مأساة دارفور.. الجفاف يخنق مربي الماشية ويجبرهم على بيع قطعانهم بأبخس الأسعار، يعيش مربو الماشية في إقليم دارفور واحداً من أصعب المواسم في السنوات الأخيرة. فقد أدى شح الأمطار إلى تدهور المراعي وجفاف مصادر المياه، فاجتمع الجوع والعطش والمرض على القطعان. وتحذر إفادات الرعاة والمهتمين بالثروة الحيوانية من أن الأسوأ قد لا يكون قد جاء بعد، مع تراجع المساحات الصالحة للرعي واقتراب موسم الجفاف الطويل.
شح الأمطار في دارفور: جفاف الرهود والبرك وغياب الكلأ
في منطقة السريف غربي محلية نتيقة بجنوب دارفور، يصف الراعي محمد الفايق الوضع بأنه محفوف بالمخاطر. فقد جفت الرهود والبرك والوديان التي تعتمد عليها الحيوانات في الشرب، وغاب الغطاء النباتي اللازم لتغذيتها. ويؤكد أن أثر الجفاف يمتد إلى الزراعة والثروة الحيوانية معاً، لأن المجتمعات المحلية تعتمد على الأمطار في إنبات المحاصيل والمراعي.
وتزداد الأزمة تعقيداً لأن مسارات الرعي التقليدية التي كانت ملاذاً في مواسم الجفاف، خصوصاً في الشمال والشرق، طالها شح الأمطار هذا العام. أما المناطق التي بقيت فيها مساحات محدودة من الكلأ، فتعاني نقص مياه الشرب بعد تعطل الدوانكي ومصادر المياه بسبب الحرب.
نفوق الماشية في دارفور: أمراض وجوع وأرقام مقلقة
في شمال دارفور، قال الراعي بشير إبراهيم إن الأمطار لم تهطل إلا مرات قليلة، وإن بعض الحيوانات أصيبت بسوء تغذية شديد جعلها عاجزة عن النهوض دون مساعدة. وفقد رعاة أكثر من عشرة رؤوس من الأبقار بسبب الجوع، واضطروا إلى نقل ما تبقى منها نحو الجنوب.
وتتحدث الإفادات المحلية عن أمراض تنفسية وإسهالات وحالات انتفاخ تسبق النفوق. ويتحدث النذير من منطقة البان جديد عن نفوق أعداد كبيرة من الخيل والحمير والأبقار، مقدّراً الأبقار النافقة بأكثر من خمسة آلاف رأس. ويجب التنبيه إلى أن هذه الأرقام تقديرات محلية لا تدعمها إحصاءات بيطرية مستقلة.
ضعف الرعاية البيطرية وحملات التحصين في جنوب دارفور
يقول المساعد البيطري صديق عثمان إن الرعاة يبلغون عن الأمراض باستمرار، فيحاول الكادر البيطري إخطار وزارة الثروة الحيوانية وتوفير اللقاحات، لكن الدعم غائب حالياً. ويشير إلى انتشار حالات التسمم الدموي التي تحتاج إلى وقاية عاجلة. وفي البان جديد، لم تشمل حملة التحصين السابقة سوى نحو ألفي رأس، وهو عدد ضئيل مقارنة بالاحتياج الفعلي.
ارتفاع أسعار الأعلاف في السودان وفشل الموسم الزراعي
أدى فشل الموسم الزراعي في أجزاء من جنوب دارفور إلى تراجع مخلفات المحاصيل التي يعتمد عليها الرعاة، مثل بقايا الذرة والقصب، كما تراجع إنتاج الفول السوداني. وحسب محمد ناصر، المهتم بشؤون الرعاة، قفز سعر قنطار الأمباز من نحو 3 إلى 7 آلاف جنيه إلى قرابة 30 ألف جنيه. وهكذا وجد الرعاة أنفسهم أمام علف تجاري باهظ بعد أن عجزت المراعي الطبيعية عن إطعام قطعانهم.
