41 دولة و28 ضابط ارتباط.. التحالف الدفاعي للبحر الأحمر ينتقل من جدة إلى الاختبار العملياتي
متابعات / سودان ون
لم يعد التحالف الدفاعي للبحر الأحمر مجرد فكرة يجري اختبارها على طاولة الاجتماعات. ففي جدة، عقد التحالف اجتماعه الرابع بحضور ممثلين عن 41 دولة، وبمشاركة 154 من قادة القوات البحرية والمخططين والسفراء وممثلي الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس انتقال المشروع من مرحلة التأسيس إلى بناء قدرة تشغيلية مشتركة.
واللافت في الاجتماع أن التحالف أعلن وصوله إلى ما يعرف بـ"القدرة التشغيلية الأولية" (IOC)، وهي مرحلة تبدأ فيها عملية الانتقال من بناء الهيكل المؤسسي إلى دمج القدرات والاستعداد لتنفيذ المهام، فيما يضم التحالف حالياً 28 ضابط ارتباط يمثلون حلقة الاتصال بين الدول المشاركة.
هذه الأرقام تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تكشف حجم المسار الذي قطعه المشروع خلال فترة قصيرة: 41 دولة حول طاولة واحدة، و154 مشاركاً من المؤسسات العسكرية والدبلوماسية، و28 ضابط ارتباط يعملون على بناء شبكة الاتصال الضرورية لأي منظومة أمنية متعددة الجنسيات.
وهنا تحديداً يبدأ الفرق بين فكرة التحالف وقدرته على العمل.
فالتحالفات العسكرية لا تنتقل مباشرة من الإعلان السياسي إلى الانتشار العملياتي. وبين المرحلتين توجد سلسلة طويلة من التخطيط، وبناء القيادة، وتنسيق الاتصالات، وتبادل المعلومات، ودمج القدرات، واختبار آليات اتخاذ القرار.
وما يحدث في جدة هو أن القدرات التي تمتلكها الدول المشاركة بصورة منفردة يجري العمل على تحويلها إلى قدرة مشتركة.
من التأسيس إلى القيادة والانتشار
بدأ التحالف مساره خلال الأشهر الماضية عبر اجتماعات التخطيط وبناء الهيكل التنظيمي، قبل أن تنتقل مكوناته إلى مرحلة أكثر تقدماً مع وجود ضباط الارتباط والعمل على آليات القيادة والتنسيق. ومع الاجتماع الرابع في جدة، أصبح المسار أكثر وضوحاً:
تأسيس، ثم بناء قيادة، ثم ربط الدول بضباط اتصال، ثم دمج القدرات، ثم قيادة موحدة، وصولاً إلى الانتشار والبدء في المهام. ولهذا فإن الأهمية الحقيقية لاجتماع جدة لا تكمن فقط في عدد الدول المشاركة، وإنما في أن السؤال تغير من:
هل يحتاج البحر الأحمر إلى منظومة أمنية مشتركة؟
إلى سؤال أكثر عملية:
كيف يمكن لهذه المنظومة أن تعمل على الأرض وفي البحر؟
ووفق المسار المعلن، تتجه المرحلة المقبلة إلى إعداد القدرات للعمل تحت قيادة موحدة، تمهيداً للانتشار وبدء المهام داخل منطقة مسؤولية التحالف، بما يدعم حرية الملاحة وسلامة الممرات البحرية عبر تكامل القدرات وتبادل المعلومات والاستجابة المنسقة للتهديدات.
السودان حاضر من بوابة بورتسودان
وسط هذا الحضور الدولي والإقليمي الواسع، اكتسبت مشاركة السودان دلالة خاصة، مع حضور اللواء بحري ركن صلاح أبوحسبو، قائد قاعدة بورتسودان البحرية، ومشاركته في اجتماع جدة.
فالسودان ليس دولة بعيدة عن جغرافيا البحر الأحمر، بل يمتلك ساحلاً استراتيجياً وميناء بورتسودان الذي يمثل أحد أهم المراكز البحرية والاقتصادية على الساحل الغربي للبحر الأحمر.
كما أن البحرية السودانية تمتلك خبرة تراكمية في العمل داخل البيئة البحرية للمنطقة، إلى جانب تاريخ من التعاون والتدريب المشترك مع عدد من الدول، ومن بينها تدريبات ومناورات بحرية إقليمية.
ومن هذه الزاوية، فإن مشاركة قائد قاعدة بورتسودان في اجتماع بهذا المستوى لا تبدو مجرد حضور بروتوكولي، وإنما تضع الخبرة السودانية في البيئة البحرية للبحر الأحمر داخل نقاش أوسع يتعلق بأمن الممرات البحرية.
فالسودان يمتلك موقعاً جغرافياً يجعله جزءاً مباشراً من معادلة أمن البحر الأحمر، كما أن موانئه تمثل نقاطاً مهمة على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.
