لماذا يفشل مشروع الجزيرة رغم الدعم الكبير؟

ودمدني _ متابعات سودان ون

مقال افتتاحي للنقاش ليس السؤال اليوم: هل يحتاج مشروع الجزيرة إلى الدعم؟ فهذا أمر لا خلاف عليه. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لماذا يفشل مشروع الجزيرة في تحقيق طاقته الإنتاجية، رغم تعدد خطط التمويل والدعم والشراكات والوعود الحكومية؟

مشروع الجزيرة ليس مشروعاً زراعياً عادياً. إنه واحد من أهم الأصول الاقتصادية والاستراتيجية في السودان، ويمتلك من الأرض الخصبة وشبكة الري والخبرة البشرية والتاريخ الزراعي ما يؤهله لأن يكون أحد أكبر محركات الاقتصاد والأمن الغذائي في البلاد.

لكن المفارقة أن مشروعاً بهذه الإمكانات لا يزال يعاني من مشكلات تبدو في ظاهرها بسيطة: قنوات تحتاج إلى تطهير، آليات تحتاج إلى صيانة، مدخلات إنتاج تحتاج إلى تمويل، مزارع ينتظر التمويل، ومحصول استراتيجي يحتاج إلى سعر تشجيعي.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

مشروع يملك كل المقومات.. فلماذا لا ينتج كما ينبغي؟

يمتد مشروع الجزيرة والمناقل على مساحة تقارب 2.2 مليون فدان، ويستفيد من منظومة ري انسيابي تاريخية مرتبطة بخزان سنار، إلى جانب تربة خصبة وخبرة زراعية تراكمية عمرها أكثر من قرن.

هذه المقومات تجعل السؤال عن مستقبل المشروع مختلفاً تماماً عن السؤال عن مستقبل أي مشروع زراعي آخر.

فالمشكلة ليست في الأرض. وليست في خبرة المزارع. وليست في غياب المحاصيل المناسبة. بل تبدو المشكلة في المنظومة التي تربط الأرض بالمياه والتمويل والمدخلات والتقنية والتسويق والإدارة. وهذه المنظومة إذا اختل أحد أضلاعها، انعكس الخلل على الموسم بأكمله.

الري.. الشريان الذي لا يمكن أن تعمل الزراعة بدونه

لا يمكن الحديث عن إنجاح مشروع الجزيرة قبل الحديث عن الري. وإذا كانت قنوات الري تعاني من الإطماء والحشائش وضعف الصيانة ونقص الآليات والوقود، فإن أي حديث عن التوسع في المساحات المزروعة يصبح سابقاً لأوانه.

الأكثر خطورة أن المشكلة لا تتوقف عند الإنتاج الزراعي. ففي عدد من المناطق تعتمد قرى على مياه الترع بصورة مباشرة، ما يجعل تدهور منظومة الري قضية إنتاج وصحة عامة في الوقت نفسه.

واللافت أن وزارة المالية نفسها ناقشت مع إدارة المشروع تحديات تشمل توفير وقود الري، وتطهير القنوات، وسداد استحقاقات المتعهدين بآليات الحفر وتوفير التقاوي.

وهنا يبرز السؤال: إذا كانت الدولة تعرف أن هذه هي الاختناقات الأساسية، فلماذا لا تُحسم قبل بداية الموسم بدلاً من انتظار الأزمة؟

المشكلة ليست في التمويل وحده خلال الفترة الماضية ظهرت مبادرات متعددة لدعم مشروع الجزيرة. بنك أمدرمان الوطني أعلن عن تمويلات للطرق وقطاعات مختلفة، وهناك تحركات لتمويل الزراعة، وشراكات مع شركات استثمارية، كما أعلنت إدارة المشروع عن ترتيبات لزراعة مساحات من القطن بنظام الزراعة التعاقدية.

وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة استهداف زراعة نحو 3 ملايين فدان خلال الموسم الشتوي 2026/2027، منها مليون فدان للقمح، مع وعود بتوفير التقاوي والأسمدة والوقود والتمويل.

