لماذا يفشل مشروع الجزيرة (3) من يدير مشروع الجزيرة؟ ومن يملك قرار الزراعة؟

ودمدني _ سودان ون

مشروع الجزيرة (3) - الإدارة بين الدولة والمزارع والقطاع الخاص

في الحلقتين السابقتين طرحنا سؤالين أساسيين: لماذا يتراجع مشروع الجزيرة رغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها؟ وما الذي يحتاج إليه المشروع حتى يعود إلى الإنتاج بكفاءة، ويستعيد دوره في دعم الاقتصاد السوداني؟

وكانت الإجابة واضحة في جانب كبير منها: إن أزمة مشروع الجزيرة ليست أزمة أرض أو مياه أو خبرة زراعية فحسب، بل هي أيضاً أزمة إدارة وتخطيط وتمويل، وتداخل في المسؤوليات، وغياب رؤية متكاملة تحدد من يملك القرار، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يحصد نتائج الإنتاج أو يدفع ثمن الفشل.

لكن السؤال الأكثر أهمية الآن هو: من يدير مشروع الجزيرة فعلياً؟ ومن يملك قرار الزراعة فيه؟

هذا السؤال ليس إدارياً محضاً، بل يمثل مدخلاً أساسياً لفهم الأزمة التي يعانيها واحد من أكبر المشروعات الزراعية في السودان، ولتحديد الطريق نحو إصلاح حقيقي يتجاوز الحلول المؤقتة والموسمية.

أولاً: مشروع قومي بعقلية إدارية مرتبكة

لم يكن مشروع الجزيرة مجرد مساحة واسعة من الأراضي الزراعية، بل كان منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، ارتبطت بها حياة ملايين السودانيين بصورة مباشرة وغير مباشرة.

فالمشروع يضم المزارع، والترع وقنوات الري، والهندسة الزراعية، والبحوث، والخدمات، والصناعات المرتبطة بالإنتاج. ولذلك فإن إدارته تحتاج إلى رؤية تتعامل معه باعتباره منظومة واحدة، لا مجموعة وحدات متفرقة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.

غير أن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية توزيع الاختصاصات بين إدارة المشروع، ووزارة الزراعة، والجهات المسؤولة عن الري، والمزارعين، والقطاع الخاص، والمؤسسات التمويلية.

فعندما تتداخل الصلاحيات، يصبح من الصعب تحديد المسؤول عن تعطل الري، أو تأخر التمويل، أو عدم توفير المدخلات الزراعية في الوقت المناسب. وعندما تغيب المحاسبة، تتحول الأزمات المتكررة إلى واقع مألوف، ويظل المزارع الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.

إن المشروع الذي يحتاج إلى قرارات سريعة ومتكاملة لا يمكن أن ينجح في ظل إدارة تتوزع فيها المسؤوليات دون وضوح كافٍ في الصلاحيات والمحاسبة.

ثانياً: من يملك قرار الزراعة؟

قرار الزراعة في مشروع الجزيرة ليس مجرد اختيار محصول وزراعته، بل هو سلسلة مترابطة من القرارات تبدأ بتحديد التركيبة المحصولية، وتمر بتوفير التمويل والبذور والأسمدة والوقود، وضمان انسياب مياه الري، وتنتهي بالتسويق والحصاد وسداد الالتزامات المالية.

فإذا قرر المزارع زراعة محصول معين، لكنه لم يحصل على التمويل في الوقت المناسب، أو لم تتوفر المياه عند الحاجة، أو لم يجد المدخلات الزراعية بأسعار مناسبة، فإن القرار الزراعي يفقد قيمته العملية.

وإذا فرضت الظروف الاقتصادية أو التمويلية على المزارعين التركيز على محاصيل بعينها دون دراسة كافية للأسواق والاحتياجات المحلية والعالمية، فقد يجد المزارع نفسه أمام إنتاج لا يحقق العائد الذي انتظره.

من هنا، لا بد من إعادة تعريف العلاقة بين إدارة المشروع والمزارع والدولة.

المزارع يجب أن يكون شريكاً أساسياً في اتخاذ القرار الزراعي، لا مجرد منفذ لقرارات تصدر من مكاتب بعيدة عن الحقول.

وفي المقابل، لا يمكن ترك التركيبة المحصولية والموارد المائية والاحتياجات الاستراتيجية للسوق دون تخطيط. المطلوب هو توازن بين حرية المزارع في الاختيار، والتخطيط العلمي الذي يضمن الاستخدام الأمثل للأرض والمياه، ويحقق عائداً اقتصادياً مجزياً.

ثالثاً: الدولة مسؤولة عن التمكين والرقابة

لا يمكن تحميل إدارة مشروع الجزيرة وحدها مسؤولية كل أوجه القصور، كما لا يمكن إعفاء الدولة من مسؤولياتها تجاه مشروع يمثل ركيزة مهمة للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

فالدولة مطالبة بوضع السياسات الزراعية والتمويلية، وتطوير البنية التحتية للري، وتوفير البيئة القانونية والاستثمارية المناسبة، ودعم البحوث والإرشاد الزراعي، وضمان استقرار المؤسسات المسؤولة عن إدارة المشروع.