لماذا أصبح البحر الأحمر قضية دولية؟
تتجاوز أهمية البحر الأحمر حدود الدول المطلة عليه.
فالممر البحري يربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي عبر قناة السويس وباب المندب، ويمثل أحد المسارات المهمة للتجارة الدولية والطاقة وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن أي اضطراب أمني واسع في المنطقة يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الدولة التي يقع الحادث في نطاقها. وهنا يمكن فهم اتساع دائرة المشاركة في التحالف.
فالدول المطلة على البحر الأحمر تمتلك معرفة مباشرة بجغرافيته وموانئه وممراته وبيئته الأمنية، بينما تمتلك الدول الأخرى قدرات بحرية وتقنية واستخبارية مختلفة. والتحدي هو تحويل هذه القدرات المتفرقة إلى منظومة قادرة على العمل معاً.
المعركة تبدأ من المعلومة
الأمن البحري الحديث لا يبدأ بالضرورة عندما تتعرض سفينة لهجوم، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير.
السؤال الأول هو: أين يوجد التهديد؟ ثم: كيف تحرك؟ ومن أين جاء؟ وما المسار المحتمل لتطوره؟ وهنا تصبح المعلومات جزءاً أساسياً من الأمن البحري.
فكلما نجحت الدول المشاركة في تبادل المعلومات وبناء صورة مشتركة للموقف البحري، أصبح من الممكن الانتقال من الاستجابة للحوادث بعد وقوعها إلى محاولة اكتشاف مصادر التهديد والتعامل معها في وقت مبكر.
ومن هنا تأتي أهمية ضباط الارتباط الـ28.
فالرقم لا يمثل مجرد مجموعة من الضباط، وإنما جزء من البنية التي يفترض أن تربط بين 41 دولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وتساعد على تحويل الاتصالات السياسية والعسكرية إلى آليات عمل أكثر انتظاماً.
واشنطن وحلفاء البحر الأحمر
وتمنح المشاركة الأميركية في هذا الإطار بعداً دولياً إضافياً للتحالف، في وقت تظل فيه حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من الحسابات الاستراتيجية المتعلقة بأمن الممرات البحرية والتجارة الدولية.
لكن قيمة أي مشاركة دولية في النهاية لن تقاس فقط بعدد الدول الموجودة حول الطاولة، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج تعاون فعلي في البحر. وهذا يعني أن الاختبار الحقيقي للتحالف سيكون في قدرته على الربط بين:
المعلومة، والقيادة، والقرار، والقدرة البحرية.
فإذا بقيت هذه العناصر منفصلة، فإن التحالف سيظل إطاراً للتنسيق. أما إذا نجح في دمجها، فإنه ينتقل إلى مستوى مختلف من العمل الأمني المشترك.
السودان والمرحلة المقبلة
بالنسبة للسودان، فإن وجود قائد قاعدة بورتسودان البحرية في اجتماع جدة يضع الخبرة السودانية داخل مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل أمن البحر الأحمر.
فالساحل السوداني ليس مجرد امتداد جغرافي، وإنما جزء من منظومة بحرية مترابطة تمتد من قناة السويس شمالاً إلى باب المندب جنوباً، وتتداخل فيها المصالح الأمنية والتجارية والاقتصادية.
ومن هنا فإن مشاركة السودان يمكن أن تمنح منظومة التحالف معرفة إضافية بالبيئة البحرية في الجزء الغربي من البحر الأحمر، كما تتيح للخرطوم متابعة التطورات المتعلقة بالترتيبات الأمنية التي تتشكل في محيطها البحري المباشر.
لكن المرحلة المقبلة ستظل هي الاختبار الأهم.
فالانتقال من القدرة التشغيلية الأولية إلى قدرة عملياتية مكتملة يحتاج إلى قيادة تعمل، وقدرات تصل إلى البحر، ومعلومات تتحول إلى قرارات، وقرارات تتحول إلى وجود فعلي قادر على تنفيذ المهام.
وهنا يصبح الرقم 28 أكثر من مجرد عدد لضباط ارتباط، كما يصبح الرقم 41 أكثر من قائمة دول مشاركة. إنهما جزء من محاولة بناء منظومة تستطيع أن تعمل كجسم واحد رغم اختلاف قدرات الدول ومصالحها وخبراتها.
لقد أمضت جدة المرحلة الماضية في بناء الهيكل.
أما المرحلة المقبلة، فستكون اختباراً لهذا الهيكل في البحر.
والسؤال الذي ستجيب عنه العمليات وحدها هو:
هل يستطيع التحالف تحويل هذا الحضور الدولي الكبير إلى قدرة بحرية مشتركة ومستدامة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؟
من جدة بدأت مرحلة البناء.
ومن البحر سيبدأ الاختبار الحقيقي.