تعدد الزوجات في السودان.. كيف غيّرت الأزمة الاقتصادية نظرة المرأة السودانية؟

تحقيق | سودان ون

ظل تعدد الزوجات في السودان لعقود طويلة جزءًا من الموروث الاجتماعي في كثير من المناطق، حيث ارتبط بالعادات والتقاليد، وكان يُنظر إليه بوصفه أمرًا طبيعيًا، خاصة بين زعماء القبائل والأعيان وأصحاب النفوذ.

ولم يكن هذا النوع من الزواج يثير الجدل كما هو الحال اليوم، بل اعتبره البعض رمزًا للمكانة الاجتماعية والقدرة على تحمل المسؤولية. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولات كبيرة في المجتمع السوداني، فرضتها المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع مستويات التعليم، واتساع مشاركة المرأة السودانية في الحياة العامة وسوق العمل، الأمر الذي جعل قضية التعدد تخرج من إطار العادات إلى دائرة النقاش المجتمعي الواسع.

ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية في السودان وارتفاع تكاليف الزواج وتزايد معدلات الطلاق وتأخر سن الزواج، برزت تساؤلات جديدة: هل تغيرت بالفعل نظرة المرأة السودانية إلى تعدد الزوجات؟

وهل أصبح التعدد خيارًا

يراه البعض حلًا لبعض المشكلات الاجتماعية، أم أنه ما يزال سببًا للخلافات الأسرية؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة، رصدت "سودان ون" عشرات الآراء والنقاشات داخل إحدى المجموعات المتخصصة في مناقشة قضايا التعدد على موقع فيسبوك، والتي عكست تباينًا واضحًا في مواقف السودانيين تجاه هذه القضية.

مؤيدون: التعدد وسيلة لمعالجة قضايا اجتماعية

يرى عدد من المشاركين أن تعدد الزوجات يمكن أن يسهم في معالجة بعض المشكلات التي تواجه المجتمع السوداني. ويقول الشيخ مالك سليماني إن التعدد يمثل "دواءً" لعدد من القضايا الاجتماعية، بينما يرى الدكتور حمزاوي أن طبيعة الرجل قد تدفعه إلى التعدد، معتبرًا أنه قد يحد من الخيانة الزوجية ويسهم في معالجة مشكلات مثل العنوسة والطلاق، وفق وجهة نظره.

وتتفق معه زاهية التي تصف التعدد بأنه "نعمة وفيه خير للنساء"، فيما تؤكد سناء أن القضية لا تكمن في التعدد نفسه، وإنما في وجود رجال قادرين على تحمل مسؤولياته. أما عُلا فتربط موافقتها على التعدد بقدرة الزوج على توفير السكن والإنفاق بصورة عادلة،

بينما ترى أم عباس أن إباحة التعدد في الإسلام تجعلها لا تعترض عليه متى ما التزم الزوج بشروطه. وتؤكد إيمان أن موقفها المؤيد يرتبط بتحقيق العدل بين الزوجات والقدرة على تحمل المسؤولية كاملة، في حين ترى مياس أن التعدد لا يمثل مشكلة إذا كان الزوج قادرًا على رعاية جميع أفراد أسرته دون تقصير.

معارضات: العدالة تبقى التحدي الأكبر

في المقابل، عبّرت مشاركات أخريات عن رفضهن القاطع لفكرة التعدد، معتبرات أن الواقع يختلف كثيرًا عن النصوص النظرية. وتقول زحل إن كثيرًا من النساء اللواتي يعلنّ قبول التعدد قد لا يعبرن عن مشاعرهن الحقيقية، بينما ترى أم خنفساء أن المرأة التي تواجه زواج زوجها بأخرى لا تملك سوى خيارين؛ الاستمرار أو إنهاء العلاقة، مع ضرورة تجنب تحويل الأمر إلى صراع أو انتقام.

أما هاجر فتؤكد أن الحديث عن إباحة التعدد غالبًا ما يتجاهل الشرط الأساسي الذي نصت عليه الشريعة الإسلامية، وهو تحقيق العدل بين الزوجات. وترى مكة أن معظم تجارب التعدد التي شاهدتها لم تحقق الاستقرار المطلوب، وأن العدالة الكاملة بين الزوجات تظل أمرًا بالغ الصعوبة في التطبيق. قبول مشروط...