لكن كثرة الأرقام لا تعني بالضرورة نجاح الموسم. فالتمويل الذي يصل متأخراً قد يتحول إلى عبء، والمدخل الزراعي الذي يصل بعد موعده لا يؤدي وظيفته، والوقود الذي لا يصل إلى آليات الري في الوقت المناسب لا يحل مشكلة العطش. الزراعة لا تنتظر الإجراءات الإدارية. الموسم الزراعي له ساعة لا تتوقف.

أين ذهبت المؤسسات التي كانت تسند المشروع؟

ربما هنا تكمن إحدى أهم حلقات النقاش. مشروع الجزيرة كان في الماضي منظومة متكاملة لا تقتصر على الأرض والمزارع، وإنما تضم مؤسسات للري والهندسة الزراعية والبحوث والإرشاد والنقل والتخزين والتسويق والخدمات.

ومع التغييرات التشريعية والإدارية التي شهدها المشروع، ولا سيما منذ قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، حدثت تحولات كبيرة في العلاقة بين الدولة والمزارع وإدارة المشروع.

ويرى منتقدو تلك التحولات أنها أضعفت عدداً من المؤسسات والخدمات التي كانت تمثل العمود الفقري للعملية الإنتاجية.

والنتيجة أن المزارع وجد نفسه في كثير من الأحيان أمام منظومة أقل تكاملاً، يتحمل فيها أعباء كانت تتحملها مؤسسات المشروع سابقاً.

وهنا يمكن فهم ظاهرة العون الذاتي التي يلجأ إليها المزارعون في بعض المناطق لتطهير القنوات أو معالجة مشكلات الإنتاج. لكن إلى متى يستطيع المزارع أن يكون ممولاً ومزارعاً ومهندس ري في الوقت نفسه؟

الشراكات مع الشركات.. حل أم مشكلة جديدة؟

في الفترة الأخيرة برز اتجاه متزايد نحو الشراكات مع القطاع الخاص. شركة زادنا، وشركات زراعية أخرى، وبرامج دعم دولية، وشراكات تعاقدية لزراعة القطن والصويا وغيرها. من حيث المبدأ، لا يمكن رفض القطاع الخاص.

بل إن إعادة إعمار الزراعة السودانية تحتاج إلى رأس مال وتقنية وخبرات وأسواق لا تستطيع الدولة وحدها توفيرها. لكن المشكلة ليست في دخول الشركات، وإنما في كيفية دخولها.

من يحدد شروط الشراكة؟ من يحمي حقوق المزارع؟ من يراقب التمويل والتسويق والتسعير؟ ومن يضمن ألا يتحول المزارع من شريك في العملية الإنتاجية إلى مجرد منفذ لعقد تفرض شروطه جهة أقوى مالياً؟

لذلك فإن الشراكة الناجحة ليست التي تزرع آلاف الأفدنة فقط، وإنما التي تجعل المزارع والمشروع والدولة والمستثمر جميعاً رابحين.

القطن.. هل يتكرر الخطأ؟

ظل القطن تاريخياً أحد أهم محاصيل مشروع الجزيرة، وارتبط اسمه بالاقتصاد السوداني لعقود. واليوم تعود مشروعات الزراعة التعاقدية لزراعة مساحات جديدة من القطن، ومنها ترتيبات لاستهداف نحو 20 ألف فدان في الأقسام الجنوبية من المشروع.

وهذا يمكن أن يكون فرصة حقيقية إذا ارتبط بتمويل واضح، وتقاوي جيدة، وخدمات ري فعالة، وتسويق مضمون. لكن إعادة إنتاج القطن دون إعادة بناء المنظومة التي تحيط به قد تعني تكرار الأخطاء نفسها. فالقطن ليس مجرد بذرة تُزرع. إنه سلسلة كاملة تبدأ من الأرض والتقاوي وتنتهي بالحلج والتصنيع والتصدير.

والقمح.. معركة الأمن الغذائي

إذا كان القطن يمثل تاريخياً أحد أهم المحاصيل النقدية، فإن القمح أصبح اليوم جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الغذائي السوداني.

ولهذا فإن إعلان الدولة استهداف مليون فدان من القمح في الموسم الشتوي المقبل يجب ألا يكون مجرد رقم في خطة رسمية.

