هل تقترب المواجهة؟ موسكو تكشف مخططاً أمريكياً لاستخدام الأسلحة النووية بأوروبا، في وقت لا تزال فيه العلاقات بين موسكو وواشنطن تسير على حافة توتر لا ينتهي، خرج تصريح جديد من وزارة الخارجية الروسية أعاد فتح ملف شائك ظل مسكوتاً عنه لسنوات: مصير الترسانة النووية الأمريكية المنتشرة في أوروبا، واحتمال استخدامها فعلياً في أي مواجهة مستقبلية. هذه المرة لم يأتِ الكلام من مسؤول عابر، بل من دبلوماسي متخصص في ملفات نزع السلاح، وهو ما أعطى التصريح وزناً إضافياً وأثار موجة تساؤلات: هل يقترب العالم فعلاً من سيناريو صدامي في القارة الأوروبية؟ وهل ما قالته موسكو مجرد ورقة ضغط سياسية، أم مؤشر حقيقي على تحول خطير في العقيدة العسكرية الأمريكية؟
فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي ... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية
تصريحات المبعوث الروسي أندريه بيلوسوف حول السلاح النووي في أوروبا
المبعوث الروسي المتجول أندريه بيلوسوف، وهو دبلوماسي معروف بمتابعته الدقيقة لملفات الحد من التسلح، صرّح في مقابلة مع قناة "آر تي" الروسية بأن هناك مجموعة من المؤشرات توحي بأن واشنطن، وعلى مستوى الاستراتيجيين العسكريين فيها، تدرس بجدية إمكانية استخدام السلاح النووي في مسرح العمليات الأوروبي. ولفت إلى أن إصرار الولايات المتحدة على فتح نقاش حول الأسلحة النووية الروسية غير الاستراتيجية، في أكثر من منتدى دولي معني بنزع السلاح، ليس سوى محاولة لصرف الأنظار عن الخطر الحقيقي: وجود ترسانة نووية أمريكية على الأراضي الأوروبية أصلاً، إلى جانب برامج صاروخية ونووية أمريكية أوسع يجري تطويرها.
بمعنى آخر، الرسالة التي أراد الدبلوماسي إيصالها هي أن الأسلحة الروسية غير الاستراتيجية، بحسب تعبيره، لا تشكل تهديداً مباشراً لأراضي الولايات المتحدة، بينما الأسلحة الأمريكية المتمركزة في أوروبا قابلة للاستخدام العملياتي ضد روسيا في أي لحظة، وهو ما يجعلها في نظر موسكو التهديد الأكبر الذي يستحق النقاش أولاً.
تاريخ الأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا منذ الحرب الباردة
القضية ليست جديدة كلياً. فوجود قنابل نووية أمريكية تكتيكية في عدد من الدول الأوروبية، ضمن ما يعرف بـ"برنامج التشارك النووي" في حلف الناتو، قائم منذ خمسينيات القرن الماضي. وأشار بيلوسوف نفسه إلى أن هذا الملف كان مطروحاً على طاولة الحوار الاستراتيجي بين موسكو وواشنطن منذ منتصف التسعينيات، حين خفّضت روسيا ترسانتها من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية إلى الربع تقريباً، وأبقت الباقي في مستودعات مركزية، على أمل أن تقابلها واشنطن بخطوة مماثلة.
لكن، بحسب الرواية الروسية، الخطوات الأمريكية اللاحقة، مثل سحب بعض الرؤوس النووية من اليونان وبريطانيا وجزئياً من إيطاليا وألمانيا في مطلع الألفية، لم تكن أكثر من تنازل تكتيكي شكلي لم يغيّر شيئاً في المعادلة العسكرية الفعلية، خصوصاً أن الانسحاب من بعض الدول قابله تعويض بوجود نووي في تركيا أو من خلال الترسانة النووية البريطانية الذاتية.
أسباب تصاعد التوتر النووي بين روسيا وأمريكا في 2026
توقيت هذه التصريحات ليس عشوائياً. فهي تأتي في ظل نقاش دولي متجدد حول مراجعة العقيدة النووية الأمريكية، وسط تقارير سابقة تحدثت عن توجه إدارة الرئيس الأمريكي نحو توسيع دور السلاح النووي ضمن التخطيط العسكري الشامل، بذريعة الحفاظ على "التفوق العسكري الأمريكي" عالمياً. كما تتزامن مع استمرار حالة التوتر الميداني والدبلوماسي المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، وتوسع منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية، وملفات مثل نشر أسلحة في الفضاء الخارجي، وهي جميعها نقاط خلاف مزمنة بين الطرفين.
