السودان وتركيا.. من التعاون العسكري إلى شراكة استراتيجية يمكن أن تدعم استقرار السودان

أنقرة - تقرير سودان ون

في أنقرة، لا تبدو زيارة رئيس هيئة الأركان السودانية الفريق أول ركن ياسر العطا مجرد محطة عسكرية عابرة في جدول العلاقات الخارجية للسودان، ولا مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤولين عسكريين. فالزيارة تأتي في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى السودان، وفي وقت تتجه فيه الخرطوم إلى إعادة بناء شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية على أساس أكثر ارتباطاً بالأمن القومي، وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

استقبل وزير الدفاع التركي يشار غولر، في العاصمة أنقرة، الفريق أول ركن ياسر العطا، فيما كان رئيس هيئة الأركان العامة التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو قد استقبل نظيره السوداني في مقر رئاسة الأركان التركية، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون والعلاقات الدفاعية بين البلدين. ولم تعلن أنقرة تفاصيل اتفاق عسكري جديد أو صفقة تسليح محددة، الأمر الذي يجعل الأهم في الزيارة حتى الآن هو رفع مستوى التنسيق العسكري وفتح مسارات جديدة للتعاون الدفاعي.

لكن قراءة المشهد السوداني-التركي من بوابة السلاح وحدها قد تكون قراءة ناقصة.

فالعلاقة بين الخرطوم وأنقرة أصبحت، خلال الأشهر الأخيرة، تتحرك على أكثر من مسار في وقت واحد: الدفاع، السياسة، الاقتصاد، الزراعة، الطاقة، التعدين، التعليم، الدبلوماسية والبنية التحتية. وهذا التعدد هو الذي يمنح الشراكة السودانية-التركية فرصة للتحول من علاقة ثنائية تقليدية إلى شراكة يمكن أن يكون لها أثر مباشر في مرحلة استقرار السودان وإعادة بناء الدولة.

التعاون العسكري.. عندما يصبح الأمن جزءاً من إعادة بناء الدولة

السودان، بعد سنوات الحرب، يواجه تحدياً يتجاوز العمليات العسكرية المباشرة إلى إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتأهيل البنية التحتية، وتطوير قدرات التدريب والاتصال والاستطلاع وحماية الحدود والسواحل والمنشآت الحيوية.

وهنا يمكن أن تكون تركيا شريكاً مهماً، بالنظر إلى تطور صناعاتها الدفاعية وخبرتها في مجالات التكنولوجيا العسكرية والأنظمة غير المأهولة والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والتدريب والتصنيع الدفاعي.

لكن التعاون العسكري الأكثر فائدة للسودان لن يكون بالضرورة في الحصول على معدات جديدة فقط؛ بل في بناء القدرات المؤسسية ونقل المعرفة والتدريب والصيانة والتأهيل وتطوير الكوادر.

وهذه نقطة جوهرية.

فالدولة التي تريد الخروج من الحرب إلى الاستقرار تحتاج إلى جيش محترف، ومؤسسات أمنية منضبطة، وقدرات متطورة لحماية الحدود والموانئ والمنشآت الاقتصادية، وليس إلى سباق تسلح منفصل عن مشروع الدولة.

ومن هنا، فإن زيارة العطا إلى أنقرة يمكن أن تفتح الباب أمام تعاون دفاعي طويل المدى، إذا انتقلت المباحثات من مستوى اللقاءات السياسية إلى برامج واضحة ومعلنة للتدريب والتأهيل والتقنيات الدفاعية.

تركيا والسودان.. علاقة أقدم من الحرب

التقارب بين السودان وتركيا ليس وليد الظروف الحالية.

فالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين تعود إلى عقود، بينما شهدت مرحلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نقلة مهمة في العلاقات، خصوصاً بعد زيارته إلى الخرطوم عام 2017، التي شهدت توقيع عدد كبير من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات متعددة.

وتشير السفارة السودانية في أنقرة إلى أن العلاقات بين البلدين تطورت منذ استقلال السودان، وأن زيارة أردوغان إلى الخرطوم شكلت محطة مهمة في تأسيس مرحلة جديدة من التعاون، شملت الاقتصاد والزراعة والطاقة والتعدين والاستثمار وغيرها.

وفي يونيو 2026، التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، فيما أكد أردوغان استمرار العمل على تطوير العلاقات في التجارة والزراعة والطاقة والدفاع، إلى جانب جهود تركيا من أجل وقف الحرب في السودان.

وهذا يعني أن التعاون العسكري الجاري لا يأتي منفصلاً عن مسار سياسي أوسع.

الاقتصاد.. السلاح الحقيقي للاستقرار

إذا كان الأمن ضرورياً لإنهاء الفوضى، فإن الاقتصاد هو الذي يجعل الاستقرار قابلاً للاستمرار.

وهنا ربما تكمن أكبر فرصة في العلاقات السودانية-التركية.

