عبدالرحمن عبد الحميد.. ضابط عاد من المعاش إلى الميدان، ثم قاد الشمالية في أصعب مراحلها

دنقلا _ محمد الحسيني 8/أكتوبر 2026

الفريق الركن عبدالرحمن عبد الحميد.. من ساحات الجندية إلى قيادة الولاية الشمالية، رجل اختار أن يتقدم إلى الصفوف عندما احتاجه الوطن، ثم اختار أن يعمل بعيدًا عن الأضواء عندما تولى مسؤولية الولاية.

في السودان، كثيرًا ما تُقاس سيرة الرجال بالمواقع التي شغلوها، لكن بعض السير لا تختصرها المناصب وحدها. هناك رجال تصنعهم سنوات الخدمة، والميدان، والاحتكاك المباشر بقضايا الناس، ثم تكشف الأزمات معدنهم الحقيقي.

والفريق الركن عبدالرحمن عبد الحميد إبراهيم واحد من هؤلاء الذين ارتبطت مسيرتهم بالمؤسسة العسكرية والعمل العام، قبل أن يجد نفسه أمام مسؤولية جديدة لا تقل تعقيدًا عن ساحات القتال: إدارة ولاية أصبحت، بفعل الحرب والنزوح والظروف الاقتصادية، واحدة من أكثر مناطق السودان حساسية وأهمية.

من مراغة إلى ميادين القوات المسلحة

ينحدر الفريق الركن عبدالرحمن عبد الحميد من منطقة مراغة العريقة بالولاية الشمالية، ومنها بدأت علاقته المبكرة بالولاية وأهلها، قبل أن تمتد مسيرته المهنية إلى مناطق وفرق عسكرية مختلفة في السودان.

وهو ضابط مدفعية صاحب مسيرة عسكرية طويلة، تقلد خلالها عددًا من المواقع القيادية، من بينها قيادة الفرقة 19 مشاة بمروي بين عامي 2012 و2014، وهي فترة ترك خلالها، بحسب ما ترويه سيرته، بصمات في الانضباط والأداء.

لم تكن الجندية بالنسبة إليه مجرد وظيفة، بل مسارًا طويلًا من المسؤولية والانضباط والعمل في ظروف مختلفة ومتباينة من السودان.

ولهذا ربما يمكن فهم جانب من شخصيته الإدارية الحالية؛ فالرجل الذي أمضى سنوات في المؤسسة العسكرية اعتاد أن ينظر إلى المهمة باعتبارها مسؤولية ينبغي إنجازها، أكثر من كونها فرصة للظهور.

عندما عاد الجندي من المعاش

في 15 أبريل 2023 تغير كل شيء. اندلعت الحرب، وكان عبدالرحمن عبد الحميد قد وصل إلى مرحلة المعاش، وكان بإمكانه أن يكتفي بموقع المتقاعد وأن يراقب الأحداث من بعيد. لكن الحرب، بالنسبة إليه، لم تكن حدثًا يمكن مراقبته من الخارج.

لبى نداء الوطن، وعاد إلى الميدان، وشارك في القتال في سلاح المهندسين بأم درمان، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى عطبرة، في مسار عكس، في نظر من يعرفون سيرته، ارتباطه بالمؤسسة العسكرية حتى بعد انتهاء خدمته الرسمية.

كانت عودته إلى الميدان، بعد الإحالة إلى المعاش، واحدة من المحطات التي أعادت تقديم الرجل بصورة مختلفة: عسكري خرج من الخدمة، لكنه لم يعتبر أن علاقته بالوطن انتهت بانتهاء الوظيفة.

من الميدان إلى دنقلا

في أبريل 2025 تولى عبدالرحمن عبد الحميد مسؤولية والي الولاية الشمالية، في مرحلة استثنائية تمر بها البلاد.

لم تكن الشمالية وقتها مجرد ولاية تبحث عن إدارة شؤونها اليومية؛ فقد أصبحت واحدة من أهم المناطق المستقبلة للسكان الفارين من الحرب، وتحولت مدنها ومجتمعاتها إلى مساحة واسعة لاستقبال نازحين من الفاشر وولايات دارفور، ومن مناطق مختلفة في كردفان وغيرها.

وهنا واجه الوالي الجديد اختبارًا من نوع آخر.