لا رفض مطلق ولا تأييد كامل ولم تقتصر الآراء على التأييد أو الرفض، بل ظهرت مواقف أكثر توازنًا. فترى توسل أن التعدد حكم شرعي لا يخضع للأهواء، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن من حق المرأة رفض الاستمرار في العلاقة إذا لم تستطع التكيف مع هذا الواقع. أما سميحة فتعلق بروح مرحة قائلة: "لا مانع لدي لأنه سنة... لكن ليس مع زوجي".

وترى سحر أن نجاح التعدد لا يرتبط بالرغبة فقط، بل يحتاج إلى قدرة مالية حقيقية تضمن توفير السكن والنفقة والاستقرار لجميع أفراد الأسرة، وإلا تحول إلى عبء جديد. وتتفق معها نور، التي تشير إلى أن أغلب التجارب الناجحة التي شاهدتها كانت لأشخاص يتمتعون بإمكانات مالية كبيرة، بينما يفشل التعدد غالبًا عندما يعجز الزوج عن الوفاء بالتزاماته المعيشية.

بين التجربة الشخصية والواقع

ومن بين المشاركين، عرض أحد الرجال، الذي عرّف نفسه باسم "حامل المسك"، تجربته الشخصية، موضحًا أنه متزوج من أربع زوجات منذ عام 2022، ويعتبر أن التعدد وفر له استقرارًا نفسيًا، مشيرًا إلى أنه خصص مسكنًا مستقلًا لكل زوجة، وكان يبلغ كل زوجة مسبقًا بأنه رجل معدد.

لكن مشاركين آخرين أكدوا أن نجاح أي تجربة من هذا النوع يظل مرتبطًا بعوامل عديدة، أبرزها القدرة المالية، والاستعداد النفسي، وتحقيق العدل، وهي شروط يرى كثيرون أنها ليست سهلة التطبيق في ظل الظروف الحالية.

هل غيّرت الأزمة الاقتصادية مواقف المجتمع؟

يرى مراقبون أن الأوضاع الاقتصادية في السودان دفعت بعض النساء إلى إعادة تقييم موقفهن من التعدد، خاصة مع ازدياد أعداد المطلقات والأرامل، وارتفاع معدلات تأخر سن الزواج.

كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة مبادرات وصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تستقبل طلبات زواج من فتيات يعلنّ عدم ممانعتهن الزواج من رجل متزوج، وهو ما يعكس تغيرًا في مواقف شريحة من المجتمع، وإن ظل هذا التوجه محدودًا مقارنة بالاتجاه العام. في المقابل، لا تزال نسبة كبيرة من النساء ترى أن الظروف الاقتصادية الحالية تجعل من الصعب على الرجل إعالة أكثر من أسرة، مما يزيد من احتمالات النزاعات الأسرية بدلًا من تحقيق الاستقرار.

خلاصة التحقيق تكشف الآراء التي رصدتها "سودان ون" أن تعدد الزوجات في السودان أصبح اليوم من أكثر القضايا الاجتماعية إثارة للنقاش، بعد أن كان لسنوات طويلة جزءًا من الأعراف السائدة في العديد من البيئات السودانية.

فالمواقف الحالية تعكس تداخل عوامل دينية واجتماعية واقتصادية ونفسية، حيث يرى فريق أن التعدد قد يسهم في معالجة بعض المشكلات الاجتماعية، بينما يعتبره آخرون سببًا لزيادة الخلافات داخل الأسرة إذا غابت القدرة على تحقيق العدالة.

ويبقى التعدد في الشريعة الإسلامية مباحًا بشروط واضحة، في مقدمتها العدل بين الزوجات، والقدرة على الإنفاق، وتحمل المسؤولية، بينما يظل قرار الإقدام عليه أو قبوله شأنًا شخصيًا وأسريًا يختلف باختلاف الظروف، بعيدًا عن الأحكام العامة أو التعميم.