من تعدد البنادق إلى الجيش الواحد.. هل ينجح السودان في دمج قوات حرب الكرامة داخل القوات المسلحة؟
تقرير تحليلي | السودان _ سودان ون
لم تعد قضية دمج القوات التي قاتلت إلى جانب القوات المسلحة السودانية في حرب الكرامة مجرد ملف مؤجل إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل بدأت تتحول إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في رسم ملامح السودان خلال المرحلة المقبلة.
فمع إعلان عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن ياسر العطا أن المرحلة المقبلة ستشهد دمج القوات المساندة داخل المؤسسات النظامية، وفق الشروط والمعايير المعمول بها، يدخل السودان عملياً في نقاش أكبر من مجرد الترتيبات العسكرية؛ نقاش يتعلق بشكل الدولة، ومستقبل المؤسسة العسكرية، ومصير التشكيلات المسلحة التي فرضتها ظروف الحرب.
وبحسب تصريحات العطا، فإن عملية الدمج ستشمل القوات المشتركة، ودرع السودان، وكتائب البراء، وكتائب الثوار والمقاومة الشعبية، مع إمكانية توزيع المستوفين للشروط بين القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات العامة، فيما ستعمل الدولة على تأهيل من لا يرغبون أو لا تنطبق عليهم شروط الانضمام، عبر التدريب المهني وتمليكهم مهناً تساعدهم على العودة إلى الحياة المدنية.
وهنا تحديداً تبدأ المعركة الأصعب: معركة بناء الجيش الواحد.
جيش السودان.. قصة بدأت قبل الدولة الحديثة
فكرة الجيش الوطني الواحد ليست جديدة على السودان، بل تعود جذورها إلى المراحل الأولى لتكوين المؤسسة العسكرية السودانية.
فقد شكلت التشكيلات السودانية الأولى، ومن بينها الأورطة الشرقية، نواة مهمة في تطور القوة العسكرية النظامية في البلاد، قبل أن تأتي مرحلة قوة دفاع السودان عام 1925، التي مثلت محطة أساسية في تطور التنظيم العسكري وفتح الطريق أمام سودنة القيادة وتدريب الضباط السودانيين.
ومع اقتراب الاستقلال، تطورت تلك الوحدات والتشكيلات لتصب في مؤسسة القوات المسلحة السودانية التي أصبحت بعد استقلال البلاد عام 1956 المؤسسة الوطنية المعنية بالدفاع عن السيادة وحماية الدولة.
ومن هذه الزاوية التاريخية، فإن سؤال دمج القوات المساندة اليوم لا يمكن فصله عن السؤال الأوسع: هل يستطيع السودان إعادة إنتاج مؤسسة عسكرية وطنية واحدة بعد سنوات طويلة من تعدد التشكيلات المسلحة؟
حرب الكرامة صنعت واقعاً عسكرياً استثنائياً
أفرزت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 واقعاً أمنياً وعسكرياً غير مسبوق.
ومع اتساع رقعة العمليات، ظهرت أو توسعت تشكيلات وقوات مساندة للجيش، بعضها له جذور سابقة في اتفاقيات السلام، وبعضها تشكل في سياق الحرب والمقاومة الشعبية والتعبئة العسكرية.
وكان لهذه القوات أدوار مختلفة في العمليات العسكرية، الأمر الذي جعلها جزءاً من المشهد الميداني للحرب.
لكن ما يصلح في زمن الحرب ليس بالضرورة صالحاً في زمن الدولة.
فوجود أكثر من تشكيل مسلح، مهما كانت دوافعه وتحالفاته في زمن المعركة، يظل تحدياً أمام بناء منظومة أمنية مستقرة بعد الحرب.
ومن هنا تأتي أهمية تصريحات ياسر العطا، التي تضع للمرة الأولى بصورة أكثر وضوحاً مسألة مستقبل القوات المساندة بعد الحرب على طاولة الدولة.
كيكل.. أول الإشارات العملية
من أبرز المؤشرات على إمكانية تنفيذ عملية الدمج، الموقف الذي أعلنه قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل.
فقد أعلن كيكل موافقته على دمج قواته في القوات المسلحة، مؤكداً أن قواته تؤيد الخطة التي أعلنتها قيادة الجيش بشأن توحيد التشكيلات العسكرية داخل مؤسسة وطنية واحدة.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تنقل النقاش من مستوى التصريحات السياسية إلى مستوى المواقف المعلنة من قادة التشكيلات نفسها.