اختبار إدارة الأمن، واستيعاب النازحين، والمحافظة على الخدمات، وتحريك الاقتصاد، ودعم الإنتاج، ومتابعة البنية التحتية، وفي الوقت نفسه التعامل مع مجتمع محلي له احتياجاته وتطلعاته.

وهكذا بدت الولاية الشمالية في سنوات الحرب أشبه بـسودان مصغر؛ تجمع في جغرافيتها مواطنين من مناطق وولايات مختلفة، يحملون معهم جراح الحرب واحتياجاتهم وآمالهم.

الشمالية.. ولاية تتجاوز جغرافيتها

أحد أبرز ملامح الخطاب الإداري المرتبط بعبدالرحمن عبد الحميد هو النظر إلى الشمالية باعتبارها جزءًا من السودان كله، وليس منطقة مغلقة على حدودها الجغرافية أو الاجتماعية.

فالرجل، في خطاباته وممارساته التي ظهرت خلال فترة توليه الولاية، يركز على الأمن والخدمات والإنتاج والاستثمار، إلى جانب التعامل مع قضايا المواطنين بصورة مباشرة.

وتظهر هذه النظرة أيضًا في تعامله مع قضايا النازحين، الذين لم يُنظر إليهم باعتبارهم عبئًا على الولاية فحسب، بل باعتبارهم مواطنين سودانيين فرضت الحرب عليهم ظروفًا استثنائية.

ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة "كل أجزاء السودان لنا وطن" أقرب إلى فلسفة عمل منها إلى شعار عابر.

قليل الكلام.. كثير المتابعة

من السمات التي تتكرر في توصيف شخصية عبدالرحمن عبد الحميد أنه قليل الحديث، كثير المتابعة.

وهي شخصية تميل إلى الاستماع قبل إصدار القرار، وإلى متابعة التفاصيل ميدانيًا بدل الاكتفاء بالتقارير المكتبية.

وهذا النمط من الإدارة يظهر في حضوره المتكرر في الملفات الخدمية والإنتاجية والأمنية، وفي متابعته للمشروعات والقطاعات المختلفة.

فالمسؤولية بالنسبة إليه لا تنتهي بإصدار القرار، وإنما تبدأ منه.

ومن هنا يأتي اهتمامه بالمتابعة الميدانية، والوقوف على سير المشروعات، والاستماع إلى مطالب المواطنين، ومناقشة المشكلات مع الأجهزة التنفيذية والجهات المختصة.

المواطن في قلب المعادلة

في أكثر من مناسبة، ظل والي الشمالية يشيد بالمواطنين وبالدور الذي يقومون به في دعم المشروعات الخدمية والتنموية.

وفي سبتمبر 2026، على سبيل المثال، أكد دعمه لمطالب مواطني أمري الجديدة، ودعا إلى تحديد أولويات المشروعات الخدمية والتنموية، كما أشاد بالنهج السلمي الذي اتبعه المواطنون في التعبير عن مطالبهم، مؤكدًا أهمية الحوار في الوصول إلى الحلول.

هذه المواقف تعكس جانبًا من العلاقة التي يسعى الرجل إلى بنائها مع المجتمع: الاستماع إلى المطالب، ثم تحويلها إلى أولويات قابلة للمعالجة ضمن إمكانات الولاية.

من الأمن إلى الاقتصاد والإنتاج

لم تتوقف أجندة حكومة الشمالية عند الملف الأمني، رغم حساسيته في ظل الحرب.

فالولاية تمتلك موارد زراعية ومعدنية وسياحية واستثمارية كبيرة، وهو ما جعل ملف الاقتصاد والإنتاج حاضرًا بقوة في عمل الحكومة.

وفي هذا السياق، تحركت حكومة الولاية في ملفات الزراعة والموسم الشتوي والاستثمار والتعدين والسياحة والبنية التحتية، إلى جانب البحث عن شراكات استثمارية جديدة.

وفي يوليو 2026، بحث الوالي مع مستثمر تركي فرصًا للاستثمار في قطاعات التعدين والبترول والتجارة البينية، في إطار مساعٍ لاستقطاب رؤوس الأموال والشراكات الخارجية.

كما ظل ملف الزراعة حاضرًا في أجندة الولاية، وصولًا إلى تشكيل اللجنة العليا للموسم الشتوي 2026-2027، بمشاركة واسعة من المؤسسات الحكومية والمصرفية والبحثية والجهات ذات الصلة بالإنتاج.

