زيد الحربي في الخرطوم.. سفير يحمل مفاتيح مرحلة جديدة في العلاقات السودانية السعودية

بقلم: محمد الحسيني

لم يكن وصول الدكتور زيد بن مخلد الحربي إلى السودان مجرد تغيير في الوجوه الدبلوماسية أو انتقال سفير من مهمة إلى أخرى؛ فالرجل يصل إلى الخرطوم في لحظة استثنائية، تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بإعادة الإعمار، والمصالح الثنائية بالأمن الإقليمي، خصوصاً أمن البحر الأحمر.

وفي 13 أغسطس 2026، تسلّم رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان أوراق اعتماد الحربي سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى السودان، بعد أن وصل إلى بورتسودان في يوليو الماضي لبدء مهمته خلفاً للسفير علي بن حسن جعفر. لكن قراءة مهمة السفير الجديد لا ينبغي أن تتوقف عند مراسم الاعتماد؛ فالمشهد السوداني ـ السعودي اليوم يبدو أكثر اتساعاً من أن يُختزل في العمل الدبلوماسي التقليدي.

هناك ملفات ثقيلة تنتظر على الطاولة: السلام والاستقرار، أمن البحر الأحمر، الاقتصاد، الاستثمار، إعادة الإعمار، الطاقة، البنية التحتية، الصحة، الزراعة، النقل، والموانئ، إلى جانب ملف العلاقات السياسية والإقليمية.

سفير في توقيت مختلف

على مدى سنوات، امتلكت الخرطوم والرياض أرضية واسعة للتعاون، من اللجان المشتركة والبروتوكولات إلى الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، غير أن كثيراً من تلك الأطر لم يتحول بالسرعة المطلوبة إلى مشروعات ملموسة أو شراكات استراتيجية طويلة المدى.

ولعل السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: ماذا اتفق السودان والسعودية عليه؟ وإنما: كيف يمكن تحويل ما تم الاتفاق عليه إلى واقع؟ هذه هي المهمة التي تبدو أكثر إلحاحاً أمام السفير زيد الحربي. خصوصا وان "أيادٍ خفية" عملت طويلاً على عرقلة الوصول إلى تكامل استراتيجي حقيقي بين بلدين يمثل أحدهما للآخر عمقاً أمنياً لا غنى عنه، بالتركيز على ملف أمن البحر الأحمر الذي بات اليوم في قلب أي معادلة إقليمية أو دولية. ، لكن من الواضح أن عوامل سياسية واقتصادية وإقليمية متعددة حالت في مراحل مختلفة دون الوصول بالعلاقات إلى مستوى التكامل الذي تسمح به الإمكانات الهائلة للبلدين.

اليوم تبدو المعادلة مختلفة. فالسعودية أكدت في أكثر من مناسبة دعمها لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه واستقراره، كما شاركت الرياض في الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى إنهاء الحرب، وفي مقدمتها مسار جدة.

وفي أبريل 2026، أكد لقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان أهمية أمن واستقرار السودان والحفاظ على سيادته ووحدته وسلامة أراضيه. وهذا يعني أن العلاقة لم تعد مجرد علاقة جوار عربي أو روابط شعبية وتاريخية، بل أصبحت جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع.

حقيبة الحربي.. أكثر من أوراق دبلوماسية

السفير الذي يصل إلى الخرطوم في هذه المرحلة لا يحمل في حقيبته أوراق الاعتماد وحدها. يحمل معه، على الأرجح، فرصة لإعادة ترتيب الملفات القديمة وفتح ملفات جديدة، والأهم من ذلك الانتقال بالعلاقة من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ. وهنا تتسع مسؤولية السفير زيد الحربي لتتجاوز الاتصال السياسي التقليدي، إلى أن يكون جسراً بين المؤسسات السودانية والسعودية، وبين القطاع الخاص في البلدين، وبين الجهات المعنية بإعادة الإعمار والتنمية.

فالخرطوم اليوم تحتاج إلى شراكات حقيقية في الكهرباء والطرق والموانئ والنقل والصحة والزراعة والمياه والاتصالات والخدمات، وليس مجرد خطط على الورق. واللافت أن ملف إعادة الإعمار بدأ بالفعل يدخل مساحة الحوار السعودي السوداني. ففي يونيو 2026، بحث الجانبان دعم معالجة ديون السودان وتمويل مشروعات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، إلى جانب تمويل مشروعات تنموية وخدمية ذات أولوية وإعادة تأهيل البنية التحتية. وهنا تحديداً يمكن أن تصبح مهمة السفير الجديد ذات أثر مباشر على حياة السودانيين.

