الحلقة الثانية | كيف نعيد مشروع الجزيرة إلى الإنتاج؟
مشروع الجزيرة (2) - من تشخيص الأزمة إلى الحلول الجذرية
في الحلقة الأولى طرحنا السؤال الأصعب: لماذا يفشل مشروع الجزيرة رغم الدعم الكبير؟
ووصلنا إلى حقيقة مهمة: أزمة المشروع ليست أزمة أموال فقط، وإنما أزمة منظومة تحتاج إلى إعادة بناء.
واليوم ننتقل إلى السؤال الأهم: إذا كانت المشكلة معروفة.. فما الحل؟ مشروع الجزيرة لا يحتاج إلى مسكنات جديدة، ولا إلى خطط موسمية تنتهي بانتهاء الموسم. ما يحتاجه هو مشروع قومي لإعادة البناء، يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والمزارع وإدارة المشروع والقطاع الخاص، ويضع الإنتاج في قلب القرار الاقتصادي للدولة.
أولاً.. ابدأوا بالماء
لا يمكن أن نتحدث عن نهضة مشروع الجزيرة بينما قنوات الري تعاني من الإطماء والحشائش ونقص الآليات. الماء هو البداية.
ولهذا يجب أن تكون إعادة تأهيل شبكة الري هي الأولوية الأولى، من القنوات الرئيسية إلى أصغر ترعة تخدم المزارع. المطلوب ليس حملات مؤقتة لتطهير الترع عندما يقترب الموسم، وإنما برنامج دائم لصيانة شبكة الري، بميزانية مستقلة وآليات وكوادر فنية ووقود مضمون.
ويجب أن تمتلك إدارة المشروع الآليات الكافية، بدلاً من انتظار المقاولين أو البحث عن حلول إسعافية كل موسم. فإذا وصل الماء في الوقت المناسب، انتظم جزء كبير من العملية الزراعية. وإذا تعطل الماء، فلن تنقذ المزارع ملايين الجنيهات التي أُنفقت على التقاوي والأسمدة.
ثانياً.. إعادة بناء مؤسسات المشروع
ربما يكون أكبر درس من تجربة مشروع الجزيرة أن الزراعة لا تقوم على المزارع وحده. المزارع يحتاج إلى مهندس ري، ومرشد زراعي، وباحث، وآلية تحضير، وتمويل، وتقاوي، وسوق، ونقل، وتخزين وتصنيع. ولهذا فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يعيد بناء المؤسسات والخدمات التي فقدها المشروع أو تراجعت أدوارها.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في الهندسة الزراعية، والحفريات، والورش، والنقل، والبحوث والإرشاد، والمحالج والخدمات اللوجستية، وفق نموذج حديث لا يعيد الماضي كما هو، وإنما يستفيد من تجربته ويطوره.
نحن لا نحتاج إلى استنساخ مشروع الجزيرة القديم. نحتاج إلى مشروع جزيرة جديد يستفيد من خبرة مئة عام ويدخل عصر التكنولوجيا.
ثالثاً.. المزارع ليس الحلقة الأضعف
لا يمكن إصلاح مشروع الجزيرة من المكاتب. المزارع هو الطرف الذي يتحمل المخاطر الأكبر. هو الذي يضع ماله وجهده في الأرض، ويواجه تقلبات الطقس والأسعار والآفات ومشكلات الري، ثم ينتظر نهاية الموسم ليعرف هل ربح أم خسر.
لذلك يجب أن تكون له كلمة حقيقية في إدارة العملية الإنتاجية. المطلوب هو تطوير التنظيمات الزراعية والجمعيات القاعدية والتعاونية، ومنح المزارعين دوراً أكبر في تحديد الأولويات، مع وجود رقابة وشفافية تمنع تحول التنظيمات إلى أدوات للصراع السياسي أو الإداري. المزارع يجب أن يكون شريكاً في القرار، وليس مجرد مستفيد من التمويل.
رابعاً.. التمويل قبل الموسم وليس بعده
من أكبر الأخطاء أن يبدأ الموسم الزراعي بينما لا يزال المزارع ينتظر التمويل. الزراعة مرتبطة بمواعيد دقيقة. التقاوي لها موعد. تحضير الأرض له موعد. الزراعة لها موعد. الري له موعد. والحصاد كذلك.
لذلك يجب أن ينتقل التمويل الزراعي من نموذج الإجراءات البطيئة إلى نظام تمويل موسمي سريع ومضمون. ويأتي هنا الدور المحوري للبنك الزراعي والمؤسسات المصرفية الأخرى.