المعادلة هنا واضحة: الأمن وحده لا يبني ولاية، والاستقرار لا يكتمل دون إنتاج واقتصاد وخدمات.

البنية التحتية.. التنمية في زمن الحرب

في بلد أنهكته الحرب، تصبح المحافظة على البنية التحتية وتطويرها مهمة شديدة التعقيد. ومع ذلك، شهدت الولاية خلال الفترة الماضية استمرار العمل في عدد من المشروعات الخدمية والتنموية، من الطرق والجسور إلى المشروعات المرتبطة بالمياه والكهرباء والسياحة والخدمات.

وفي أبريل 2026، وقف رئيس الوزراء على سير العمل في جسر منطقة "البير" على الطريق الرابط بين دنقلا وحلفا، بحضور والي الشمالية، في مشروع ذي أهمية استراتيجية للولاية وحركة المواطنين والبضائع.

كما اتجهت الولاية إلى توظيف إمكاناتها السياحية والثقافية، وشهد سبتمبر 2026 وضع حجر الأساس لمشروعات مرتبطة بمتحف السرايا وكورنيش النيل في إطار مشروع دنقلا عاصمة السياحة لعام 2026.

الاستثمار.. البحث عن اقتصاد يتجاوز الحرب

يبدو أن الرؤية التي تحكم إدارة الولاية لا تقوم فقط على إدارة الأزمة، وإنما على محاولة بناء اقتصاد قادر على الاستمرار بعدها.

فالشمالية تمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، وثروات معدنية، وأراضي زراعية، ومقومات سياحية، وطاقة شمسية، ومنافذ وطرقًا تربط السودان بمحيطه الإقليمي.

ولهذا برزت خلال الفترة الأخيرة ملفات الاستثمار والإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والطاقة والسياحة باعتبارها مكونات أساسية في مستقبل الولاية.

وهي رؤية تتقاطع مع ما ناقشه الوالي مع رئيس الوزراء في يونيو 2026 بشأن التحديات الاقتصادية، والموسم الزراعي، والكهرباء، والاستفادة من الطاقة الشمسية في دعم القطاع الزراعي.

زهير بانقا.. نموذج في اختيار الكفاءات؟

ربما تكشف بعض التعيينات الإدارية عن فلسفة المسؤول أكثر مما تكشفه التصريحات. ومن أحدث الأمثلة قرار والي الشمالية في سبتمبر 2026 بتعيين الإعلامي زهير الطيب بانقا أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية.

لم يكن بانقا، وفق ما هو منشور عن سيرته، مجرد اسم جديد في الإدارة، وإنما صاحب تجربة إعلامية وثقافية امتدت إلى عدد من المؤسسات والمنصات الإعلامية السودانية.

وبعد تسلمه مهامه، قدم بانقا رؤية للنهوض بالعمل الثقافي والإعلامي، تقوم على تدريب وتأهيل الكوادر، وتوسيع الشراكات، وتعزيز الحضور الإعلامي في المحليات السبع، وربط الإعلام بالاقتصاد والسياحة والثقافة والتنمية.

وهنا تبرز قراءة أخرى لشخصية الوالي: المناصب ليست بالضرورة مكافآت جغرافية أو اجتماعية، وإنما يمكن أن تكون، في نظره، مواقع تحتاج إلى الخبرة والكفاءة.

إدارة لا تستعجل النتائج

في الإدارة العامة، لا تظهر النتائج الكبيرة بين ليلة وضحاها.

والولايات التي تعيش ظروف الحرب تحتاج إلى قدر كبير من الصبر؛ لأن الموارد محدودة، والاحتياجات متزايدة، والمشروعات مرتبطة بمؤسسات اتحادية ومحلية ومستثمرين ومجتمعات وممولين.

ولهذا تبدو المتابعة والصبر على النتائج جزءًا من نمط العمل الذي ارتبط بالوالي عبدالرحمن عبد الحميد.

فهو لا يتعامل مع الملف باعتباره خبرًا يوميًا أو صورة إعلامية، وإنما باعتباره مسارًا يحتاج إلى متابعة مستمرة. وربما يفسر ذلك ابتعاده النسبي عن الظهور الإعلامي المكثف، مقارنة بحجم المسؤولية التي يتحملها.

