هل فوّض الشعب السوداني البرهان لرئاسة السودان؟ بين الحشود الشعبية والانتخابات.. ماذا يريد السودانيون؟

تحقيق تحليلي - سودان ون

في الأسواق والمساجد والميادين والمناسبات العامة، وفي مدن ومناطق مختلفة يزورها رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تتكرر مشاهد الاستقبال والحفاوة الجماهيرية.

إلتفاف جماهيري وشعبي كبير، حول القائد العام للقوات المسلحة السودانية رئيس مجلس السيادة وكأن بالشعب يعطيه صك مرور وقبول وموافقة لقيادة البلاد للفترة المقبلة كرئيس للجمهورية السودانية حيث يعتبره الشعب السودان الذي يلتف حوله بأن خطاباته وكلماته تعبر عن الموقف الوطني المستقل في وجه التدخلات الخارجية، وتجد هوا في نفوسهم. مشاهد يصعب تجاهلها، وتدفع إلى سؤال سياسي يتجاوز اللحظة والمشهد:

هل تمثل هذه الحفاوة تفويضاً شعبياً للبرهان لقيادة السودان رئيساً في المرحلة المقبلة؟

السؤال لا يتعلق بشخص البرهان وحده، وإنما بمستقبل الدولة السودانية بعد الحرب، وبما يريده المواطن في الفترة المقبلة.

مشاهد الشارع.. شعبية أم تفويض سياسي؟

الحشود والاستقبالات والهتافات تمثل مؤشراً على تأييد شعبي كبير لرئيس مجلس السيادة البرهان وقبول واسع للبرهان في قلوب الشعب السوداني.

لماذا يحظى البرهان بهذا الحضور؟

لا يمكن فصل صورة البرهان الحالية عن الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023. فمع استمرار القتال، أصبحت القوات المسلحة بالنسبة إلى قطاعات من السودانيين مرتبطة بصورة الدولة والسيادة الوطنية، بينما أصبح البرهان، بحكم مسؤليات العسكرية، والسيادة مسؤلا أمام الشعب بصد العدوان ورفع الضرر، في وقت تماهت كثير من الجماعات السياسية مع الدعم السريع، فاصبحت جزاء من المؤامرة وما زالت تتعشم في حكم الشعب السوداني.

السيادة الوطنية.. أحد مفاتيح الخطاب السياسي

أصبح خطاب السيادة الوطنية والاستقلال في القرار السوداني أحد أبرز عناصر الخطاب الذي يقدمه البرهان. وفي أحدث مواقفه العلنية، قال البرهان في 26 سبتمبر 2026 إن السودان لن يخضع لما وصفه بالضغط أو الابتزاز، وذلك بعد أزمة حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. هذه المواقف تجد صدى لدى قطاعات ترى أن المرحلة الحالية تتطلب الدفاع عن القرار الوطني ورفض الضغوط الخارجية.

من داخل المؤسسة العسكرية.. دعم لمستقبل السودان بقيادة البرهان

النقاش حول مستقبل البرهان لم يعد محصوراً في الحشود الجماهيرية. ففي سبتمبر 2026، قال رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا إن القوات المسلحة ستدفع باتجاه بقاء البرهان على رأس الدولة لعدة دورات.

هنالك عدد من القادة والزعماء والرموز وصفوا البرهان بعبارات وكأنها بطاقة ترشيح ضمني لكرسي الحكم ، حيث قال عنه القائد مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة في مقابلة مع مجموعة من الصحفيين السودانيين إنه قائد شجاع ومقتدر ويمتلك القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. يعمل وسط جنوده بروح القيادة الميدانية ويمتلك الصبر والشجاعة والقدرة علي إدارة القرارات الصعبة، وأضاف عقار : أمامه فرصة تاريخية لانتشال السودان من تداعيات وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.

وقال رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا في مقابلة مع صحيفة الشروق المصرية سنجبر البرهان على رئاسة السودان عدة دورات، وقال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي إن رفض البرهان المساواة الأمريكية (الهدنة مقابل المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة) رفع من شعبيته.