من السياسة إلى الكهرباء والطرق والمستشفيات

السوداني الذي يعيش أزمة كهرباء، ويعاني من طرق متهالكة، ويبحث عن مستشفى يعمل بصورة طبيعية، قد لا تعنيه كثيراً لغة البيانات الدبلوماسية بقدر ما يعنيه أن يرى الاتفاقيات تتحول إلى مشروعات. ولهذا فإن نجاح العلاقات السودانية السعودية في المرحلة المقبلة يجب أن يقاس أيضاً بما يصل إلى المواطن. مشروع كهرباء. طريق حديث. مستشفى مؤهل. ميناء أكثر كفاءة. منطقة لوجستية. مشروعات زراعية. استثمارات صناعية. تمويل للمشروعات الصغيرة. ووظائف جديدة. هذه هي اللغة التي يمكن أن تجعل العلاقات الاستراتيجية محسوسة في الشارع السوداني.

وفي هذا السياق، فإن ما يجري في القطاع الصحي يحمل دلالة مهمة؛ إذ التقى السفير الحربي في الرياض في يونيو الماضي المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبدالله الربيعة، وبحثا المشاريع الإنسانية والإغاثية في السودان وسبل تعزيزها. وبعد وصوله إلى السودان، ظهر الحربي في نشاط إنساني ضمن برنامج "نور السعودية" لمكافحة العمى والأمراض المسببة له، وهو برنامج ارتبط بمشروعات علاجية في السودان بالتعاون مع جهات صحية وخيرية.

وفي اليوم نفسه الذي تسلم فيه أوراق اعتماده، التقى رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بالسفير الحربي لبحث تعزيز العلاقات بين البلدين، في مؤشر مبكر إلى أن الرجل بدأ عمله من بوابة الملفات السياسية والتنموية معاً.

البحر الأحمر.. عنوان لا يمكن تجاهله

هناك جغرافيا تفرض نفسها على السياسة. والسودان والمملكة العربية السعودية يقفان على ضفتين متقابلتين للبحر الأحمر، بما يجعل أمن الملاحة واستقرار الساحل والموانئ وحماية المصالح الاقتصادية والتجارية قضية مشتركة بطبيعتها. السودان، بموقعه الجغرافي وساحله الطويل وموانئه، يمثل عمقاً مهماً للمنظومة الأمنية والاقتصادية للبحر الأحمر، بينما تمثل المملكة قوة إقليمية واقتصادية كبرى ذات مصالح استراتيجية مباشرة في المنطقة.

ولهذا فإن أي تصور طويل الأمد للعلاقات السودانية السعودية لا يمكن أن يتجاهل أمن البحر الأحمر، ولا التعاون البحري واللوجستي، ولا الاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة وسلاسل الإمداد. وقد ظل التعاون بين البلدين في قضايا البحر الأحمر حاضراً ضمن الأطر الإقليمية، بما في ذلك البروتوكولات المتعلقة بإدارة المصايد وحماية البيئة البحرية. إن تحويل هذا الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية واستراتيجية مشتركة قد يكون واحداً من أكبر الملفات التي يمكن أن يحملها السفير الجديد إلى طاولة العمل.

السودان لديه مايقدمه أيضاً

العلاقة مع السعودية لا ينبغي أن تُبنى على مفهوم المساعدة وحده. السودان ليس بلداً ينتظر الدعم فقط؛ إنه بلد يمتلك موارد ومساحات زراعية وثروة حيوانية ومعدنية وموقعاً استراتيجياً وساحلاً على البحر الأحمر، فضلاً عن سوق كبيرة وطاقات بشرية وخبرات يمكن أن تشكل قاعدة لشراكات استثمارية ضخمة.

وبالتالي فإن المعادلة الأكثر استدامة هي: السعودية تستثمر في السودان، والسودان يفتح للسعودية أبواباً واسعة للاستثمار والشراكة. وهنا يصبح التكامل الاقتصادي أكثر أهمية من المساعدات قصيرة الأجل. يمكن للسعودية أن تكون شريكاً رئيسياً في إعادة بناء البنية التحتية السودانية، ويمكن للسودان أن يكون شريكاً مهماً في الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي والثروة الحيوانية والموانئ والخدمات اللوجستية والتعدين والطاقة. إنها علاقة مصالح متبادلة، وليست علاقة مانح ومتلقٍ.

لماذا زيد الحربي؟

ربما يكون أهم ما في مهمة السفير الجديد أن توقيتها يحتاج إلى دبلوماسي يستطيع قراءة السودان من أكثر من زاوية. فالسودان اليوم ليس ملفاً سياسياً فقط. إنه ملف أمني. واقتصادي. وإنساني. ودبلوماسي. واستثماري. وإقليمي. ومن هنا تأتي أهمية شخصية السفير الحربي، الذي سبق أن عمل سفيراً للمملكة لدى النيجر، كما ارتبط في الفترة السابقة بملفات إنسانية وإغاثية قبل انتقاله إلى الخرطوم.

