حقيقة انخفاض مناسيب النيل الأزرق: هل سد النهضة السبب أم الفشل التشغيلي الداخلي؟
الخرطوم – سودان ون (بقلم: مصعب عوض محمد خير)
شهدت مناسيب النيل الأزرق في السودان تراجعاً وانخفاضاً غير مسبوق خلال الآونة الأخيرة، مما أثار موجة من القلق والجدل في الشارع السوداني. ورغم مسارعة الكثيرين لربط هذه الظاهرة بعمليات تشغيل سد النهضة الإثيوبي، إلا أن الحقائق الفنية الهيدروليكية تكشف عن أبعاد مغايرة تماماً ترتبط بآلية الإدارة الداخلية للمياه في السودان.
وفي هذا الصدد، قدم الدكتور سيف الدين حمد، أبرز الخبير سوداني في مجال الري والسدود ورئيس فريق التفاوض السوداني على ترتيبات تشغيل سد النهضة، شرحاً مستفيضاً وموجزاً يفند من خلاله مسببات الأزمة الحالية ويضع النقاط فوق الحروف.
كيف يعمل سد النهضة؟ (الحقائق الهيدروليكية المجهولة)
أوضح الدكتور سيف الدين حمد أن الفهم السائد حول حجز سد النهضة للمياه يحتاج إلى تصحيح؛ حيث تبلغ السعة الإجمالية للسد 74 مليار متر مكعب، إلا أنه برامجياً يقوم سنوياً بحجز وتفريغ 25 مليار متر مكعب فقط، وتتم العملية وفق الدورة السنوية التالية:
فترة الملء: يتم حجز الكمية المحددة (25 مليار) على مدار أربعة أشهر فقط تبدأ من يوليو وتنتهي في أكتوبر.
فترة التفريغ: يتم تمرير وتفريغ هذه المياه تدريجياً على مدار ثمانية أشهر من نوفمبر وحتى يونيو. ميكانيكية التشغيل هذه تخدم السودان تقنياً؛ إذ تجعل المياه متوفرة في النيل على مدار العام، مما يسهم في زيادة عدد الدورات الزراعية، رفع كفاءة توليد الكهرباء في سد مروي، تحسين عمليات التخزين في سد الرصيرص، فضلاً عن حجز كميات ضخمة من الطمي التي تسببت سابقاً في فقدان الرصيرص لأكثر من نصف سعته التخزينية قبل تعليته.
ترتيبات أكتوبر 2022 وتوقف التنسيق الفني
كشف الخبير السوداني أن الترتيبات الفنية الثنائية التي تم توقيعها بين السودان وإثيوبيا في أكتوبر 2022 أبقت الباب مفتوحاً لانضمام مصر (الضلع الثالث) للوصول لاتفاق ثلاثي شاملاً، وجرى تنوير الجانب المصري بها.
وتعد هذه الترتيبات حيوية جداً للخرطوم لأن سد الرصيرص يتأثر برمجياً ويومياً بالتشغيل اللحظي لسد النهضة، على عكس السد العالي بمصر الذي يتأثر بالإيراد السنوي الإجمالي فقط.
وبناءً على اتفاق 2022، جرت العادة على عقد اجتماعات فنية تنسيقية كل 3 أشهر مع إمداد السودان ببيانات ومعلومات يومية لإدارة سدوده، إلا أن الأزمة بدأت تتشكل إدارياً في فبراير 2025 عندما رفض الجانب السوداني المشاركة في الاجتماعات الفنية، وتكرر الغياب في اجتماعات مايو 2025، مما أدى لتوقف التنسيق المباشر برغم استمرار تدفق البيانات اليومية من الجانب الإثيوبي.
دمج وزارة الري في الزراعة: خطأ تاريخي متكرر
أكد الدكتور سيف الدين حمد أن الانخفاض الحالي في مناسيب النيل الأزرق يمثل فشلاً تشغيلياً داخلياً من إدارة الخزانات السودانية، والتي لم تتحسب للأمر مبكراً عبر جدولة التخزين في سد الرصيرص.
وأرجع الخبير هذا التراجع إلى قرار رئيس الوزراء بـدمج وزارة الري والموارد المائية في وزارة الزراعة، وهو القرار الذي وصفه بالخطأ التاريخي الكارثي؛ حيث أثبتت التجارب السابقة فشله وتراجعت عنه الدولة بعد ظهور آثاره السلبية الخطيرة في الأعوام: 1972، 1976، 2005، و2011، ومع ذلك أُعيد تكرار نفس الخطأ الإداري مجدداً.
توصيات عاجلة لحماية الأمن المائي السوداني خلص السرد التحليلي للأزمة إلى ضرورتين حتميتين لضمان استقرار مناسيب النيل وحماية المواسم الزراعية:
1. إعادة وزارة الري فوراً: يجب فصل الوزارة ودعم إدارة الخزانات التابعة لها بالكوادر والإمكانيات لتستعيد قدرتها على الإدارة الفنية الحذرة للسدود.
2. إحياء التنسيق الفني مع إثيوبيا: العودة الفورية للاجتماعات الربع سنوية التنسيقية؛ إذ إن الخلافات السياسية لا يجب أن توقف التعاون الفني المرتبط بحياة الشعوب.
وضرب د. سيف الدين مثلاً بالهند وباكستان اللتين تجمعهما صراعات مسلحة تاريخية ومع ذلك يستمر التنسيق الفني المائي بينهما دون انقطاع.