كما أن تقارير سودانية أشارت إلى أن عملية دمج قوات مرتبطة بالحركة الشعبية بقيادة مالك عقار قطعت شوطاً في إطار الترتيبات الأمنية، وهو ما يقدم نموذجاً يمكن الاستفادة من تجربته عند التعامل مع بقية القوات.
لكن نجاح نموذج هنا لا يعني بالضرورة أن جميع الحالات ستكون متشابهة.
فكل تشكيل يحمل تاريخاً مختلفاً، وتركيباً بشرياً مختلفاً، وقيادات ورتباً وامتدادات اجتماعية وسياسية مختلفة.
هل الدمج ممكن؟
نعم، لكنه ليس قراراً إدارياً بسيطاً.
فالدمج الحقيقي لا يعني فقط إصدار قرار بإلغاء اسم تشكيل وإدخال عناصره في مؤسسة أخرى.
الدمج العسكري الناجح يحتاج إلى عملية متكاملة تبدأ بالحصر والتدقيق، ثم الفحص الأمني والطبي والبدني، مروراً بالتأهيل والتدريب، وانتهاءً بتحديد الرتب والاختصاصات ومواقع الخدمة.
وهذه النقطة بالذات قد تكون واحدة من أكثر الملفات تعقيداً.
فالمقاتل الذي أمضى سنوات في العمليات لا يمكن افتراض أن خبرته الميدانية تعادل تلقائياً المؤهلات المطلوبة للترقية أو تولي قيادة داخل مؤسسة عسكرية نظامية.
وفي المقابل، فإن تجاهل الخبرة القتالية للمقاتلين وإعادة التعامل معهم وكأنهم أفراد جدد بالكامل قد يولد شعوراً بالإقصاء، خصوصاً لدى العناصر التي ترى أنها دفعت ثمناً كبيراً خلال الحرب.
لذلك فإن المعادلة الأكثر واقعية تبدو في:
استيعاب من تنطبق عليهم الشروط + إعادة تأهيل من يمكن تأهيلهم + تسريح وإعادة دمج مدني لمن لا تنطبق عليهم شروط الخدمة.
معضلة الرتب.. الاختبار الأكثر. حساسية
قد تبدو قضية الرتب العسكرية تفصيلاً إدارياً، لكنها في الواقع يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر العقبات أمام الدمج.
ففي التشكيلات المسلحة، قد يحمل الشخص رتبة عسكرية حصل عليها داخل تشكيله، بينما تختلف معايير منح الرتب داخل القوات المسلحة النظامية.
وعند تطبيق معايير الجيش، قد لا تتطابق الرتب السابقة مع الرتب التي يستحقها أصحابها وفق اللوائح العسكرية.
وهنا يبرز السؤال:
هل يقبل قائد أو ضابط ميداني برتبة عالية داخل تشكيله أن يبدأ برتبة أدنى داخل الجيش؟
الإجابة ليست مضمونة.
ولهذا فإن إدارة ملف الرتب تحتاج إلى معايير واضحة وشفافة، تمنع المحاباة من جهة، وتحفظ كرامة وخبرة المقاتلين من جهة أخرى.
وقد يكون الحل في إنشاء لجان مهنية مستقلة داخل المؤسسة العسكرية لتقييم الخبرة والتأهيل والسن والرتبة السابقة، ثم تحديد الرتبة المستحقة وفق معايير معلنة.
التحدي الأكبر.. ماذا عن الذين لن يدخلوا الجيش؟
هذه ربما تكون أخطر نقطة في مشروع الدمج كله.
فالدولة لا تستطيع ببساطة أن تقول لآلاف المقاتلين: انتهت الحرب، ضعوا أسلحتكم وعودوا إلى منازلكم.
إذا لم تتوافر بدائل اقتصادية واجتماعية، فإن جزءاً من هؤلاء قد يجد نفسه أمام خيارين: البطالة أو العودة إلى السلاح.
ولهذا تبدو إشارة ياسر العطا إلى التدريب المهني وتمليك الحرف والمهن مهمة للغاية.
لكن تنفيذ هذه الفكرة يحتاج إلى برنامج وطني واسع لإعادة الدمج، لا إلى مبادرات محدودة.