لكن التمويل وحده لا يكفي. يجب أن يرتبط التمويل بخطة إنتاج واضحة، ومدخلات متوفرة، وسعر شراء عادل، وآلية تسويق معلومة منذ البداية.
خامساً.. لا تزرع القطن دون أن تعرف أين سيذهب
القطن ليس محصولاً عادياً. إذا أراد السودان استعادة مكانته في سوق القطن، فلا يكفي أن نزرع آلاف الأفدنة. يجب أن نعرف مسبقاً: من سيمول من سيوفر التقاوي؟ من سيشتري المحصول؟ أين سيتم حلجه؟ كيف سيتم تخزينه؟ وكيف سيصل إلى الأسواق الخارجية؟
إن إعادة تشغيل المحالج وتأهيل البنية الصناعية المرتبطة بالقطن يجب أن تكون جزءاً من خطة زراعته. القيمة الحقيقية لا توجد في الحقل وحده، وإنما في سلسلة الإنتاج كاملة.
سادساً.. القمح قضية أمن قومي
أما القمح، فالقضية أكثر حساسية. السودان يمتلك الأراضي والمياه والخبرة التي تمكنه من زيادة إنتاج القمح، لكن المزارع لن يغامر بزراعة محصول استراتيجي إذا كان لا يعرف سعره عند الحصاد.
لذلك فإن إعلان سعر تركيزي مجزٍ للقمح قبل بداية الموسم يمكن أن يكون واحداً من أهم القرارات التي تعيد الثقة إلى المزارع.
السعر يجب أن يأخذ في الاعتبار تكلفة التقاوي والأسمدة والوقود والتحضير والري والحصاد، مع هامش ربح يحفز المزارع.
أما مطالبة المزارع بالإنتاج أولاً ثم إخباره بالسعر لاحقاً، فهي ببساطة نقل للمخاطر من الدولة والسوق إلى المزارع.
سابعاً.. الشركات مرحب بها.. ولكن بشروط
ليس منطقياً أن نقول إن القطاع الخاص يجب أن يخرج من مشروع الجزيرة. السودان في مرحلة إعادة إعمار، ويحتاج إلى رأس المال والخبرة والتقنية والأسواق. لكن دخول الشركات يجب أن يكون وفق قواعد واضحة وشفافة. الشركة ليست بديلاً عن الدولة. والمزارع ليس موظفاً لديها.
والشراكة الحقيقية يجب أن تحدد بوضوح حقوق كل طرف والتزاماته، وآليات التمويل والتسويق وتوزيع الأرباح، مع وجود رقابة مستقلة تمنع استغلال حاجة المزارعين.
إذا دخل المستثمر بأمواله وخبرته وفتح الأسواق أمام المنتج السوداني، فهذا مكسب. أما إذا دخل ليحصل على الأرض أو الإنتاج دون أن يضيف قيمة حقيقية، فهنا يجب أن يُطرح السؤال: من المستفيد الحقيقي من الشراكة؟
ثامناً.. نحتاج إلى زراعة حديثة لا إلى زراعة أكبر فقط
المستقبل ليس في زيادة المساحات المزروعة فقط. المستقبل في زيادة إنتاجية الفدان. وهنا يجب الاستثمار في تقنيات الاستشعار عن بعد، وصور الأقمار الصناعية، وتحليل التربة، وإدارة المياه، والزراعة الدقيقة، والميكنة، والتقاوي المحسنة.
وإذا كانت إدارة مشروع الجزيرة قد بدأت بالفعل في الاتجاه نحو استخدام التقانات الحديثة والمسح عبر الأقمار الصناعية، فيجب تحويل هذه الأفكار إلى منظومة تشغيل حقيقية تصل إلى الحقل والمزارع. فالعالم لا ينتظر السودان. وكل موسم يمر دون تحديث يعني فجوة جديدة بين إنتاجنا وإنتاج الدول المنافسة.
تاسعاً.. عودة البحث العلمي
لا يمكن أن تكون الزراعة الحديثة منفصلة عن البحث العلمي. السودان لديه إرث مهم في البحوث الزراعية واستنباط الأصناف التي تلائم بيئته. لكن المطلوب اليوم هو إعادة تمويل البحث العلمي وربطه مباشرة بالمزارع.
نحتاج إلى أصناف أعلى إنتاجية، وأكثر مقاومة للآفات والأمراض، وأقل استهلاكاً للمياه، وأكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية. كما نحتاج إلى إرشاد زراعي فعال يصل إلى المزارع في الوقت المناسب. البحث الذي لا يصل إلى الحقل يبقى حبيس المختبر.