ففي مايو الماضي، عقدت تركيا والسودان الدورة السادسة عشرة للجنة الاقتصادية المشتركة في أنقرة، واتفق الطرفان على دفع مشروعات في الزراعة والطاقة والتعدين، إلى جانب توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والصحة وإعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب.

وتكتسب الزراعة أهمية استثنائية.

السودان يمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد مائية وثروة حيوانية ضخمة، بينما تمتلك تركيا خبرات كبيرة في الزراعة الحديثة والتصنيع الغذائي والري والتقنيات الزراعية.

وبالتالي، فإن تحويل التعاون الزراعي إلى مشروعات إنتاجية حقيقية يمكن أن يحقق أكثر من هدف في وقت واحد:

زيادة الإنتاج، توفير فرص العمل، تعزيز الصادرات، دعم العملة الوطنية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

وهنا تتحول الشراكة الاقتصادية إلى جزء من الأمن القومي.

الطاقة والتعدين.. السودان يحتاج إلى الاستثمار لا إلى الوعود

الطاقة تمثل واحدة من أكثر نقاط الضعف التي تواجه الاقتصاد السوداني بعد الحرب، بينما يشكل التعدين أحد أهم الموارد التي يمكن أن تساعد في تمويل إعادة الإعمار إذا أُدير بصورة مؤسسية وشفافة.

ولذلك فإن التعاون مع تركيا في الطاقة والتعدين يمكن أن يصبح مهماً إذا ارتبط بمشروعات فعلية، ونقل للتكنولوجيا، وتوطين للصناعات، وتدريب للكوادر السودانية.

المعادلة التي يحتاجها السودان بسيطة:

المورد السوداني + رأس المال والخبرة التركية + الإدارة السودانية + قيمة مضافة محلية = اقتصاد أقوى.

أما تصدير المواد الخام دون تصنيع، فلن يحقق التحول الاقتصادي المطلوب.

البحرالأحمر.. سواكن تعود إلى المشهد

يمثل البحر الأحمر أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات السودانية-التركية.

فالسودان يمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية على الساحل الغربي للبحر الأحمر، بينما تنظر تركيا إلى المنطقة باعتبارها جزءاً من امتدادها الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي نحو أفريقيا.

وفي أغسطس الجاري، وقعت هيئة الموانئ البحرية السودانية مذكرة تفاهم مع شركة تركية لإنشاء أول رصيف متخصص للغاز في ميناء سواكن بنظام البناء والتشغيل والتحويل BOT، في خطوة تعكس انتقال التعاون من التصريحات إلى مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية والموانئ.

وهنا يمكن أن يصبح البحر الأحمر نقطة التقاء بين الأمن والاقتصاد.

فالموانئ الآمنة تعني تجارة أكثر، والاستثمار في الساحل يعني وظائف أكثر، وتطوير القدرات البحرية يعني حماية أفضل للمياه الإقليمية، بينما إعادة تشغيل الموانئ بكفاءة يمكن أن تمنح الاقتصاد السوداني منفذاً حيوياً نحو الأسواق العالمية.

السودان وتركيا.. من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي

لا يمكن قراءة الدور التركي في السودان بمعزل عن تحركات أنقرة في القرن الأفريقي، ولا عن علاقاتها مع السعودية والصومال.

تركيا تمتلك حضوراً أمنياً وعسكرياً معروفاً في الصومال، بينما ترتبط بالسعودية بعلاقات متنامية في مجالات الدفاع والاقتصاد والسياسة.

لكن من المهم هنا عدم القفز إلى استنتاجات غير معلنة والقول إن السودان أصبح عضواً في تحالف عسكري تركي-سعودي-باكستاني أو أن هناك تحالفاً عسكرياً جديداً يوازي حلف شمال الأطلسي؛ لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، دلائل رسمية تسمح بهذه القراءة.

الأدق هو الحديث عن شبكة متنامية من الشراكات والتنسيق الإقليمي، تتقاطع فيها مصالح دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مع اختلاف أهداف كل دولة وترتيباتها.

وهذا يمنح السودان فرصة مهمة إذا أحسن إدارة موقعه الجغرافي.

هل تستطيع تركيا المساهمة في استقرار السودان؟

الإجابة: نعم، ولكن ليس عبر القوة العسكرية وحدها.

استقرار السودان يحتاج إلى خمسة مسارات متزامنة:

أولاً: دعم بناء مؤسسات الدولة.

التعاون الدفاعي يمكن أن يساعد في تطوير القدرات المهنية للمؤسسات العسكرية والأمنية، خصوصاً في التدريب والتأهيل وحماية الحدود والمنشآت.

ثانياً: إعادة تشغيل الاقتصاد.

الاستثمار التركي في الزراعة والطاقة والتعدين والبنية التحتية يمكن أن يوفر قاعدة اقتصادية لمرحلة ما بعد الحرب.