لكن مسؤولية الدولة لا تعني بالضرورة أن تتدخل في كل تفصيل من تفاصيل العمل اليومي، أو أن تتحول الإدارة إلى جهاز ينتظر التوجيهات في كل صغيرة وكبيرة.

المطلوب هو دولة تضع السياسات وتوفر الموارد وتراقب الأداء، وإدارة تمتلك صلاحيات واضحة وتتحمل مسؤولية النتائج، ومزارع يشارك في اتخاذ القرار ويستفيد من عائد إنتاجه.

وهنا تبرز أهمية الفصل بين دور الدولة بوصفها واضعة للسياسات والضامنة للمصلحة العامة، ودور الإدارة بوصفها الجهة المسؤولة عن التشغيل والتنفيذ، ودور المزارع بوصفه المنتج الأساسي.

فمن دون هذا الفصل الواضح، ستظل المسؤوليات متداخلة، وستتكرر الأزمات دون معالجة جذورها.

رابعاً: القطاع الخاص.. شريك في الإنتاج لا بديل عن الدولة

أصبح الاستثمار الخاص ضرورة في ظل التحديات المالية التي تواجه السودان، وحاجة مشروع الجزيرة إلى إعادة تأهيل بنيته التحتية وتطوير آليات الإنتاج والتسويق.

ويمكن للقطاع الخاص أن يسهم في توفير التمويل، واستيراد المدخلات الزراعية، وتطوير التقنيات الحديثة، وإنشاء الصناعات التحويلية، وتحسين عمليات التخزين والنقل والتسويق.

لكن نجاح هذه الشراكة يتوقف على وجود قواعد واضحة تحمي حقوق جميع الأطراف.

فلا ينبغي أن تتحول الحاجة إلى التمويل إلى مدخل لانتزاع حقوق المزارعين، أو منح امتيازات لا تحقق مصلحة المشروع على المدى الطويل. كما لا يجوز أن تكون الشراكة مجرد وسيلة لتحقيق أرباح سريعة دون التزام بتطوير الإنتاج ورفع كفاءته.

المطلوب هو شراكة تقوم على عقود شفافة، ومنافسة عادلة، وتحديد واضح للمخاطر والعوائد، وضمان حقوق المزارعين، وربط الامتيازات الاستثمارية بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ويمكن أن تشمل هذه الشراكات تمويل المواسم الزراعية، وتوفير الآليات، وتطوير نظم الري، وإنشاء مخازن حديثة وصوامع، وإقامة مصانع لمعالجة المنتجات الزراعية بدلاً من بيعها في صورتها الخام.

فالقيمة الحقيقية لمشروع الجزيرة لا تكمن في إنتاج المحاصيل وحده، بل في قدرته على بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الحقل وتنتهي بالصناعة والتصدير.

خامساً: المزارع بين تحمل المخاطر وضعف النفوذ

المزارع هو الطرف الذي يتحمل جانباً كبيراً من المخاطر المرتبطة بالموسم الزراعي؛ فهو يواجه تقلبات الطقس، ومشكلات الري، وارتفاع تكاليف المدخلات، وصعوبات التمويل والتسويق.

ومع ذلك، قد يجد نفسه محدود التأثير في القرارات التي تحدد مستقبله الزراعي، أو مضطراً إلى تحمل تبعات قرارات لم يكن طرفاً مؤثراً في صنعها.

وهذا الاختلال لا يضر المزارع وحده، بل ينعكس على المشروع بأكمله.

فالإنتاج المستقر يحتاج إلى مزارع قادر على التخطيط، ويثق في المؤسسات التي يتعامل معها، ويعرف مسبقاً تكلفة مدخلاته، والجهة التي ستمول إنتاجه، والآليات التي سيبيع عبرها محصوله.

كما يحتاج إلى تنظيمات مهنية قوية تمثله في التفاوض، وتدافع عن حقوقه، وتشارك بفاعلية في وضع الخطط الزراعية ومراجعة السياسات التي تؤثر في دخله.

إن إصلاح مشروع الجزيرة لن يتحقق بتغيير أسماء المسؤولين وحده، بل بإعادة بناء العلاقة بين الإدارة والمزارعين على أساس المشاركة والشفافية والمساءلة.

سادساً: كيف نعيد بناء الإدارة؟

إن إصلاح إدارة مشروع الجزيرة يجب أن يبدأ من مراجعة شاملة لطريقة اتخاذ القرار، وتحديد الاختصاصات، وقياس الأداء، وإدارة الموارد.