والانطباع الأول الذي يتركه الرجل في نشاطاته السودانية يوحي بدبلوماسي يعرف أن أفضل الطرق إلى القلوب ليست دائماً عبر المنابر السياسية، وإنما أحياناً عبر إنقاذ بصر مريض، أو إعادة تشغيل مستشفى، أو فتح باب استثمار، أو تسهيل مشروع يخدم آلاف المواطنين. وهنا تحديداً يمكن أن تتشكل صورة جديدة للدبلوماسية السعودية في السودان: دبلوماسية المصالح المشتركة والمشروعات ذات الأثر.

ما الذي ينبغي على السودان فعله؟

السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط ماذا ستقدم السعودية للسودان، وإنما ماذا يستطيع السودان أن يفعل حتى يستفيد من الفرصة الجديدة؟ الخرطوم تحتاج إلى تقديم قائمة واضحة ومحددة من المشروعات ذات الأولوية، بدلاً من الاكتفاء بعموميات التعاون.

تحتاج إلى مشروع وطني متكامل لإعادة الإعمار، تُحدد فيه القطاعات والمشروعات والتكلفة ومراحل التنفيذ والعائد المتوقع. وتحتاج إلى تفعيل اللجان المشتركة، ومراجعة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم القديمة، وتحديد ما يمكن تنفيذه فوراً وما يحتاج إلى إعادة صياغة.

وتحتاج كذلك إلى خلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية وشفافية، وحماية المستثمرين، وتسهيل الإجراءات، وربط الاستثمارات السعودية بأهداف التنمية السودانية. أما السفير الحربي، فيمكن أن يكون حلقة الوصل التي تحول هذه الرؤية من وثائق إلى مشروعات.

من سفير إلى شريك في صناعة المرحلة

ربما تكون أكثر العبارات دلالة في هذه المرحلة هي أن العلاقات السودانية السعودية تحتاج إلى أن تنتقل من قوة التاريخ إلى قوة المستقبل. فالتاريخ وحده لا يكفي. والمحبة وحدها لا تكفي. والاتفاقيات وحدها لا تكفي. الذي يكفي هو أن تتحول المحبة إلى شراكة، والاتفاقيات إلى مشروعات، والمصالح المشتركة إلى استراتيجية طويلة المدى.

والسودانيون الذين أنهكتهم الحرب، وأثقلتهم الأزمات الاقتصادية، وأظلمت أمامهم مساحات واسعة من الحياة، يحتاجون إلى أن يروا ثمار العلاقات الدولية في حياتهم اليومية. قد يكون الطريق طويلاً، وقد تكون الملفات شديدة التعقيد، وقد تقف أمامها مصالح إقليمية ودولية متشابكة، لكن وجود إرادة سياسية واضحة في الرياض والخرطوم يمكن أن يفتح نافذة واسعة أمام مرحلة مختلفة.

وإذا استطاع السودان أن يحسن استثمار هذه اللحظة، وأن يقدم للسعودية شريكاً مؤسسياً واضح الرؤية، فإن مهمة زيد الحربي يمكن أن تتحول من مهمة سفير جديد إلى مهمة رجل يشارك في بناء فصل جديد من العلاقات بين بلدين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والمصالح والمصير المشترك.

وربما لهذا السبب تحديداً تبدو لحظة وصوله إلى الخرطوم مختلفة. فالقصر الجمهوري الذي شهد تقديم أوراق الاعتماد ليس مجرد محطة بروتوكولية في مسيرة سفير؛ قد يكون بداية لمرحلة يُعاد فيها فتح الملفات المؤجلة، وتحريك الاتفاقيات الراكدة، وبناء شراكات جديدة في الاقتصاد والأمن والإعمار.

ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه الزمن: هل يستطيع زيد الحربي أن يكون السفير الذي ينقل العلاقات السودانية السعودية من مربع الأخوة التقليدية إلى مربع التكامل الاستراتيجي؟ المؤشرات الأولى تقول إن الفرصة موجودة. أما تحويلها إلى واقع، فذلك يحتاج إلى إرادة سعودية وسودانية، وإلى مؤسسات تعمل بسرعة، وإلى رؤية تتجاوز ردود الأفعال نحو شراكة طويلة النفس.

وعندها فقط يمكن أن يصبح البحر الأحمر جسراً بين البلدين، لا مجرد حدود مائية تفصل بينهما؛ وأن يصبح السودان بالنسبة للسعودية شريكاً استراتيجياً في الأمن والغذاء والاستثمار والتنمية، وأن تصبح المملكة بالنسبة للسودان شريكاً رئيسياً في التعافي وإعادة الإعمار وصناعة المستقبل. فالسفير قد يفتح الباب.. لكن الدول هي التي تصنع ما وراء الباب.