ماذا يريد السودانيون؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في التحقيق كله.

قبل الحرب، أظهرت بيانات Afrobarometer أن إدارة الاقتصاد كانت الأولوية الحكومية الأولى لدى 62% من المشاركين، تلتها الصحة بنسبة 38% والتعليم بنسبة 31%، بينما ذكر 25% الجريمة والأمن باعتبارها أولوية. وتظل هذه البيانات مهمة باعتبارها صورة لآراء السودانيين قبل الحرب، لا باعتبارها استطلاعاً راهناً.

السودان لا يحتاج فقط إلى رئيس قوي

الحرب غيّرت معنى "القوة" في الدولة السودانية.

فالمواطن الذي فقد منزله أو عمله أو مصدر دخله أو اضطر إلى النزوح لا يقيس القيادة فقط بخطابها السياسي، وإنما بقدرتها على إعادة بناء حياته.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أكثر من 11.6 مليون شخص كانوا نازحين قسراً داخل السودان أو إلى دول الجوار حتى 16 مارس 2026، بينما كان 21.2 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. كما تعرض الاقتصاد لانكماشات حادة منذ بداية الحرب.

وتقدر اليونيسف أن 33.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال 2026، بينهم 17.3 مليون طفل.

لهذا فإن أي قيادة سودانية مقبلة ستواجه قائمة طويلة من الاختبارات:

- إعادة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وكريمة.
- إعادة الخدمات الأساسية.
- استقرار الاقتصاد والأسواق وسعر العملة.
- إعادة تشغيل الزراعة والصناعة.
- توفير فرص العمل.
- إعادة بناء التعليم والصحة.
- إعادة إعمار المدن والبنية التحتية.
- مكافحة الفساد.
- ترسيخ سيادة القانون.
- حماية الحقوق والحريات.
- بناء مؤسسات دولة مستقرة.
- إدارة التنوع السوداني بعيداً عن المحاصصة.
- بناء علاقات خارجية تحفظ المصالح السودانية.

ماذا يعني ذلك للبرهان إذا أراد دخول الانتخابات؟

إذا انتقل البرهان مستقبلاً من موقع القيادة الانتقالية إلى موقع الرئيس المنتخب، فإن الاختبار سيكون :

ماذا سيقدم للسودانيين؟

كيف سيمنع تكرار الحرب ؟

كيف سيعيد الاقتصاد إلى الإنتاج؟

كيف سيعيد ملايين النازحين إلى مناطقهم؟

كيف سيجذب الاستثمار؟

كيف سيعيد بناء الخدمة المدنية؟

كيف سيضمن استقلال المؤسسات؟

وكيف سيتعامل مع القوى السياسية التي تختلف معه؟

أولاً: حكومة كفاءة لا حكومة محاصصة

إعادة بناء السودان تحتاج إلى مؤسسات قادرة على العمل، وإلى حكومة تضم الخبرات في الاقتصاد والإدارة العامة والصحة والتعليم والزراعة والطاقة والبنية التحتية والقانون. فالقائد يستطيع اتخاذ القرار، لكنه لا يستطيع بناء الدولة بمفرده. والتحدي الحقيقي سيكون تحويل القرار السياسي إلى مؤسسات وبرامج وموازنات ومشروعات قابلة للقياس.

ثانياً: مشروع اقتصادي واضح

لا يمكن بناء شرعية سياسية مستدامة في بلد يعاني من انهيار اقتصادي واسع دون مشروع اقتصادي واضح. السؤال سيكون: كيف ينتقل السودان من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج؟

وهنا تظهر الزراعة والصناعة والتعدين والطاقة والنقل والموانئ والخدمات الرقمية والاستثمار الخاص بوصفها ملفات مرتبطة ببعضها. فالاقتصاد السوداني لا يحتاج فقط إلى تمويل إعادة الإعمار، بل إلى إعادة بناء القدرة الإنتاجية نفسها.