المزارع يحتاج إلى إجابة واضحة عن أسئلة بسيطة: كم سعر القمح؟ من سيمول الزراعة؟ متى تصل التقاوي والأسمدة؟ هل المياه متوفرة؟ ومن سيشتري المحصول؟

إذا لم تكن الإجابات واضحة قبل بداية الموسم، فإن إعلان المساحة المستهدفة لن يكون كافياً لإقناع المزارع بالمخاطرة.

الدعم الكبير لا يكفي هذه هي النقطة التي يجب أن يتوقف عندها النقاش. يمكن أن تضخ الدولة مليارات الجنيهات. ويمكن للبنوك أن تعلن التمويل. ويمكن للشركات أن تعلن الشراكات. ويمكن للمنظمات الدولية أن تقدم الجرارات والمدخلات. ويمكن للحكومة أن تعلن لجاناً جديدة للموسم الزراعي.

لكن إذا بقيت الحوكمة ضعيفة، والاختصاصات متداخلة، والقرار متأخراً، والري غير مستقر، والتسويق غير مضمون، والبحث العلمي ضعيفاً، والمزارع غير مطمئن، فإن جزءاً كبيراً من هذا الدعم سيضيع في الطريق.

المشكلة إذن ليست في غياب الدعم فقط. المشكلة في تحويل الدعم إلى إنتاج. ماذا يحتاج مشروع الجزيرة فعلاً؟ مشروع الجزيرة يحتاج إلى مشروع قومي لإعادة البناء، لا إلى حلول موسمية.

أول خطوة هي إعادة تأهيل شبكة الري بصورة شاملة، وتوفير آليات الحفر والتطهير والوقود قبل بداية الموسم، وليس بعد ظهور الأزمة.

ثم إعادة بناء منظومة البحث والإرشاد الزراعي، وتوفير التقاوي المحسنة والأسمدة والمبيدات في الوقت المناسب. ويحتاج المشروع كذلك إلى إصلاح العلاقة بين الدولة والمزارع وإدارة المشروع، مع وضع إطار واضح للاستثمار والشراكات يحمي حقوق المزارعين ويمنع الاحتكار ويضمن الشفافية.

كما أن إعادة تأهيل البنية اللوجستية، من طرق ومخازن ومحالج ونقل، يجب أن تكون جزءاً من خطة واحدة، لأن إنتاج المحصول دون القدرة على نقله وتخزينه وتصنيعه وتسويقه لا يصنع اقتصاداً قوياً.

والأهم من كل ذلك: إعادة الاعتبار للمزارع نفسه. فالمزارع ليس مجرد طالب تمويل. إنه شريك أساسي في ملكية ونجاح هذه المنظومة، وأي إصلاح لا يضعه في قلب القرار الإنتاجي سيظل ناقصاً.

هل ما زال مشروع الجزيرة قادراً على النهوض؟

نعم. بل إن مشروع الجزيرة ربما يكون أحد أكبر رهانات السودان الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. الأرض موجودة. والمياه موجودة. والخبرة موجودة. والسوق موجود. والحاجة إلى الغذاء أكبر من أي وقت مضى. وما ينقص هو إدارة هذه العناصر داخل منظومة حديثة وشفافة ومتكاملة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع مشروع الجزيرة العودة؟ السؤال هو: هل تستطيع الدولة أن تعيد بناء النظام الذي يجعل مشروع الجزيرة قادراً على العمل؟ إذا نجحت في ذلك، فلن يكون المشروع مجرد مزرعة ضخمة تنتج القطن والقمح.

سيعود قاطرة للاقتصاد السوداني، ومصدراً للأمن الغذائي، ومنصة للتصنيع الزراعي والتصدير، وفرصة حقيقية لملايين السودانيين.

أما إذا استمر التعامل معه بمنطق الموسم بعد الموسم، والتمويل بعد الأزمة، والصيانة بعد تعطل الري، والشراكات دون إصلاح مؤسسي، فإن الدعم مهما كبر لن يكون كافياً.

مشروع الجزيرة لا يحتاج فقط إلى المال... يحتاج إلى إصلاح الطريقة التي يُدار بها المال والأرض والماء والإنسان. وهنا يبدأ النقاش الحقيقي. نلتقي في الحلقة القادمة للحديث عن الحلول العملية والجذرية لإعادة بناء مشروع الجزيرة ومواكبته للزراعة الحديثة.