ويمكن أن يقوم الإصلاح على ستة مسارات أساسية:

1. تحديد المسؤوليات بوضوح: وضع خريطة مؤسسية تحدد اختصاصات إدارة المشروع، والجهات المسؤولة عن الري، والوزارات المعنية، وتنظيمات المزارعين، مع منع تداخل الصلاحيات.

2. منح الإدارة صلاحيات حقيقية: لا يمكن مطالبة الإدارة بتحقيق نتائج دون تمكينها من اتخاذ القرارات التشغيلية والمالية اللازمة، ضمن ضوابط رقابية واضحة.

3. إشراك المزارعين في القرار: تمثيلهم بصورة فعالة في المجالس واللجان المعنية بالتركيبة المحصولية والتمويل والري والتسويق.

4. اعتماد التخطيط الزراعي المبني على البيانات: تحديد المحاصيل والمساحات وفقاً لموارد المياه، واحتياجات السوق، وتكاليف الإنتاج، والعائد المتوقع، بدلاً من القرارات الموسمية المرتجلة.

5. إخضاع الأداء للمحاسبة: نشر تقارير دورية عن المساحات المزروعة، والإنتاجية، وتكاليف التشغيل، وكفاءة الري، والإيرادات، ومستوى تنفيذ الخطط.

6. بناء شراكات استثمارية منضبطة: فتح المجال أمام التمويل والاستثمار الخاص وفق عقود معلنة تحفظ حقوق المزارعين والمصلحة العامة، وتضمن توجيه الاستثمارات إلى تطوير الإنتاج والبنية التحتية.

هذه المسارات ليست بديلاً عن إعادة تأهيل المشروع، لكنها تمثل الإطار الإداري الذي يجعل الإنفاق على التأهيل أكثر فاعلية، ويمنع عودة المشكلات نفسها بعد كل موسم.

سابعاً: هل يحتاج مشروع الجزيرة إلى إدارة جديدة أم فلسفة جديدة؟

قد يكون تغيير الإدارة ضرورياً في بعض الظروف، لكنه لن يكون كافياً إذا استمرت القواعد نفسها التي تنتج الأزمات.

فالمشكلة الأعمق ليست فقط في الأشخاص الذين يتولون المسؤولية، بل في النظام الذي يحدد صلاحياتهم، وآليات تعيينهم، وطريقة محاسبتهم، ومدى استقلال قراراتهم، وعلاقتهم بالمزارعين والجهات الحكومية والمستثمرين.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب الانتقال من إدارة تعتمد على القرارات الفردية وردود الأفعال إلى إدارة مؤسسية تقوم على التخطيط طويل المدى، والبيانات الدقيقة، والشفافية، والمحاسبة.

كما يتطلب بناء ذاكرة مؤسسية تحفظ الخبرات المتراكمة، وتضمن استمرار الخطط رغم تغير المسؤولين، وتمنع أن يبدأ كل عهد إداري من نقطة الصفر.

فمشروع بحجم الجزيرة لا ينبغي أن تتوقف كفاءته على اجتهاد مسؤول واحد، أو أن تتغير أولوياته مع كل تغيير إداري.

الخلاصة: من يملك القرار يجب أن يتحمل المسؤولية

إن مستقبل مشروع الجزيرة يتوقف بدرجة كبيرة على الإجابة الواضحة عن ثلاثة أسئلة: من يخطط؟ ومن ينفذ؟ ومن يُحاسب؟

فالدولة تضع السياسات وتضمن المصلحة العامة، والإدارة تدير الموارد وتنفذ الخطط وتتحمل مسؤولية الأداء، والمزارع يشارك في القرار ويحصل على حقوقه، والقطاع الخاص يوفر التمويل والخبرة ضمن شراكات عادلة وشفافة.

وعندما تتحدد هذه الأدوار بوضوح، يصبح ممكناً قياس النجاح والفشل، وتحديد مواطن الخلل، ومعالجة المشكلات قبل أن تتحول إلى خسائر جديدة.

أما استمرار تداخل الاختصاصات وتوزيع المسؤولية بين أطراف متعددة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة، مهما توفرت الموارد أو أُعلنت الخطط.

مشروع الجزيرة لا يحتاج إلى إدارة تدير الموسم الزراعي فقط، بل إلى مؤسسة تقود مشروعاً قومياً، وتحمي حقوق المزارعين، وتربط الإنتاج بالتنمية الاقتصادية الشاملة.

فهل آن الأوان لإعادة بناء إدارة مشروع الجزيرة على أساس الشراكة والمحاسبة والكفاءة، أم سيظل المشروع أسير خلافات الصلاحيات وضعف القرار؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن يكون في صدارة أي نقاش جاد حول مستقبل المشروع.

الحلقة الرابعة من سلسلة "لماذا يفشل مشروع الجزيرة؟" ستنتقل من سؤال الإدارة إلى سؤال التمويل: من أين تأتي أموال النهضة الزراعية؟ وكيف يمكن تمويل مشروع الجزيرة واستعادة الإنتاج دون تحميل المزارع وحده تكلفة التعافي؟