الاقتصاد البديل: كيف تخطط الخرطوم لتجاوز العزلة الاقتصادية؟

الخرطوم – سودان ون

في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالسودان منذ اندلاع الحرب، تتجه الحكومة السودانية نحو تبني مقاربة اقتصادية غير تقليدية تقوم على تقليص الاعتماد على المنظومة المالية الغربية، عبر ما بات يُعرف في الأوساط الرسمية بـ"الاقتصاد البديل". وتشمل هذه التوجهات، بحسب مصادر صحفية، السعي لبناء قنوات مصرفية موازية بعيدًا عن الأنظمة التقليدية، إلى جانب تفعيل التعامل بالعملات المحلية في المبادلات التجارية بدلًا من الدولار، وتوسيع الانخراط في تكتلات اقتصادية ناشئة كمجموعة "بريكس"، في محاولة للالتفاف على القيود المفروضة من الغرب وتخفيف الضغط الناتج عن العقوبات.

نموذج مستلهم من موسكو وطهران

ويرى مراقبون أن الرؤية السودانية للاقتصاد البديل تستلهم كثيرًا من التجربتين الروسية والإيرانية، اللتين طورتا على مدى سنوات آليات موازية للتحايل على العزلة المالية الدولية، عبر شبكات مقايضة وتسويات ثنائية بالعملات المحلية.

اتفاق الصين لا يعالج جذر الأزمة

في هذا السياق، اعتبر الدكتور محمد إمام، الأستاذ المتخصص في الاقتصاد بالجامعات السودانية، في تصريحات لصحيفة "سودان تربيون"، أن الإعفاء الأخير الذي حصل عليه السودان من الصين، والبالغة قيمته نحو 50 مليون دولار، لا يشكل سوى جزء ضئيل جدًا مقارنة بحجم أزمة المديونية الخارجية التي تخطت عتبة 60 مليار دولار.

وأوضح إمام أن البلاد أضاعت فرصة نادرة لإسقاط أكثر من 80 بالمئة من هذه الديون عبر مبادرة "هيبك" الخاصة بالدول الفقيرة المثقلة بالديون، مرجعًا ذلك إلى حالة الاضطراب السياسي التي أعقبت الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، والتي دفعت المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل إلى تجميد مسارات الاندماج المالي مع الخرطوم.

من تجميد المساعدات إلى حصار اقتصادي شامل

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ما كان في البداية مجرد تعليق للدعم الدولي، تحوّل مع اندلاع الحرب إلى ما يشبه الطوق الاقتصادي المُحكم، حيث بدأت القوى الدولية بفرض قيود أوسع على أطراف النزاع وشبكات أعمالهم.

ونتيجة لذلك، تبنّت البنوك العالمية سياسات متشددة في تفادي التعامل مع الكيانات السودانية، ما أفضى، بالتوازي مع الحرب، إلى تراجع حاد في صادرات حيوية كالذهب والصمغ العربي والمحاصيل الزيتية، وهي الموارد التي كانت تمثل الرافد الرئيسي للنقد الأجنبي في خزينة الدولة.

انهيار الجنيه.. عرض لأزمة أعمق

ولفت إمام إلى أن التراجع الحاد في قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية لم يعد ظاهرة اقتصادية عادية، بل بات مؤشرًا على خلل بنيوي أعمق، يتمثل في الانقسام المؤسسي الناتج عن وجود سلطتين متوازيتين تتقاسمان إدارة شؤون البلاد.

وأكد أن هذا الانقسام أفرز غياب رؤية اقتصادية موحدة، وأنتج ازدواجية في تحصيل الجبايات ورسم السياسات المالية، ما زاد من تدهور المستوى المعيشي للمواطن السوداني، بعد أن فقدت مدخراته ورواتبه جزءًا كبيرًا من قيمتها الشرائية.

وشدد على أن أي دعم خارجي، مهما كانت قيمته، لن يكون كفيلًا بمعالجة اقتصاد تنهشه الفوضى الإدارية والانقسام السياسي.

خلفية الاتفاق الصيني

يذكر أن السودان والصين وقّعا الأسبوع الماضي اتفاقية ثنائية تقضي بإسقاط جزء من الديون المستحقة لبكين تُقدّر بنحو 50 مليون دولار، ترافقت مع إعلان حزمة منح مالية وفنية موجهة لدعم مشروعات إعادة الإعمار في البلاد. 30 عامًا إلى الوراء وبحسب بيانات أممية حديثة، فإن الحرب الدائرة في السودان تسببت في محو مليارات الدولارات من الناتج المحلي الإجمالي، وأعادت مسيرة التنمية في البلاد عقودًا إلى الوراء تقدَّر بثلاثين عامًا على الأقل.

وتوضح التقارير أن شبكات الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية تعرضت لانهيار شبه كامل، فيما توقفت كبرى المشاريع الزراعية القومية عن الإنتاج، لتجد البلاد نفسها في حالة اعتماد شبه كلي على المساعدات والمعونات الإنسانية الدولية.

المصدر