إيطاليا والسودان.. دعم سياسي وإنساني وفرص اقتصادية قد ترسم ملامح ما بعد الحرب
روما تتمسك بدعم السودان.. مساعدات إنسانية تتجاوز 130 طناً وتحرك دبلوماسي لإنهاء الحرب وفتح الباب أمام الشراكة الاقتصادية
بورتسودان – سودان ون
تدخل العلاقات السودانية الإيطالية مرحلة جديدة تبدو فيها روما أكثر حضوراً في المشهد السوداني، ليس فقط عبر المساعدات الإنسانية، وإنما من خلال تحرك دبلوماسي داخل الاتحاد الأوروبي والمحافل الدولية، إلى جانب مؤشرات على رغبة إيطالية في الحفاظ على جسور التعاون مع السودان وتهيئة الأرضية أمام مرحلة إعادة الإعمار والاستثمار بعد الحرب.
ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه سفير إيطاليا لدى السودان، ميشيلي توماسي، قرب انتهاء فترة عمله، مؤكداً، وفق ما نقلته مصادر سودانية، أن بلاده لم تغيّر موقفها الداعم لمؤسسات الدولة السودانية منذ اندلاع الحرب، وأنها ترفض فكرة إنشاء «حكومة موازية». كما أشار السفير، خلال لقائه رئيس تنسيقية القوى الوطنية محمد سيد أحمد سر الختم الجكومي، إلى اعتماد السودان سفيراً لدى إيطاليا، وأن السفير الإيطالي الجديد سيقدم أوراق اعتماده إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطوة تحمل، سياسياً، دلالة مهمة على استمرار قنوات التواصل الرسمي بين البلدين.
إيطاليا.. من المساعدات إلى الدبلوماسية
لا تبدو السياسة الإيطالية تجاه السودان محصورة في الجانب الإنساني. فالموقف المعلن من روما خلال الأشهر الماضية يكشف عن محاولة للجمع بين المساعدات الإنسانية، والدبلوماسية السياسية، ودعم جهود السلام، والتعاون التنموي.
وفي أبريل 2026، شارك وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني في المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان في برلين، مؤكداً أن الحرب يجب أن تتوقف بصورة عاجلة، وداعياً الدول التي تدعم أطراف النزاع إلى التعاون من أجل إنهاء القتال وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأن إيطاليا لا تتحرك منفردة، وإنما من داخل شبكة الاتحاد الأوروبي وشراكاتها مع القوى الغربية والأفريقية الفاعلة في الملف السوداني. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة التي يمكن أن تقدمها روما للخرطوم:
استخدام وزنها داخل الاتحاد الأوروبي لدفع الموقف الأوروبي نحو رؤية أكثر اتزاناً للملف السوداني، وتشجيع المجتمع الدولي على دعم مسار سياسي يحفظ وحدة السودان ومؤسساته ويقود إلى وقف الحرب.
«إيطاليا من أجل السودان».. مساعدات تتجاوز الإغاثة
أطلقت الحكومة الإيطالية مبادرة «إيطاليا من أجل السودان – Italy for Sudan» في نهاية عام 2025، لتوحيد جانب كبير من استجابتها للأزمة السودانية ضمن إطار واحد. وبحسب وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية، تجاوزت المساعدات التي حشدتها المبادرة 130 طناً من المساعدات الإنسانية، إضافة إلى أكثر من 6 ملايين يورو لتمويل تدخلات طارئة.
وشملت المساعدات مواد غذائية ومستلزمات إيواء وخزانات مياه وناموسيات ومراتب وأدوات مطبخ ومواد للنظافة، استفادت منها آلاف الأسر النازحة في 31 مخيماً بولاية البحر الأحمر. كما خصصت إيطاليا 5 ملايين يورو لمنظمة الأغذية والزراعة «فاو» لدعم الزراعة الطارئة وسبل العيش القائمة على الثروة الحيوانية، ومليون يورو للصليب الأحمر الإيطالي لدعم المياه والمأوى والمساعدة الطبية في المناطق الأكثر تضرراً في دارفور.
وتعود المبادرة إلى أول شحنة مساعدات وصلت إلى بورتسودان في ديسمبر 2025، وبلغت 25 طناً، ووجهت بصورة خاصة إلى نحو 2500 طالب من أبناء الأسر النازحة. وهكذا، فإن المساعدات الإيطالية للسودان لا تقف عند توزيع الغذاء، بل تمتد إلى الزراعة والمياه والصحة والإيواء ودعم قدرة المجتمعات المتضررة على الصمود.