ثالثاً: إعادة الإعمار.

الخبرة التركية في مشروعات البنية التحتية والإسكان والطرق والمطارات والطاقة يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في إعادة بناء المدن السودانية المتضررة.

رابعاً: التعليم ونقل المعرفة.

أي شراكة طويلة المدى تحتاج إلى بناء الإنسان. ومن هنا تأتي أهمية التعاون الأكاديمي والبحثي وتبادل الخبرات والمنح والتدريب.

وقد شهدت العلاقات التعليمية السودانية-التركية خلال الفترة الأخيرة نشاطاً متزايداً، بما في ذلك اتفاقيات تعاون بين جامعات سودانية وتركية وتبادل الخبرات الأكاديمية.

خامساً: الدبلوماسية.

في يوليو 2026، وقعت تركيا والسودان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون بين الأكاديمية الدبلوماسية التركية ومعهد الدراسات الدبلوماسية السوداني، بما يعكس اتساع العلاقة إلى بناء القدرات الدبلوماسية أيضاً.

وهذه النقطة شديدة الأهمية؛ لأن السودان بعد الحرب يحتاج إلى أدوات تفاوض ودبلوماسية قادرة على حماية مصالحه في الإقليم والعالم.

الاستقرار لا يصنعه السلاح وحده

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم.

السودان لا يحتاج فقط إلى جيش أقوى، بل إلى دولة أقوى.

والجيش جزء من الدولة، وليس بديلاً عنها.

لذلك فإن التعاون العسكري السوداني-التركي يمكن أن يكون مفيداً إذا جاء ضمن رؤية وطنية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة إعمار الاقتصاد، وتحقيق الأمن، وحماية الحدود، وإعادة تشغيل الموانئ والمطارات والمشروعات الزراعية والصناعية.

أما إذا اختُزلت العلاقة في شراء السلاح، فإن أثرها سيكون محدوداً.

لكن إذا امتدت من الدفاع إلى الاقتصاد، ومن الأمن إلى التعليم، ومن الزراعة إلى الطاقة، ومن الموانئ إلى التكنولوجيا، فإنها قد تتحول إلى واحدة من أهم الشراكات التي تساعد السودان على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج.

أنقرة والخرطوم.. شراكة تبحث عن اختبارها الحقيقي

تملك تركيا ما يحتاجه السودان في بعض القطاعات: الخبرة الصناعية، التكنولوجيا، القدرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية، والخبرة في التصنيع الزراعي والدفاعي.

ويمتلك السودان ما تحتاجه تركيا في قطاعات أخرى: الموقع الجغرافي، الموارد الطبيعية، الأراضي الزراعية، الثروة الحيوانية، المعادن، وسوق يمكن أن يصبح قاعدة أوسع للتعاون في أفريقيا.

وهنا تكمن المعادلة.

السودان لا ينبغي أن يبحث عن حليف يحارب بالنيابة عنه، وإنما عن شريك يساعده على امتلاك أدوات الاستقرار والتنمية.

وتركيا، إذا اختارت أن تجعل علاقتها بالسودان قائمة على نقل المعرفة والاستثمار وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، تستطيع أن تكون جزءاً مؤثراً من مرحلة ما بعد الحرب.

أما زيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة، فإن أهميتها الحقيقية لن تُقاس بعدد الصور التي التقطت في مقر وزارة الدفاع التركية، ولا بما يقال عن صفقات لم تُعلن بعد.

ستُقاس بما سيأتي بعدها.

هل تتحول الاجتماعات إلى برامج تدريب؟

هل يتحول التعاون الدفاعي إلى نقل للتكنولوجيا؟

هل تتحول الاتفاقيات الاقتصادية إلى مشروعات إنتاج؟

هل يتحول التعاون في الموانئ إلى استثمارات حقيقية؟

وهل تتحول العلاقة التاريخية بين الخرطوم وأنقرة إلى شراكة تساعد السودان على استعادة الدولة والاقتصاد والمجتمع؟

هناك، تحديداً، يبدأ الاختبار الحقيقي للعلاقات السودانية-التركية.

فالسودان يقف أمام مرحلة جديدة، وتركيا تبدو مستعدة لتوسيع حضورها فيه. وبين الطرفين تاريخ ومصالح وموقع جغرافي وموارد وفرص واسعة.

لكن النجاح لن يصنعه التقارب السياسي وحده.

النجاح سيبدأ عندما تتحول الشراكة من أوراق واتفاقيات إلى أمنٍ مستدام، وإنتاجٍ حقيقي، ومؤسساتٍ أقوى، واقتصادٍ قادر على تمويل السلام.

وهذا هو الطريق الأكثر واقعية لأن تصبح العلاقات السودانية-التركية رافعة للاستقرار في السودان، لا مجرد عنوان جديد في دفتر العلاقات الدولية.