مقال للدبلوماسي السوداني السفير حاج ماجد سوار
ما بين حرب 2020 ـ 2022 والحرب الحالية في إثيوبيا
_________________________________
المتابع للمشهد الإثيوبي يجد فوارق عديدة بين الحرب التي اندلعت عام 2020 واستمرت حتى 2022 بتوقيع إتفاق بريتوريا ، والتصعيد العسكري الحالي الذي تشهده الجارة إثيوبيا منذ 22 سبتمبر 2026 بين قوى المعارضة المسلحة و نظام آبي أحمد . ويمكن تلخيص أبرز هذه الفوارق في النقاط التالية :
أولاً :
كانت الحرب الأولى ذات طبيعة ثنائية إلى حد كبير ، ودارت أساساً بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي ، بينما تدور المواجهات الحالية في إطار أوسع ، تشارك فيه إلى جانب جبهة تيغراي عدة فصائل مسلحة ، أبرزها حركة فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو ، إلى جانب فصائل من أقاليم عفر والصومالي وبني شنقول وقمز وغيرها . وقد أعلنت هذه الفصائل تشكيل تحالف أطلقت عليه اسم «تحالف الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء» ، أو «تحالف البقاء» ، بهدف مواجهة الحكومة الفيدرالية وإسقاطها ، والعمل على إحداث تغيير سياسي في البلاد .
ثانياً :
كانت الحرب الأولى مرتبطة بصورة أساسية بالخلاف بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيغراي حول الانتخابات الإقليمية وصلاحيات الإقليم وعلاقته بالحكومة المركزية . أما التصعيد الحالي ، فتتداخل في أسبابه عوامل سياسية ودستورية وإقليمية أوسع ، من بينها إتهامات للحكومة الفيدرالية بالسعي إلى تعزيز مركزية السلطة وتقليص هامش استقلال الأقاليم ، مقابل تمسك قوى إقليمية مختلفة بصلاحياتها وترتيبات النظام الفيدرالي القائم .
ثالثاً :
كانت الحرب الأولى متركزة بصورة أساسية في إقليم تيغراي ، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى وتتشابك فيها أدوار القوات الإريترية والقوات الأمهرية . أما المواجهات الحالية فقد اتخذت منذ بدايتها نطاقاً جغرافياً أوسع ، وشملت تيغراي ومناطق من أمهرا وعفر ، مع امتداد التوترات والمواجهات إلى مناطق أخرى مرتبطة بالفصائل المنضوية في التحالف الجديد أقاليم أورومو و بني شنقول و أوغادين .
رابعاً :
في الحرب الأولى كانت إريتريا تقف إلى جانب الحكومة الإثيوبية في مواجهة جبهة تيغراي ، بينما شهدت العلاقات الإثيوبية ـ الإريترية لاحقاً تدهوراً حاداً . ويرتبط جانب من هذا التوتر بالخلافات حول قضايا الحدود والأمن والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر وميناء عصب ، في ظل سعي أديس أبابا إلى تأمين منفذ بحري دائم و تهديدها بخوض الحرب ضد إريتريا من أجل ذلك .
خامساً :
كانت أبعاد التدخلات الخارجية في الحرب الأولى مختلفة عن المشهد الحالي ، ففي ظل التصعيد الراهن ، فقد أصبحت الأبعاد الإقليمية أكثر وضوحاً ، خاصةً التدخل الإماراتي الداعم لنظام آبي أحمد بالسلاح و العتاد و الذي أثبتته مصادر كثيرة ذات مصداقية عالية .
سادساً :
لم تكن التوترات بين إثيوبيا من جهة ، والسودان ومصر من جهة أخرى ، بشأن سد النهضة قد وصلت في الحرب الأولى إلى المستوى الذي بلغته خلال السنوات الأخيرة ، خصوصاً في ظل الخلافات المستمرة حول قواعد ملء وتشغيل السد ، وغياب إتفاق ملزم بين الدول الثلاث بشأن هذه القضايا . وقد أصبحت قضية مياه النيل أحد الملفات الإقليمية المؤثرة في حسابات الأمن والسياسة في المنطقة .
سابعاً :
تختلف كذلك طبيعة العلاقات السودانية ـ الإثيوبية عما كانت عليه خلال الحرب الأولى ، في ظل الدور السالب و التدخل المباشر للحكومة الإثيوبية في الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 ، وتقديم تسهيلات لمليشيا الدعم السريع وداعميها . والتي تشمل وجود معسكرات و قواعد لتدريب عناصر تابعة للمليشيا أنشأتها الإمارات داخل الأراضي الإثيوبية ، فضلاً عن إستخدام مواقع ومطارات إثيوبية في أنشطة لوجستية وعسكرية للإعتداء على السودان و استهداف مدنه و بنيانه التحتية .
وقد نشرت جهات إعلامية ومصادر مختلفة ذات مصداقية تقارير حول هذه المسائل .
هذه الفوارق السبعة تعكس تغيراً مهماً في البيئة الداخلية والإقليمية المحيطة بالصراع الإثيوبي . فالحرب الحالية لا تجري في نفس الظروف التي أحاطت بحرب 2020 ـ 2022 ، وإنما في بيئة أكثر تعقيداً ، تتداخل فيها الخلافات الداخلية مع ملفات الحدود والمياه والبحر الأحمر والعلاقات مع دول الجوار ، فضلاً عن تشابك المصالح الإقليمية والدولية .
وبالتالي، فإن اتساع رقعة المواجهات وتعدد القوى المسلحة المنخرطة فيها ، إلى جانب تعقيد البيئة الإقليمية ، يجعل مسار الحرب الحالية أكثر تعقيداً وكلفة ، ويزيد من المخاطر التي قد تترتب على استمرارها بالنسبة إلى إثيوبيا ودول القرن الأفريقي والمنطقة بأسرها .
سوار
الأول من أكتوبر 2026