ننسى أين وضعنا الأشياء… لكن هل نسينا أننا متعبون؟

كم مرة وضعت هاتفك في مكان ما، ثم بدأت تبحث عنه بعد دقائق دون أن تتذكر أين تركته؟ وكم مرة دخلت إلى غرفة، ثم وقفت للحظة متسائلاً: ماذا كنت أريد أن أفعل؟

ربما أصبحت هذه المواقف جزءاً متكرراً من يوميات كثير من الناس. ننسى المواعيد، ونفقد القدرة على التركيز لفترات طويلة، ونقوم بأكثر من شيء في الوقت نفسه دون أن ننجز شيئاً كاملاً. أذهاننا تبدو مشغولة دائماً، حتى عندما نجلس في هدوء.

لكن السؤال الأهم: هل أصبحنا أكثر نسياناً فعلاً، أم أننا أصبحنا أكثر تعباً؟

لقد عشنا خلال الحرب فترات طويلة من الخوف وعدم اليقين والقلق والترقب. فقدان الأحبة، والنزوح، والضغوط الاقتصادية، وتغير شكل الحياة، كلها تجارب لا تنتهي آثارها بمجرد ابتعاد أصوات الحرب. فالعقل الذي ظل لفترة طويلة في حالة تأهب واستنفار قد يجد صعوبة في العودة سريعاً إلى حالة الهدوء والتركيز.

عندما يكون الإنسان مشغولاً بالقلق، منشغلاً بالمستقبل، أو مثقلاً بما مر به، فإن جزءاً كبيراً من طاقته النفسية يكون مستهلكاً في التعامل مع هذه الضغوط. وهنا قد يبدو النسيان وكأنه مشكلة مستقلة، بينما هو في أحيان كثيرة رسالة تعب.

نضع الأشياء في أماكنها ونحن نفكر في عشرات الأمور الأخرى، فلا ينتبه العقل أصلًا إلى المكان الذي وضعناها فيه. نستمع إلى الآخرين، لكن جزءًا منا منشغل بما سيحدث غداً. نقرأ الصفحة نفسها أكثر من مرة، لأن أعيننا تتحرك بين الكلمات بينما أفكارنا في مكان آخر.

إن ضعف التركيز وكثرة الشرود والنسيان لا تعني بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، لكنها قد تكون مؤشرًا على أن الإنسان يعيش تحت ضغط مستمر، أو يعاني من إرهاق نفسي يحتاج إلى التوقف والانتباه إليه.

نحن اليوم بحاجة إلى أن نكون أكثر لطفًا مع أنفسنا. بدل أن نلوم أنفسنا باستمرار لأننا نسينا أو تشتتنا، ربما علينا أن نسأل: كم من التعب نحمله دون أن نتحدث عنه؟

العقل أيضاً يتعب، وليس التعب دائمًا ظاهرًا على الوجه. قد يذهب الإنسان إلى عمله، ويتحدث ويضحك ويؤدي واجباته، لكنه في الداخل يحمل قدراً كبيراً من الإرهاق والانشغال.

التعافي لا يبدأ دائماً بخطوات كبيرة. أحياناً يبدأ بالنوم الكافي، وتنظيم اليوم، وتقليل مصادر الضغط قدر الإمكان، وأخذ فترات للراحة، والحديث مع شخص نثق به، ومنح أنفسنا فرصة للتعبير بدلاً من محاولة الاستمرار وكأن شيئاً لم يحدث.

وإذا أصبح ضعف التركيز أو النسيان شديداً أو مستمراً بصورة تؤثر في الحياة اليومية، فمن المهم طلب المساعدة من مختص، مع الانتباه أيضاً إلى استبعاد الأسباب الصحية الأخرى التي قد تؤثر في الذاكرة والتركيز.

ربما لا تكمن المشكلة في أننا أصبحنا ننسى كثيراً.

ربما المشكلة أننا مررنا بالكثير، وانشغلنا بالبقاء والصمود، حتى نسينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً: هل نحن بخير فعلاً … أم أننا فقط اعتدنا أن نكمل ونحن متعبون؟