مراعي بحر العرب: المرعى الأخير مهدد بالاستنزاف
اعتاد الرعاة العودة جنوباً في أكتوبر ونوفمبر ثم التوجه إلى بحر العرب في نوفمبر وديسمبر. لكن الصحفي محمد صالح البشر يؤكد أن شح المراعي عجّل بوصول بعض القطعان إلى هناك، بينما لم يمتلئ بحر العرب بالمياه كما يحدث عادة. ويحذر من أن المراعي المحيطة به قد تُستنزف خلال شهر أو شهرين، فيبقى الرعاة بلا خيارات قبل موسم الأمطار المقبل.
بيع الماشية بأسعار متدنية: معادلة قاسية أمام الرعاة
مع تقلص المراعي وغلاء الأعلاف، بدأ كثير من الرعاة عرض أبقارهم في الأسواق، بما فيها الأبقار المنتجة والأمهات، لتقليل الأعداد أو لشراء الغذاء لأسرهم. ونتيجة زيادة المعروض تراجعت أسعار الماشية، فصار الراعي أمام خيارين: البيع بسعر زهيد، أو الاحتفاظ بالحيوان مع خطر نفوقه جوعاً وعطشاً. وهكذا يتحول الجفاف إلى أزمة تمس الدخل والغذاء معاً.
التداعيات البيئية والصراع بين الرعاة والمزارعين في دارفور
يحذر ناصر من أن غلاء الأعلاف قد يدفع الرعاة إلى قطع الأشجار لتغذية المواشي، ما يزيد الضغط على الغطاء النباتي. ويتوقع أن يؤثر ضعف السيول في تغذية المياه الجوفية، فتتراجع مياه الآبار في الفترة بين مارس ويونيو من العام المقبل. وقد يضطر الرعاة إلى التحرك لمسافات أبعد، وربما عبور الحدود إلى جنوب السودان أو أفريقيا الوسطى. كما يُخشى أن يتفاقم الصراع التاريخي بين الرعاة والمزارعين في جنوب الإقليم وغربه بسبب تكدس الماشية.
حلول أزمة الماشية في دارفور: احتياجات عاجلة
تتفق الإفادات على احتياجات عاجلة تشمل:
- توفير مياه الشرب للقطعان، وحفر الآبار وإنشاء محطات مياه في المناطق التي ما زالت فيها مراعٍ.
- إتاحة الأعلاف بأسعار يتحملها الرعاة.
- توسيع حملات التحصين والرعاية البيطرية.
- دعم المجتمعات المتضررة من فشل الموسم الزراعي.
أسئلة شائعة
ما أسباب أزمة الماشية في دارفور؟
شح الأمطار وجفاف مصادر المياه وتدهور المراعي وفشل الموسم الزراعي، إضافة إلى تعطل الدوانكي بسبب الحرب وضعف الخدمات البيطرية.
لماذا يبيع الرعاة مواشيهم بأسعار منخفضة؟
لتقليل أعداد الحيوانات التي يحتاجون إلى إطعامها، ولتوفير المال لشراء الغذاء والأعلاف، رغم انخفاض أسعار البيع بسبب زيادة المعروض.
كم بلغ سعر الأعلاف في دارفور؟
بحسب إفادات محلية، ارتفع سعر قنطار الأمباز من نحو 3 إلى 7 آلاف جنيه إلى قرابة 30 ألف جنيه.
هل هناك أرقام مؤكدة لنفوق الماشية في دارفور؟
لا. الأرقام المتداولة، ومنها تجاوز نفوق الأبقار خمسة آلاف رأس في منطقة واحدة، تقديرات محلية تفتقر إلى إحصاءات بيطرية شاملة.
ما المخاطر المتوقعة في الأشهر المقبلة؟
استنزاف المراعي في بحر العرب، وتراجع مياه الآبار في الفترة بين مارس ويونيو، وتزايد النزاع بين الرعاة والمزارعين.
خاتمة
لم تعد أزمة الماشية في دارفور مجرد نقص موسمي في الكلأ، بل تهديداً مباشراً لمعيشة آلاف الأسر وللتعايش السلمي في الإقليم. ويتطلب تدارك الموقف تدخلاً عاجلاً يوفر المياه والأعلاف والرعاية البيطرية قبل أن تتحول ندرة الموارد إلى كارثة أوسع.