ويفترض أن يشمل البرنامج التدريب المهني، والتعليم، والتمويل الأصغر، والمشروعات الإنتاجية، وإعادة التوطين عند الحاجة، إضافة إلى برامج نفسية واجتماعية للمقاتلين الذين عاشوا سنوات في ظروف الحرب.
وهنا يصبح نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج جزءاً أساسياً من عملية بناء السلام وليس ملفاً عسكرياً فقط.
اتفاق جوبا يدخل منطقة جديدة
الملف يصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق بالقوات التابعة للحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
فهذه التشكيلات لا تتحرك فقط وفق اعتبارات عسكرية، بل ترتبط أيضاً بترتيبات سياسية وأمنية وقانونية نصت عليها الاتفاقية.
ولهذا فإن الانتقال من ترتيبات الحرب إلى جيش وطني موحد يحتاج إلى مواءمة دقيقة بين ما تنص عليه اتفاقيات السلام، وما تفرضه التطورات العسكرية والسياسية الجديدة.
ويكتسب موقف رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم أهمية في هذا السياق، بعدما أعلن استعداد الحركة لأن تكون جزءاً من القوات المسلحة، مع الدعوة إلى استكمال الترتيبات الأمنية الخاصة بالتشكيلات المسلحة.
المعنى السياسي لذلك واضح: ملف الجيش الواحد بدأ ينتقل من شعار عام إلى قضية تفاوضية وتنظيمية حقيقية في مستقبل الدولة السودانية.
لماذا يحتاج الجيش إلى الدمج؟
الهدف الأول ليس زيادة عدد أفراد القوات المسلحة.
الهدف الحقيقي هو توحيد قرار القوة والسلاح والقيادة.
فالجيش الوطني لا يقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الأسلحة، وإنما بقدرته على العمل وفق عقيدة عسكرية واحدة، وهيكل قيادة واضح، وقوانين موحدة، وسلسلة أوامر لا تسمح بوجود مراكز قوة مسلحة موازية للدولة.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يحقق الدمج عدة فوائد:
أولاً: توحيد القيادة العسكرية.
وجود جميع القوات المسلحة تحت قيادة واحدة يقلل فرص تضارب القرارات والأوامر.
ثانياً: تعزيز سيادة الدولة.
كلما تراجعت التشكيلات المسلحة المستقلة، أصبح احتكار الدولة للسلاح أكثر واقعية.
ثالثاً: رفع كفاءة المؤسسة العسكرية.
دمج الخبرات القتالية المختلفة، بعد إخضاعها للتدريب والتنظيم، يمكن أن يضيف قدرات بشرية وميدانية مهمة للقوات المسلحة.
رابعاً: تقليل احتمالات الصراع الداخلي.
التشكيلات المسلحة التي تحتفظ بهياكلها المستقلة يمكن أن تتحول في مرحلة ما بعد الحرب إلى مراكز قوة سياسية أو أمنية.
خامساً: تحسين البيئة الاستثمارية.
فالاستقرار الأمني وتوحيد المؤسسات النظامية شرطان أساسيان لأي مشروع لإعادة إعمار السودان وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
لكن هناك خطراً يجب الانتباه إليه
الدمج العشوائي قد ينتج مشكلة جديدة بدلاً من حل المشكلة القديمة.
إذا تحولت العملية إلى مجرد استيعاب جماعي للمقاتلين دون تدريب أو فحص أو إعادة هيكلة، فقد تجد القوات المسلحة نفسها أمام مؤسسة ضخمة لكنها أقل تجانساً.
كما أن إدخال أعداد كبيرة من العناصر دون دراسة الاحتياجات الفعلية للقوات المسلحة قد يخلق عبئاً مالياً كبيراً على الدولة.
ولهذا يجب أن يكون السؤال:
من يحتاجه الجيش؟
وليس:
كم مقاتلاً يمكن إدخاله إلى الجيش؟
وهذا فرق جوهري.
فالجيش المحترف يحتاج إلى ضباط وجنود وفق احتياجاته العملياتية، وليس وفق حجم التشكيلات التي كانت موجودة أثناء الحرب.
هل يمكن أن يتحول الدمج إلى نقطة قوة؟
إذا تمت العملية بطريقة مهنية، فإن الإجابة نعم.
السودان يمتلك خبرات قتالية تراكمت خلال عقود، كما أن الحرب الحالية أوجدت خبرات ميدانية واسعة لدى قطاعات من المقاتلين الذين شاركوا في العمليات.
