من المستفيد من دمار القطاع الزراعي في السودان؟

الخرطوم - متابعات خاصة سودان ون

في موسم زراعي جديد يعيشه المزارعون في الجزيرة والرهد بقلق متصاعد، تتكرر المشاهد ذاتها: قنوات ري مسدودة بالحشائش والطمي، محاصيل تحترق عطشاً في مرحلة النضج، ومسؤولون ووزراء يطلقون وعوداً لا تجد طريقها إلى الأرض. سؤال واحد يتردد بإلحاح متزايد بين المزارعين والمراقبين: من المستفيد من استمرار انهيار هذا القطاع الذي كان يوماً عصب الاقتصاد السوداني؟

أرقام تكشف حجم الانهيار

المعطيات الرسمية والميدانية تتقاطع عند نتيجة واحدة: تراجع غير مسبوق في الإنتاجية الزراعية. فقد أوضح محافظ مشروع الجزيرة مطلع عام 2026 أن مساحة القمح المزروعة تقلصت من 400 ألف فدان إلى 210 آلاف فدان فقط، أي بمقدار النصف تقريباً، مؤكداً أن خسائر المشروع الإجمالية تجاوزت 6 مليارات دولار. وفي أجزاء أخرى من المشروع، انخفضت المساحة المزروعة بشكل أكثر حدة، من أكثر من 55 ألف فدان إلى نحو 3500 فدان فقط، بحسب تقارير متخصصة في الشأن الزراعي السوداني.

الكلفة على المزارع الفرد لم تكن أقل قسوة. فبحسب شهادة أحد مزارعي الجزيرة السابقين لإذاعة محلية، فإن سعر كيس السماد قفز من 20 ألف جنيه سوداني قبل الحرب إلى أرقام فلكية بعدها، فيما ارتفعت تكلفة تجهيز الفدان الواحد بالجرارات ثلاثة أضعاف تقريباً. هذه الفجوة بين تكلفة الإنتاج وعائده هي ما يدفع آلاف المزارعين، موسماً بعد آخر، إلى التفكير في هجر أراضيهم كلياً.

قنوات مسدودة... وصمت مطبق

الشكوى الأكثر تكراراً في قرى مشروعي الجزيرة والرهد ليست عن غياب المياه في منابعها، بل عن انقطاعها في طريقها إلى الحقل. ترع رئيسية وفرعية تحوّلت، بفعل التهالك وضعف الصيانة، إلى مجارٍ مسدودة بالحشائش والطمي المتراكم منذ سنوات. مزارعون يقولون إنهم اضطروا لتمويل عمليات تطهير الترع من جيوبهم الخاصة، بينما تبقى الآليات الحكومية غائبة حتى في أوقات الذروة التي يحتاج فيها المحصول إلى الري بشكل عاجل، وتحديداً في مرحلة النضج التي لا تحتمل التأجيل.

في المقابل، تصدر بيانات رسمية بين الحين والآخر تتحدث عن معالجة آلاف الكسور في شبكات الري وتوفير آليات للتطهير، وعن خطة استراتيجية للفترة 2026-2030 لإعادة إعمار القطاع الزراعي. غير أن الفجوة بين ما يُعلن في المؤتمرات وما يُشاهَد فعلياً في الحقول تبقى السمة الثابتة لهذا الملف، وهو ما يغذي شعوراً واسعاً لدى المزارعين بأن الإهمال لم يعد عرضياً، بل بات نمطاً متكرراً.

الحرب تضاعف الجرح القديم

لا يمكن فصل الانهيار الحالي عن الحرب المندلعة منذ أبريل 2023، التي طالت البنية التحتية لمشروع الجزيرة تحديداً - وهو أحد أكبر المشاريع الزراعية المروية في العالم تحت إدارة واحدة، بمساحة تناهز 2.2 مليون فدان. فقد نهبت المعارك آليات ومعدات زراعية، ودمّرت قنوات ري وسككاً حديدية ومحالج قطن ومخازن غلال، بحسب ما وثقته تقارير صحفية ميدانية.

لكن مزارعين ومتابعين يرون أن الحرب وحدها لا تفسر عمق الأزمة، وأن جذورها أقدم من ذلك بكثير: سياسات تمويل زراعي فشلت في حماية عائد المزارع، وتحوّل تدريجي في إدارة المشروع أضعف الرقابة المركزية، وغياب صيانة دورية حتى في المواسم التي لم تشهد فيها المنطقة قتالاً مباشراً. أحد المزارعين وصف ما يجري بأنه أبعد من مجرد فشل إداري عابر، معتبراً أن الأمر يمثل خسارة اقتصادية كبرى للبلاد بأكملها.

من يدفع الثمن؟

المفارقة التي يكررها المزارعون في شكاواهم الموجهة إلى الولاة ووزارة الزراعة والري هي أن المطالبة بسداد الضرائب والرسوم تستمر دون انقطاع، في حين تتعطل الخدمة التي يفترض أن تقابلها. ترعة الشرب نفسها، في بعض القرى، هي ترعة الري ذاتها الملوثة بالطمي والحشائش، بلا مصدر بديل لمياه صالحة للاستخدام الآدمي، وهو ما يحوّل أزمة الري من قضية إنتاج زراعي إلى قضية أمن مائي وإنساني يومي.

وبين مشروع الجزيرة الذي يعاني نقص التمويل، ومشروع الرهد الذي تضرر جزء كبير من بنيته التحتية، تتكرر القصة نفسها في هيئات مختلفة: مشاريع قومية كانت تشغّل آلاف الأسر وتوفر الاكتفاء الغذائي النسبي، تحوّلت إلى عبء يُدار بعقلية الأزمة الموسمية بدل التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

الحل بين الوعود والتنفيذ

أعلنت وزارة الزراعة والري خطة استراتيجية للفترة 2026-2030 تشمل معالجة آلاف الكسور في قنوات الري بمشروعي الجزيرة والرهد، وتوفير عشرات الآليات لأعمال التطهير، إلى جانب برنامج لإعادة إعمار الغابات المتضررة. غير أن تقارير رصد الأمن الغذائي حذرت من أن التحسن يبقى هشاً ومحدوداً، وأن كثيراً من الأسر العائدة إلى مناطقها فقدت كل مقومات الإنتاج وستواجه صعوبة حقيقية في الاستفادة من أي حصاد قادم.

السؤال الذي يطرحه المزارعون اليوم لم يعد "لماذا لا ننتج؟"، بل "ماذا قُدّم لنا لنستطيع الإنتاج؟". فبين مياه لا تصل في موعدها، وتمويل متعثر، ومدخلات إنتاج باهظة التكلفة، يبقى الجواب عن سؤال المستفيد من دمار القطاع الزراعي في السودان معلقاً بلا إجابة رسمية حاسمة، بينما يتحمل المزارع، فرداً واقتصاداً وطنياً، كلفة هذا الانتظار الطويل.

فمن يملأ الفراغ الذي يتركه المنتج السوداني عندما تتراجع الزراعة المحلية؟ وهذا يفتح الباب للحديث عن المستوردين، والأسواق الخارجية، وارتفاع فاتورة الغذاء، وتراجع الصادرات.