ثالثاً: إعادة بناء الدولة من الأطراف إلى المركز السودان ليس الخرطوم وحدها. إعادة الإعمار ستكون بحاجة إلى رؤية تشمل دارفور وكردفان والجزيرة والشرق والشمال والوسط، مع مراعاة الاختلافات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.

رابعاً: مخاطبة السودانيين جميعاً

الرئيس المنتخب، أياً كان اسمه، لا يحكم الذين صوتوا له فقط. ولهذا فإن الانتقال من قائد عسكري إلى رئيس دولة منتخب يتطلب خطاباً أوسع . خطاباً يتوجه إلى المدنيين والعسكريين، والشباب والنساء، والمهنيين، والإدارات الأهلية، والقوى السياسية والمجتمعية، والنازحين واللاجئين والمغتربين، وجميع الولايات والمناطق.

خامساً: الجيش والدولة

من أكثر الأسئلة حساسية في مستقبل السودان العلاقة بين الجيش والسياسة. فالسودانيون الذين يرون في القوات المسلحة مؤسسة وطنية للدفاع عن البلاد سيحتاجونها في الوقت نفسه لحماية المؤسسات الدستورية.

سادساً: الحقوق والحريات

القوة السياسية لا تكتمل من دون سيادة القانون. وأي مشروع لإعادة بناء السودان سيحتاج إلى ضمان الحقوق والحريات، واستقلال المؤسسات العدلية، والمساءلة، وحماية المواطن من التعسف. فالهدف من الدولة القوية ليس فقط قدرتها على فرض النظام، وإنما قدرتها أيضاً على حماية المواطن والمؤسسات والقانون.

ماذا تقول تجارب الدول الأخرى؟

استدعاء تجارب قادة مثل أبراهام لنكولن ونيلسون مانديلا ولي كوان يو ومهاتير محمد وبول كاغامي والباجي قائد السبسي يمكن أن يكون مفيداً، لكن بشرط عدم التعامل معها كقوالب جاهزة.

فالسودان له تاريخه وتركيبته الاجتماعية والجغرافية والسياسية الخاصة.

الدرس المشترك الذي يمكن استخلاصه من تجارب مختلفة هو أن الخروج من الأزمات الكبرى لا يعتمد على شخصية القائد وحدها، وإنما على قدرة الدولة على بناء مؤسسات تستمر بعد القائد. وهذه ربما تكون النقطة الأهم في السودان: هل يستطيع أي قائد أن يبني دولة لا تعتمد على شخصه؟

من الخارج.. هل تكفي العلاقات الدولية؟

حظي البرهان خلال السنوات الماضية بعلاقات واتصالات مع قادة إقليميين ودوليين.

ماذا بعد الحرب؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي سيحدد صورة البرهان في التاريخ السوداني أكثر من أي قائد سابق . هل سيبقى في الذاكرة بوصفه القائد العسكري الذي قاد البلاد خلال الحرب؟ أم سيكون جزءاً من انتقال السودان من الحرب إلى السلام، ومن اقتصاد الانهيار إلى الإنتاج، ومن المرحلة الانتقالية إلى دولة المؤسسات؟

هل أعطى السودانيون البرهان "صك مرور"؟

المشاهد الجماهيرية مؤشراً شعبية وتأييد من قطاعات المجتمع. والتصريحات الصادرة من شخصيات سياسية وعسكرية تدعم البرهان تكشف عن اتجاهات السودانيين في استمرار البرهان في المشهد كرئيس للسودان في الفترات القادمة.

كل العوامل والظروف تؤهل البرهان لان يكون منقذ السودان ومفجر ثورته الشاملة المنتظرة في ظل إلتفاف الشعب خلفه وتأيده والروح القيادية التي يتمتع بها والقبول الذي يجده في الداخل وفي الخارج من قادة الدول الصديقة والشقيقة والذي قال عنه الرئيس أردوغان : البرهان قائد جدير بالسودان، وقال عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان : البرهان رجل دولة يتمتع بالحكمة والصبر والشجاعة. ووصفه أمير قطر الشيخ تميم بأخيه