المطلوب هو تحويل هذه الخبرة من قوة منفصلة إلى قوة مؤسسية.
ويمكن أن يشمل ذلك إعادة توزيع العناصر وفق تخصصاتهم، مثل المشاة، والهندسة، والإمداد، والاتصالات، والاستطلاع، والخدمات الطبية، وحماية المنشآت، وغيرها.
كما يمكن الاستفادة من بعض الخبرات في قوات الشرطة أو المخابرات أو المؤسسات المدنية، وفقاً للمؤهلات والاحتياجات.
بهذا المعنى، يصبح الدمج عملية لإعادة بناء القدرات، وليس مجرد إلغاء أسماء وإضافة أسماء جديدة.
المستقبل.. جيش واحد أم تعدد مقنّع؟
السؤال الذي سيحسم نجاح التجربة ليس فقط: هل دخل المقاتلون إلى القوات المسلحة؟
بل:
هل انتهت التشكيلات فعلاً؟
فإذا دخل المقاتلون إلى الجيش بينما احتفظت قياداتهم السابقة بشبكاتها المسلحة المستقلة، أو بقيت هياكلها وتمويلها وولاءاتها خارج المؤسسة العسكرية، فلن يكون ذلك دمجاً كاملاً.
الدمج الحقيقي يعني أن يصبح الولاء للمؤسسة العسكرية وللدولة، لا لقائد تشكيل أو حركة أو جماعة.
وهنا تحديداً تكمن الاختبارات الأصعب.
السودان أمام لحظة تأسيس جديدة
الحرب أعادت طرح سؤال ظل مؤجلاً لعقود: كيف يمكن بناء مؤسسة عسكرية وطنية تعبر عن الدولة السودانية وحدها؟
والإجابة لن تكون عسكرية فقط.
إنها تحتاج إلى توافق سياسي، وترتيبات قانونية، وتمويل اقتصادي، وإرادة داخل المؤسسة العسكرية، واستعداد من قادة التشكيلات المسلحة للتخلي عن الهياكل الموازية.
كما تحتاج إلى مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة بعد الحرب.
فالجيش الواحد لا يمكن أن يعيش طويلاً في دولة مؤسساتها ضعيفة، واقتصادها منهك، وأطرافها مهمشة.
ولهذا فإن دمج القوات المساندة في الجيش السوداني يجب أن يكون جزءاً من مشروع أكبر لإعادة بناء الدولة، وليس مجرد إجراء عسكري عاجل.
الخلاصة
ما طرحه الفريق أول ياسر العطا يفتح واحداً من أكبر ملفات السودان في مرحلة ما بعد حرب الكرامة: مستقبل السلاح والقوات والتشكيلات المسلحة.
المبدأ يبدو واضحاً: دولة واحدة، وجيش وطني واحد، وقرار عسكري واحد.
لكن الطريق إلى ذلك لن يكون سهلاً.
فنجاح الدمج يحتاج إلى معايير عادلة، وحصر دقيق، وتأهيل مهني، وتسوية لمسألة الرتب، وبرنامج حقيقي لتسريح وإعادة دمج غير المستوعبين، إلى جانب معالجة الملفات السياسية المرتبطة باتفاقيات السلام.
وإذا نجح السودان في إدارة هذه العملية بحكمة وحزم، فقد تتحول القوات التي فرضتها ظروف الحرب إلى رصيد جديد للمؤسسة العسكرية، بدلاً من أن تتحول إلى جيوش صغيرة داخل الدولة.
أما إذا أُدير الملف بمنطق المحاصصة أو الاستيعاب العشوائي، فقد ينتقل السودان ببساطة من تعدد القوات في زمن الحرب إلى تعدد مراكز القوة داخل المؤسسة نفسها.
وهنا تكمن أهمية اللحظة.
فمعركة السودان القادمة، بعد معركة الميدان، لن تكون فقط معركة استعادة الأرض، وإنما معركة بناء الدولة التي لا ينازعها أحد على قرار السلاح.
وفي النهاية، قد يكون الاختبار الحقيقي لشعار "جيش واحد.. شعب واحد" ليس في رفعه خلال الحرب، وإنما في القدرة على تحويله إلى مؤسسة وطنية مستقرة بعد أن تصمت البنادق.