رسائل أمريكية إلى طهران.. كواليس زيارة قائد الجيش الباكستاني لإيران، في كل مرة تصل فيها المفاوضات بين طهران وواشنطن إلى طريق مسدود، يبرز اسم واحد بشكل لافت: الجنرال عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني. فمنذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تحوّلت إسلام آباد من مراقب إقليمي إلى لاعب أساسي في مسار التهدئة، وبات منير نفسه حاملاً لرسائل دبلوماسية حساسة بين العاصمتين المتخاصمتين. زيارته الأخيرة إلى طهران لم تكن استثناءً، بل جاءت في توقيت دقيق تترقب فيه إيران ردها على مقترحات أمريكية جديدة، وسط أجواء مشحونة بالتوتر وعدم اليقين.

فرصة لشركات الإنتاج الإعلامي... مناقصة دولية لتوثيق مشروع صحي في 4 ولايات سودانية

لماذا باكستان الوسيط بين إيران وأمريكا

ليس من قبيل الصدفة أن تجد باكستان نفسها في قلب هذا الملف الشائك. فموقعها الجغرافي المتاخم لإيران، وعلاقاتها التاريخية المتوازنة مع كل من طهران وواشنطن، يمنحانها هامش مناورة لا تملكه أطراف إقليمية أخرى. إسلام آباد تحافظ على خطوط اتصال مفتوحة مع القيادة الإيرانية العليا، وفي الوقت نفسه تربطها علاقة عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة. هذا التوازن الدقيق جعلها الوسيط الأنسب لنقل الرسائل بين طرفين لا يثق أحدهما بالآخر، خصوصًا بعد فشل أكثر من جولة مفاوضات غير مباشرة استضافتها إسلام آباد نفسها في وقت سابق.

ماذا حمل عاصم منير إلى طهران

وفق ما أوردته وسائل إعلام إيرانية ووكالات أنباء محلية، وصل قائد الجيش الباكستاني إلى طهران على رأس وفد رفيع المستوى، حاملاً نصًا أمريكيًا جديدًا تدرسه إيران حاليًا. وأشارت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية إلى أن الهدف من الزيارة هو تقريب وجهات النظر والمساعدة في التوصل إلى ما يشبه إعلان تفاهم رسمي بين الجانبين. كما جاءت الزيارة بعد يوم واحد من زيارة سابقة قام بها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى العاصمة الإيرانية، وهي الثانية له خلال أقل من أسبوع، ما يعكس وتيرة تحرك دبلوماسي باكستاني مكثف وغير معتاد.

من التقى بالوفد الباكستاني في طهران

لم تقتصر زيارة منير على لقاء بروتوكولي عابر، بل شملت اجتماعات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، من بينهم قادة في الحرس الثوري ووزارة الخارجية، إضافة إلى لقاءات على مستوى الرئاسة والبرلمان. هذا الحضور الواسع يعكس حرص الجانبين على إعطاء الزيارة ثقلاً سياسيًا وأمنيًا في آن واحد، لا مجرد تبادل رسائل شكلي. ويرى مراقبون أن دخول المؤسسة العسكرية الباكستانية على خط الوساطة، بدلاً من الاكتفاء بالقنوات الدبلوماسية التقليدية، يمنح الطرف الإيراني نوعًا من الاطمئنان، كون منير يفهم الحسابات العسكرية بحكم موقعه، وليس مجرد ناقل رسائل بروتوكولية.

الموقف الإيراني من الوساطة بين أمريكا والباكستان

أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن الهدف من الزيارة هو تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة ضمن إطار الوساطة الجارية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن المسؤولين الأمريكيين "يواصلون تغيير مواقفهم بشكل متكرر"، وهو ما تعتبره طهران انعكاسًا لحالة من التردد في السياسة الأمريكية تجاه الملف الإيراني. كما شددت إيران على أن أي اتفاق مرتقب يجب أن يتضمن وقفًا فعليًا للعمليات العسكرية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، وإنهاء ما تعتبره حصارًا مفروضًا على موانئها. وفي المقابل، أكدت طهران رفضها القاطع لأي تدخل أجنبي في إدارة مضيق هرمز، معتبرة أن هذا الملف شأن سيادي بحت لا علاقة له بواشنطن.

الموقف الأمريكي والملفات الخلافية مع إيران

على الجانب الأمريكي، تحدث وزير الخارجية ماركو روبيو عن وجود "تقدم طفيف" في مسار المفاوضات، لكنه لم يُخفِ أن ملف تخصيب اليورانيوم لا يزال يمثل العقدة الأصعب في أي اتفاق محتمل، مؤكدًا أن واشنطن لن تقبل بامتلاك إيران سلاحًا نوويًا تحت أي ظرف. هذا التباين في الأولويات بين الطرفين، إضافة إلى تحذيرات سابقة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن المفاوضات تقف عند "مفترق طرق" حاسم، يفسر إلى حد كبير سبب تكثيف الجهود الوسيطة عبر إسلام آباد في هذه المرحلة تحديدًا.

لماذا يتصدّر الجيش الباكستاني ملف إيران وواشنطن

يرى محللون أن اعتماد باكستان على مؤسستها العسكرية، لا وزارة خارجيتها فقط، في إدارة هذه الوساطة، له دلالة مهمة. فمن جهة، تحتاج إسلام آباد إلى استعادة موقعها الاستراتيجي لدى واشنطن، ومن جهة أخرى فإن طهران، رغم قبولها بدور منير كوسيط، تحرص على ألا يُفهم هذا التقارب باعتباره تحالفًا عسكريًا مع باكستان في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. بعبارة أخرى، إيران تتعامل مع "منير الوسيط" بارتياح، لكنها تتحفظ على فكرة "منير الحليف العسكري"، وهو خط رفيع تحرص عليه طهران بعناية في كل تصريحاتها الرسمية.

الأسئلة الشائعة

من هو عاصم منير؟

هو المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني ورئيس أركان الدفاع، وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في السياسة الخارجية الباكستانية خلال الفترة الأخيرة.

لماذا تختار الولايات المتحدة باكستان كوسيط مع إيران؟

لأن باكستان تملك علاقات متوازنة مع طهران وواشنطن في آن واحد، وقناة تواصل مباشرة مع القيادة الإيرانية لا تتوفر بسهولة لأطراف أخرى.

ما أبرز الملفات الخلافية بين إيران وأمريكا؟

يتصدرها ملف تخصيب اليورانيوم، ووقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى وضع مضيق هرمز.

هل تعني هذه الزيارة التوصل إلى اتفاق قريب؟

حتى الآن لا يوجد اتفاق نهائي معلن، والمفاوضات لا تزال في طور دراسة المقترحات المتبادلة بين الطرفين.

خاتمة

تكشف زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران عن حجم التعقيد الذي يحيط بملف التهدئة بين إيران والولايات المتحدة، وعن الدور المتنامي الذي باتت تلعبه إسلام آباد في هذا المسار الحساس. فبين رغبة طهران في إنهاء الحرب دون التنازل عن ثوابتها، وإصرار واشنطن على ضمانات صارمة بشأن الملف النووي، تبقى باكستان الجسر الذي يحاول تقريب المسافات دون أن يفقد أيًا من الطرفين ثقته به. وسواء أفضت هذه الجهود إلى تفاهم رسمي قريبًا أم لا، فإن ما يجري اليوم يؤكد أن مسار التهدئة في المنطقة لن يُكتب إلا عبر قنوات وسيطة دقيقة التوازن، وعلى رأسها الجيش الباكستاني.