منذ اندلاع الحرب، انشغل الجميع بإحصاء الخسائر المرئية؛ البيوت التي دُمِّرت، والمؤسسات التي توقفت، والأرواح التي فُقدت. لكن هناك خسائر أخرى أقل وضوحًا وأكثر عمقاً، لا تظهر في الصور ولا تتصدر العناوين، وهي ما تركته الحرب من إرهاق نفسي وجسدي في نفوس الناس.

كثير من السودانيين اليوم يشكون من شعور دائم بالتعب والفتور، وإحساس مستمر بالإرهاق حتى بعد ساعات من النوم. أصبح البعض يستيقظ وكأنه لم ينم، ويبدأ يومه بطاقة منخفضة وقدرة محدودة على أداء أبسط المهام. مجهودات كانت تُنجز بسهولة في السابق أصبحت تستنزف الكثير من الطاقة، وأعمال يومية عادية باتت تبدو وكأنها عبء ثقيل.

هذا الواقع ليس مجرد كسل أو ضعف إرادة كما قد يظن البعض، بل هو أحد الوجوه الخفية للضغوط النفسية المزمنة التي خلّفتها الحرب. فعندما يعيش الإنسان لفترات طويلة تحت وطأة الخوف وعدم اليقين، ويتعرض للفقد والنزوح والضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة، فإن جسده وعقله يدخلان في حالة استنفار مستمرة. ومع مرور الوقت تبدأ هذه الضغوط في الظهور على هيئة أعراض جسدية ونفسية متعددة.

لذلك أصبحنا نسمع شكاوى متكررة من الصداع، وآلام العضلات، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، والخمول العام، رغم عدم وجود أسباب عضوية واضحة في كثير من الحالات. وكأن الجسد يحاول أن يعبّر عن ألم لم تجد له النفس كلمات كافية.

كما أن الضغوط المتراكمة جعلت كثيرًا من الناس أكثر حساسية وانفعالاً. ردود الأفعال أصبحت أشد، والصبر أصبح أقل، والخلافات اليومية البسيطة قد تتحول إلى مشاحنات كبيرة. فالإنسان المرهق نفسياً لا يتفاعل مع الأحداث بالطريقة نفسها التي كان يتفاعل بها قبل سنوات.

إن ما نعيشه اليوم يستدعي منا أن ننظر إلى الصحة النفسية باعتبارها جزءا أساسياً من التعافي بعد الحرب. فكما تحتاج المدن إلى إعادة إعمار، تحتاج النفوس أيضًا إلى فرصة للتعافي والاستقرار. يحتاج الناس إلى الراحة الحقيقية، وإلى الدعم الاجتماعي، وإلى مساحات آمنة للتعبير عن مخاوفهم وآلامهم دون خوف من الوصمة أو الأحكام.

لقد نجا كثيرون من الحرب، لكن آثارها ما زالت تسكن داخلهم. والحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الأرواح عندما تتعب، فإن الجسد لا يملك إلا أن يصرخ بطريقته الخاصة.