السلام.. المجال الأهم الذي تستطيع روما التحرك فيه
إذا كانت المساعدات تخفف من آثار الحرب، فإن إنهاء الحرب يظل الاختبار الأكبر أمام المجتمع الدولي. وفي هذا الجانب، تملك إيطاليا أدوات سياسية مهمة، بحكم عضويتها في الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الغربية المشاركة في المؤتمرات الدولية الخاصة بالسودان، فضلاً عن علاقاتها مع دول البحر المتوسط والقرن الأفريقي. وقد دعت روما صراحة إلى تسريع الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، وشدد تاجاني على ضرورة أن تؤدي دول المنطقة دوراً في الدفع نحو وقف القتال. كما شاركت إيطاليا في بيان دولي بشأن التصعيد في مدينة الأبيض، دعا أطراف النزاع إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين.
ومن هنا يمكن أن يتطور الدور الإيطالي من الموقف السياسي المعلن إلى دبلوماسية أكثر نشاطاً داخل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والمنتديات الدولية، خصوصاً في ملفات وقف إطلاق النار، المساعدات الإنسانية، حماية المدنيين، وتهيئة الظروف لعملية سياسية سودانية.
ماذا تستطيع إيطاليا أن تقدم للسودان دولياً؟
تملك روما عدة أوراق يمكن أن تجعلها شريكاً مؤثراً للسودان خلال المرحلة المقبلة. أول هذه الأوراق هو الاتحاد الأوروبي؛ إذ تستطيع إيطاليا الدفع باتجاه سياسة أوروبية أكثر دعماً للاستقرار في السودان، وزيادة التمويل الإنساني، ودعم المؤسسات الوطنية، وتشجيع مسار سياسي لا يتحول إلى غطاء لتقسيم البلاد أو إنشاء كيانات موازية. أما الورقة الثانية فهي المحافل الدولية.
فالحضور الإيطالي في مؤتمرات السودان الدولية يمكن أن يتحول إلى دعم سياسي أكبر لقضايا إعادة بناء الدولة، وإعادة الخدمات، وتوفير التمويل اللازم للإغاثة وإعادة الإعمار. والورقة الثالثة هي العلاقات مع دول المنطقة، خصوصاً أن إيطاليا تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما منطقة ذات أهمية استراتيجية للأمن والتنمية وحركة التجارة الدولية.
من الإغاثة إلى إعادة الإعمار
لكن مستقبل العلاقات السودانية الإيطالية قد يكون أكثر أهمية عندما تنتقل البلاد من مرحلة الحرب إلى مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. فالتاريخ الاقتصادي للعلاقات بين البلدين يكشف عن اهتمام إيطالي سابق بقطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والطاقة والطاقة المتجددة والبنية التحتية والمياه والكهرباء.
وفي 2016، نظمت السفارة الإيطالية في الخرطوم بعثة اقتصادية شاركت فيها شركات إيطالية، وركزت على الطاقة والطاقة المتجددة والزراعة والصناعات الغذائية والطاقة الكهرومائية والبنية التحتية. كما استضاف السودان في السابق فعاليات اقتصادية جمعت شركات إيطالية وسودانية، وشهدت محاولات لتأسيس شراكات تجارية وصناعية واستثمارية.
وهذا يعني أن التعاون الاقتصادي بين السودان وإيطاليا يمتلك أرضية سابقة يمكن إعادة بنائها، خصوصاً في مرحلة ما بعد الحرب. الزراعة والطاقة.. فرص سودانية وإيطالية مشتركة يمتلك السودان موارد زراعية وحيوانية ومائية كبيرة، بينما تمتلك إيطاليا خبرات واسعة في الصناعات الغذائية، الآلات الزراعية، التصنيع، الطاقة المتجددة، إدارة المياه والبنية التحتية.
وتتقاطع هذه المصالح بصورة واضحة. فبدلاً من اقتصار العلاقات على تصدير المواد الخام أو استيراد السلع، يمكن بناء نموذج يقوم على الشراكات الصناعية والاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا والتدريب المهني. كما يمكن للشركات الإيطالية أن تجد فرصاً مستقبلية في إعادة تأهيل شبكات الكهرباء، والطاقة الشمسية، ومشروعات المياه، والصناعات الغذائية، والتخزين والتبريد، والموانئ والخدمات اللوجستية، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية.
وكانت إيطاليا قد وصفت السودان في مراحل سابقة بأنه يمتلك فرصاً أمام المستثمرين الإيطاليين في البنية التحتية والطاقة والتحول الأخضر، مع اهتمام خاص بتطوير رأس المال البشري والتدريب والتعليم المهني.
«إيطاليا من أجل السودان».. هل يمكن أن تصبح بوابة لإعادة الإعمار؟
السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت مبادرة «إيطاليا من أجل السودان» ستبقى مبادرة إنسانية أم تتحول مستقبلاً إلى إطار أوسع للتعاون الاقتصادي والتنموي. المؤشرات الحالية تسمح بطرح الاحتمال الثاني، خصوصاً أن روما تتحدث عن مقاربة تجمع بين مؤسسات الدولة الإيطالية والمنظمات الإنسانية والمجتمع المدني، فيما أعادت الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي تنشيط مكتب مشروعاتها في بورتسودان لتعزيز قدراتها التشغيلية في السودان.
