق التحية على ما قدمه داخل السودان، وعلى انتزاعه بطاقة التمثيل القاري بعد مشوار ناجح.
لكن الفوز ببطولة المدارس السودانية يجب أن يكون بداية للإعداد، لا نهايته.
أما المشاركة في رواندا، فقد كشفت بوضوح أن الطريق من التتويج المحلي إلى المنافسة الأفريقية يحتاج إلى منظومة مختلفة: معسكرات، إعداد بدني، مباريات تجريبية، سفر منظم، رعاية طبية، إدارة محترفة وخطة واضحة.
فالفضيحة الحقيقية، إن ثبت أن الإرهاق وضعف الإعداد كانا وراء الانسحاب، ليست في خسارة منتخب مدرسي بستة أهداف، وإنما في أن يصل بطل السودان إلى بطولة أفريقية وهو غير قادر على إكمال المباراة.
والكرة الآن في ملعب الجهات المسؤولة: هل ستفتح تحقيقاً شفافاً لمعرفة ما حدث في كيجالي، أم ستُغلق الصفحة كما أُغلقت صفحات كثيرة من قبل؟