عاشراً.. من مشروع زراعي إلى اقتصاد متكامل
ربما يكون هذا هو التحول الأكبر المطلوب. يجب ألا يكون هدف مشروع الجزيرة إنتاج المحاصيل فقط. بل يجب أن يصبح قاعدة لـ التصنيع الزراعي. القمح يمكن أن يدخل في الصناعات الغذائية. القطن يمكن أن يغذي صناعة النسيج والزيوت. الفول السوداني يمكن أن يتحول إلى زيوت ومنتجات غذائية.الصويا يمكن أن تدخل في صناعات متعددة. وهكذا ينتقل السودان من تصدير الخام إلى تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة.
وهنا يمكن لمشروع الجزيرة أن يتحول من مزرعة ضخمة إلى منظومة اقتصادية متكاملة توفر فرص العمل وتزيد الصادرات وتدعم الخزينة العامة.
الحوكمة.. الحلقة التي لا يجوز تجاهلها
كل هذه الحلول يمكن أن تفشل إذا لم نعالج سؤال الإدارة. من المسؤول عن ماذا؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يعلن نتائج الموسم؟ ومن يكشف تكلفة الإنتاج؟ ومن يوضح حجم التمويل وأوجه صرفه؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً. الشفافية جزء من الإنتاج الزراعي.
ومشروع بهذا الحجم يحتاج إلى نظام حوكمة واضح، وبيانات مفتوحة، ومؤشرات أداء معلنة، ومراجعة مستقلة، ومحاسبة حقيقية. فالمال العام والتمويل الزراعي وأصول المشروع يجب أن تكون تحت رقابة مؤسسية صارمة.
ماذا نريد من الدولة؟
نريد من الدولة أن تقوم بدورها الأساسي: الري.. البحوث.. البنية التحتية.. التشريع.. التمويل الميسر.. الرقابة.. وحماية المنتج. ولا يعني ذلك أن تدير الحكومة كل شيء بنفسها. بل يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بدوره في الاستثمار والتصنيع والتسويق والخدمات والمكينة. لكن الدولة يجب أن تضع القواعد وتحمي التوازن بين المستثمر والمزارع.
وماذا نريد من المزارع؟
في المقابل، الإصلاح ليس مسؤولية الحكومة وحدها. المزارع أيضاً مطالب بالالتزام بالدورة الزراعية والموجهات الفنية، والمحافظة على قنوات الري، واستخدام التقنيات الحديثة، والعمل من خلال تنظيمات قوية وشفافة. المزارع القوي يحتاج إلى مؤسسة قوية تمثله.
مشروع الجزيرة بعد الحرب.. فرصة لا تتكرر
الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد السوداني، لكنها في الوقت نفسه جعلت إعادة بناء القطاعات الإنتاجية ضرورة لا خياراً. ومشروع الجزيرة يمكن أن يكون نقطة البداية. بدلاً من أن نعيد بناء ما كان موجوداً فقط، لماذا لا نبني مشروع الجزيرة 2030؟
مشروع يعتمد على الري الذكي. والزراعة الدقيقة. والمكينة. والبحث العلمي. والتمويل الرقمي. والتعاونيات القوية. والتصنيع الزراعي. والتصدير. والبيانات. والحوكمة. مشروع يكون فيه المزارع شريكاً، والدولة ضامناً، والقطاع الخاص مستثمراً، والباحث شريكاً في القرار.
الخلاصة..
الإصلاح يبدأ من سؤال واحد مشروع الجزيرة لا يحتاج إلى معجزة. يحتاج إلى قرار. قرار بأن الزراعة ليست قطاعاً هامشياً. قرار بأن الأمن الغذائي لا يُبنى بالاستيراد وحده. قرار بأن المزارع يجب أن يربح حتى يستمر في الإنتاج. قرار بأن الري أولوية قومية. قرار بأن أصول المشروع يجب أن تُدار لمصلحة الإنتاج. وقرار بأن أي شراكة يجب أن تضيف قيمة حقيقية.
إذا اتخذ السودان هذه القرارات، فإن مشروع الجزيرة يستطيع أن يعود. ليس إلى ماضيه فقط، وإنما إلى مستقبل أكبر. فالمطلوب ليس إعادة مشروع الجزيرة إلى ما كان عليه.. بل تحويله إلى مشروع الجزيرة الذي يحتاجه السودان بعد الحرب. وهنا يمكن أن يبدأ الإصلاح الحقيقي.