من زاوية روسية، هذا التصعيد الخطابي يهدف إلى إعادة تسليط الضوء على مطلب قديم لموسكو: سحب الأسلحة النووية الأمريكية بالكامل من الأراضي الأوروبية وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي حوار جاد حول الاستقرار الاستراتيجي.
هل روسيا تمتلك أدلة حقيقية أم أنها ورقة ضغط سياسية
من المهم التعامل مع هذا النوع من التصريحات بحذر تحليلي. فمن جهة، يرى مراقبون أن الخطاب الروسي يندرج ضمن نمط متكرر من التحذيرات النووية التي أطلقتها موسكو عبر السنوات الماضية، سواء عبر وزارة الخارجية أو الكرملين، والتي غالباً ما تُستخدم كأداة ضغط تفاوضي أكثر منها إعلاناً عن معلومات استخباراتية مؤكدة حول "مخطط" أمريكي فعلي وموثّق.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن سباق التسلح النووي بين القوى الكبرى يشهد بالفعل تصعيداً ملموساً في السنوات الأخيرة، من تحديث الترسانات إلى تراجع اتفاقيات الحد من التسلح القائمة، ما يجعل أي تصريح من هذا النوع جزءاً من مناخ عام أكثر توتراً، حتى لو لم يُترجم فوراً إلى خطوة عسكرية على الأرض.
حتى الآن، لم تصدر واشنطن أو حلف الناتو رداً رسمياً مباشراً وتفصيلياً على تصريحات بيلوسوف تحديداً، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام تفسيرات متعددة لدوافع هذا التوقيت وحجم جديته الفعلي.
خاتمة
تصريحات المبعوث الروسي أندريه بيلوسوف تعيد إلى الواجهة ملفاً نووياً حساساً ظل يتفاعل تحت الرماد لعقود، أكثر مما تكشف عن "مخطط" موثّق بالمعنى الحرفي للكلمة. الأكيد أن لغة التصعيد النووي بين موسكو وواشنطن لم تهدأ، وأن كل طرف يوظف هذا الملف لخدمة موقفه التفاوضي. أما سؤال "هل تقترب المواجهة فعلاً؟" فيبقى بلا إجابة قاطعة في الوقت الراهن، ويتوقف إلى حد كبير على المسار الذي ستأخذه العلاقات الأمريكية الروسية في الأشهر المقبلة، خصوصاً في ظل استمرار حرب أوكرانيا كنقطة اشتعال رئيسية في هذه المعادلة المعقدة.
أسئلة شائعة حول الأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا
من هو أندريه بيلوسوف؟
هو مبعوث متجول في وزارة الخارجية الروسية، متخصص في ملفات نزع السلاح ومنع الانتشار النووي، وقد أدلى بتصريحاته في مقابلة مع قناة "آر تي" الروسية.
هل أعلنت روسيا امتلاكها وثائق تثبت وجود خطة أمريكية فعلية؟
لا، التصريحات جاءت على شكل تقييم واستنتاج سياسي ودبلوماسي بناءً على مؤشرات ومواقف أمريكية في المحافل الدولية، وليست كشفاً عن وثيقة أو خطة عسكرية موثقة رسمياً.
أين تتمركز الأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا حالياً؟
تاريخياً كانت منتشرة في عدة دول أوروبية ضمن برنامج التشارك النووي لحلف الناتو، مع انسحابات جزئية من بعض الدول مثل اليونان وبريطانيا في مطلع الألفية، مقابل استمرار الوجود في دول أخرى.
هل ردت الولايات المتحدة أو الناتو على هذه التصريحات؟
حتى وقت كتابة هذا المقال، لم يصدر رد رسمي مفصل من واشنطن أو حلف الناتو على تصريحات المبعوث الروسي تحديداً.
ما الذي تطالب به روسيا فعلياً في هذا الملف؟
تطالب موسكو بسحب كامل الأسلحة النووية الأمريكية من الأراضي الأوروبية وتفكيك بنيتها التحتية، كخطوة أساسية نحو أي تفاوض جدي حول الاستقرار الاستراتيجي بين الطرفين.