بعد التشغيل الكامل لسد النهضة: كيف يعيد السودان صياغة استراتيجيته للأمن المائي؟

مع دخول سد النهضة الإثيوبي مرحلة التشغيل الكامل، يواجه السودان واقعًا مائيًا جديدًا يفرض مراجعة شاملة لسياسات إدارة الموارد المائية وتشغيل السدود الوطنية. ولم يعد التحدي يقتصر على التعامل مع مشروع مائي ضخم على النيل الأزرق، بل أصبح يتمثل في كيفية توظيف المتغيرات الجديدة لتحقيق المصالح الوطنية السودانية، عبر رؤية تقوم على التعاون الإقليمي، والإدارة العلمية، والابتعاد عن الاستقطاب السياسي.

ويمتلك السودان موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا يجعله حلقة الوصل بين جمهورية مصر العربية وجمهورية إثيوبيا، وهو ما يمنحه فرصة للعب دور محوري في تعزيز التعاون داخل حوض النيل الشرقي.

فالعلاقات التاريخية مع مصر، والتعاون الفني مع إثيوبيا، لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما خيارين متعارضين، وإنما ركيزتين متكاملتين لحماية الأمن المائي السوداني وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

المتغيرات الهيدرولوجية للنيل الأزرق وتأثيرها على السدود السودانية أدى تشغيل سد النهضة الإثيوبي إلى إحداث تغيرات ملموسة في النظام الهيدرولوجي لنهر النيل الأزرق، والتي تحمل في طياتها فرصاً وتحديات لشبكة المياه السودانية:

زيادة انتظام تدفقات المياه خلال فترات طويلة من العام، مما يساعد في استقرار مياه النيل.

انخفاض كميات الإطماء (الطمى) الواصلة إلى السدود السودانية، مما يطيل العمر الافتراضي للخزانات.

تحسين إدارة الموارد المائية ورفع كفاءة تشغيل السدود، بشرط توفر التنسيق الفني المشترك. وفي المقابل، فإن غياب آليات فعالة لتبادل المعلومات أو التنسيق التشغيلي قد يزيد من التحديات، خاصة في فترات الفيضانات أو الجفاف أو عند إجراء تغييرات تشغيلية كبيرة في السد الإثيوبي.

سيناريوهات تشغيل خزان الروصيرص وسنار وسد مروي يعد خزان الروصيرص أكثر المنشآت السودانية ارتباطًا بالتشغيل اليومي لسد النهضة، الأمر الذي يجعل تبادل البيانات الهيدرولوجية والتشغيلية في الوقت المناسب عنصرًا أساسيًا لضمان التشغيل الآمن والفعال لهذه المنشأة الحيوية.

كما يمكن أن ينعكس انتظام التصرفات المائية إيجابًا على أداء خزان سنار، بما يدعم استقرار إمدادات الري للمشروعات الزراعية القومية. وفي الوقت ذاته، يسهم هذا الانتظام في تحسين إدارة مخزون المياه بـ سد مروي، مما يضمن استقرار إنتاج الطاقة الكهرومائية والحد من مخاطر الفيضانات المدمرة، متى ما توفرت المعلومات الفنية اللازمة بصورة منتظمة.

ورغم ما قد تشهده المنطقة من تباينات سياسية، فإن التعاون الفني في إدارة الموارد المائية يجب أن يظل بمنأى عن الخلافات السياسية؛ لأن تشغيل السدود يرتبط مباشرة بحماية الأرواح والبنية التحتية، وضمان الأمن المائي والغذائي، واستقرار إمدادات الكهرباء في السودان.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية استمرار أعمال اللجان الفنية المشتركة، وتعزيز آليات تبادل البيانات، والتنسيق بين الدول الثلاث (السودان، مصر، إثيوبيا) في إدارة السدود على النيل الشرقي.

الموقف القانوني للسودان وخطة التحرك الداخلي وفي هذا السياق، يتمسك السودان بموقفه الثابت الداعي إلى التوصل إلى إطار قانوني ملزم ينظم تشغيل سد النهضة ويعزز تبادل المعلومات والتنسيق المشترك، بما يحفظ مصالح السودان ومصر وإثيوبيا على حد سواء، ويعزز القدرة على التعامل مع حالات الفيضانات والجفاف بصورة أكثر كفاءة واستقرارًا.

وعلى المستوى الداخلي، تفرض المرحلة الجديدة على وزارة الري والموارد المائية السودانية والجهات المختصة حزمة من الإجراءات الضرورية:

1. تحديث قواعد تشغيل خزانات الروصيرص وسنار ومروي لتتلاءم مع المتغيرات الهيدرولوجية الجديدة.

2. تطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر على طول مجرى النيل.

3. إنشاء مركز وطني متقدم للتنبؤات الهيدرولوجية مدعوم بالتقنيات الحديثة.

4. إعادة تأهيل مشروعات الري القائمة لتعظيم الاستفادة من حصة السودان المائية.

5. تعزيز التنسيق المؤسسي المشترك بين كافة الجهات الفنية والأمنية والسياسية المختصة بإدارة المياه.

إن مستقبل الأمن المائي السوداني لن يتحدد فقط بما يجري في أعالي النيل الأزرق، وإنما بقدرة السودان على بناء سياسات وطنية تستند إلى العلم، والتخطيط الاستراتيجي، والتعاون الإقليمي المستدام. وإذا أحسن استثمار الواقع الهيدرولوجي الجديد، فإنه سيكون قادرًا على تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز أمنه المائي والغذائي والطاقوي، والإسهام في جعل حوض النيل الشرقي نموذجًا للتعاون والتنمية المشتركة بدلاً من أن يكون ساحة للخلافات والنزاعات.