رجل عسكري أمام اختبار مدني

الانتقال من قيادة عسكرية إلى إدارة ولاية مدنية ليس انتقالًا بسيطًا. في الجيش تكون المهمة محددة، وسلسلة القيادة واضحة، والقرار مرتبطًا بنظام عسكري صارم. أما الولاية فهي مجتمع كامل: مزارع، وتاجر، وطالب، ونازح، ومستثمر، وموظف، وامرأة، وشاب، وقرية، ومدينة، ومؤسسات أهلية وحكومية.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام أي والٍ لا يكمن في إصدار الأوامر، وإنما في تحويل القرار إلى عمل مؤسسي يستوعب كل هذه المصالح والاحتياجات.

وفي هذا الجانب، تبدو تجربة عبدالرحمن عبد الحميد في الشمالية واحدة من التجارب التي تستحق المتابعة والقراءة، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.

عندما يتحدث زميل الجندية

وقد وصف رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، في حديث عنه، عبدالرحمن عبد الحميد بأنه زميل في الجندية والعسكرية، وتحدث عنه بوصفه رجلًا سودانيًا مخلصًا تتوافر فيه صفات أبناء البلد. لكن بعيدًا عن العبارات، تبقى السيرة العملية هي الاختبار الأهم.

من ضابط مدفعية، إلى قائد فرقة، إلى رجل خرج إلى المعاش، ثم عاد إلى الميدان بعد اندلاع الحرب، ثم تولى مسؤولية ولاية تواجه واحدة من أصعب مراحل السودان الحديثة. هذه السيرة وحدها تكشف أن الرجل عاش مراحل مختلفة من الدولة السودانية، من داخل المؤسسة العسكرية، ثم من داخل الإدارة التنفيذية

.

الشمالية في عيون واليها

ربما يكون أهم ما يميز تجربة عبدالرحمن عبد الحميد أنه لا يتعامل مع الشمالية باعتبارها نهاية السودان، رغم موقعها الجغرافي في أقصى الشمال. بل ينظر إليها باعتبارها واحدة من بوابات المستقبل السوداني.

ولاية يمكن أن تنتج الغذاء، وتستقطب الاستثمار، وتطور التعدين، وتستعيد السياحة، وتوفر الخدمات، وتستفيد من الطاقة الشمسية، وتربط السودان بمحيطه، وتستقبل السودانيين الذين أجبرتهم الحرب على ترك مدنهم وقراهم.

ولهذا فإن مستقبل تجربة الرجل لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد القرارات التي أصدرها، وإنما بما ستتركه تلك القرارات من أثر في حياة المواطن.

رجل يترك الأفعال تتحدث

في زمن أصبحت فيه الصورة والظهور الإعلامي جزءًا من صناعة المسؤول العام، اختار عبدالرحمن عبد الحميد، بحسب ما يظهر من نمط عمله، مسارًا مختلفًا نسبيًا.

قليل الكلام، كثير المتابعة، وحاضر في الميدان.

قد يختلف الناس حول تقييم أي تجربة حكومية، وقد تواجه حكومة الشمالية، مثل غيرها، تحديات وانتقادات وملفات تحتاج إلى معالجة، وهذا أمر طبيعي في العمل العام. لكن المؤكد أن الرجل تولى الولاية في واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث، وأن الملفات الموضوعة أمامه تتجاوز حدود الولاية نفسها.

ومن هنا تأتي أهمية قراءة تجربته بعيدًا عن المديح المجرد أو النقد المجرد. إنها تجربة رجل حمل معه انضباط الجندية إلى مكتب الوالي، ووجد أمامه مجتمعًا يحتاج إلى الأمن والخدمات والإنتاج، وولاية تحولت بفعل الحرب إلى مساحة تستقبل السودانيين من مختلف أنحاء البلاد.

وفي النهاية، قد يكون الوصف الأقرب لشخصية عبدالرحمن عبد الحميد هو ذلك الذي يتردد في سيرته منذ بداياتها: رجل قليل الكلام، غزير الفعل، يرى أن المنصب مسؤولية، وأن المواطن هو الغاية، وأن السودان أكبر من حدود الولاية والمنطقة والقبيلة.

وهنا تحديدًا، تصبح تجربة والي الشمالية جديرة بأن تُقرأ لا باعتبارها سيرة مسؤول محلي فحسب، وإنما باعتبارها نموذجًا لمرحلة سودانية تبحث عن إدارة الدولة وسط الحرب، وتبحث في الوقت نفسه عن طريق يقود من إدارة الأزمة إلى بناء المستقبل.