وهنا يمكن أن تبدأ المرحلة الأكثر أهمية: ربط المساعدات الإنسانية بمشروعات التعافي الاقتصادي. فدعم النازحين يمكن أن يتطور إلى برامج تدريب وتشغيل، ودعم الزراعة يمكن أن ينتقل إلى التصنيع الغذائي، ومشروعات المياه يمكن أن تتحول إلى بنية تحتية مستدامة، بينما يمكن لمشروعات الطاقة المتجددة أن تساعد في إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.
الإنذار المبكر.. تعاون يتجاوز السياسة
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً اهتمام التعاون الإيطالي بتعزيز قدرات السودان في مجال الإنذار المبكر والحد من مخاطر الكوارث. وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع للتعاون التنموي الإيطالي في السودان، إلى جانب مشروعات سابقة في مجالات المياه والصحة والمساعدات الإنسانية والتكيف مع الكوارث. جدول وتكشف هذه المجالات أن العلاقة بين البلدين ليست سياسية فقط، وإنما تمتد إلى بناء القدرات والمؤسسات.
سفير جديد.. واستمرارية في العلاقات
رحيل السفير ميشيل توماسي الشهر المقبل لا يعني بالضرورة نهاية مرحلة، بل يمكن أن يكون بداية لمرحلة جديدة إذا نجح البلدان في تحويل ما تراكم من اتصالات سياسية وإنسانية إلى خطة استراتيجية للعلاقات السودانية الإيطالية.
ويملك السفير الجديد فرصة كبيرة للبناء على ما تحقق، خصوصاً في ملفات السلام، والدعم الأوروبي، والمساعدات الإنسانية، والتعاون التنموي، وتشجيع الشركات الإيطالية على النظر إلى السودان باعتباره سوقاً مستقبلياً وشريكاً اقتصادياً، وليس فقط دولة تمر بأزمة.
السودان يحتاج إلى شراكات لا إلى مساعدات فقط في المحصلة، فإن القيمة الحقيقية للدور الإيطالي في السودان لا تكمن في حجم شحنة مساعدات أو عدد المؤتمرات التي شاركت فيها روما، وإنما في قدرتها على الجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والتنمية والعمل الإنساني.
فالسودان يحتاج في المرحلة المقبلة إلى أكثر من الغذاء والدواء؛ يحتاج إلى وقف الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وعودة النازحين، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وجذب الاستثمار.
وهنا يمكن لإيطاليا أن تكون واحدة من الشركاء الأوروبيين المهمين في هذه العملية، إذا انتقلت العلاقات السودانية الإيطالية من دبلوماسية الأزمة إلى شراكة ما بعد الحرب. وبالنسبة للخرطوم، فإن المطلوب هو تقديم رؤية واضحة للقطاع الخاص الإيطالي، وتحديد المشروعات ذات الأولوية، وتوفير الضمانات القانونية والمؤسسية اللازمة للاستثمار، وفتح قنوات مباشرة بين رجال الأعمال والغرف التجارية في البلدين.
أما بالنسبة لروما، فإن أفضل استثمار سياسي يمكن أن تقدمه للسودان هو دعم السلام والاستقرار، وأفضل استثمار اقتصادي هو مساعدة السودان على استعادة قدرته الإنتاجية، وأفضل استثمار إنساني هو مساعدة السودانيين على الانتقال من مرحلة انتظار المساعدات إلى مرحلة إنتاج الحياة من جديد.
الخلاصة
تتحرك العلاقات السودانية الإيطالية اليوم على ثلاثة مسارات متوازية: الدعم الإنساني، والتحرك الدبلوماسي من أجل السلام، والتعاون التنموي والاقتصادي. وبينما تجاوز الدعم الإيطالي الإنساني 130 طناً ضمن مبادرة «إيطاليا من أجل السودان»، وأعلنت روما استمرار دعمها، فإن الرهان الأكبر يبقى في قدرة البلدين على تحويل هذا الزخم إلى شراكة طويلة الأمد في السلام وإعادة الإعمار والاستثمار والزراعة والطاقة والبنية التحتية.
وإذا نجحت إيطاليا في توظيف حضورها الأوروبي والدولي لصالح إنهاء الحرب ودعم الاستقرار، ونجح السودان في تقديم بيئة أكثر وضوحاً للمستثمرين، فقد تتحول العلاقة بين الخرطوم وروما من علاقة تضامن في زمن الحرب إلى شراكة استراتيجية في بناء سودان ما بعد الحرب.