تدشين كتاب "الحفر بالإبرة".. حين تتحوّل الفلسفة إلى سلاح في معركة البقاء
بورتسودان | متابعات سودان ون
في زمن تتشابك فيه المصائب وتتراكم الأعباء، وحين يبدو الصمت هو الخيار الأسهل، اختار الأستاذ عبد الإله الشيخ محمد أن يمسك بقلمه ويُطلق رصاصته الأكثر هدوءاً والأعمق أثراً — كتاباً.
بورتسودان، المدينة التي حملت وطناً بأكمله على كتفيها، احتضنت صباح السبت حفل تدشين كتاب "فلسفة الحفر بالإبرة"، في المكتبة الولائية لولاية البحر الأحمر، بتنظيم مشترك من اتحاد الكتاب السودانيين والمكتبة الولائية. لم يكن الحفل مجرد تقليب صفحات كتاب جديد، بل كان إعلاناً صريحاً بأن السودان لا يزال يكتب، ويفكر، ويبني — حتى في قلب العاصفة.
عندما تكون الثقافة خط الدفاع الأول:
مثّلت الأستاذة منى عبد الله، مدير قطاع التوجيه بولاية البحر الأحمر والوزير المكلف، الوالي في هذا الحفل، وكان حضورها أكثر من بروتوكول رسمي — كان رسالة. وقفت أمام الحضور لتقول بصوت لا يخلو من انفعال حقيقي: "أنا مسرورة جدًا لأن ابننا عبد الإله يطرق أهم المواضيع في هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها وطننا الحبيب، وهي التوثيق لما يدور".
ثم رفعت صوتها نداءً لكل من يحمل قلماً أو آلة موسيقية أو كاميرا: "نحن أحوج ما نكون للتوثيق في هذه المرحلة؛ فالرائي ليس كمن سمع، والشائعات الآن كثيرة ومغرضة ومجافية للحقيقة، وأي تفصيلة صغيرة في حياة السودانيين الآن تستحق التوثيق، وكلٌ في مجاله معنيٌ بذلك".
كلمات تحمل ثقل المرحلة بأكملها.
بورتسودان تكتب وتطبع وتقرأ:
وقف المؤلف عبد الإله الشيخ محمد ليُسقط مقولةً ظلّت عقوداً تُحكم قبضتها على التصورات الثقافية العربية — تلك المقولة التي جعلت القاهرة تحتكر الكتابة، وبيروت تنفرد بالطباعة، والخرطوم تكتفي بالقراءة — وقال في ثقة المؤمن بمدينته: "ظلمونا قديمًا حين قالوا ذلك؛ ونحن اليوم هنا من بورتسودان نكتب ونطبع ونقرأ".
لكنه لم يكتفِ بالتصريح، بل عرض مضمون كتابه بوضوح يحترم عقل القارئ: الكتاب لا يسرد وقائع الحرب، ولا يتكهن بالغد المجهول، بل يتوغّل في عمق مختلف تماماً — يفكّك "عبقرية القيادة التي قادت معركة الكرامة"، ويعيد تعريف مفهوم النصر نفسه.
"الحفر بالإبرة" في قاموس عبد الإله ليست مجرد استعارة شعرية، بل فلسفة حياة كاملة تقول: النصر الحقيقي ليس الضجيج الإعلامي العابر، بل هو "ومضة مستدامة من البناء". وأضاف في عبارة تستحق التأمل: "القوة الحقيقية ليست في التدمير بل في البناء، وليست في سرعة الإنجاز بل في عمق الأثر".
الأمن القومي يقرأ الكتب أيضاً:
لافتٌ أن الحفل شهد كلمة اللواء شمس الهدى إبراهيم، ممثل جهاز المخابرات العامة، الذي أكد بجلاء أن الثقافة ليست ترفاً بل ركيزة أمنية، ونوّه بنقل مصطلح "الحفر بالإبرة" من فضائه العسكري الضيق إلى الفضاء العام كاستراتيجية قومية شاملة. وختم بمعادلة موجزة ودقيقة: "حينما تحمل المؤسسة الأمنية سلاحين؛ السلاح العسكري وسلاح الفكر، فإن النصر يكون حتميًا".
المكتبة الولائية.. ملاذ من لا ملاذ له:
لا يمكن قراءة هذا الحفل بمعزل عن الفضاء الذي احتضنه. المكتبة الولائية ببورتسودان، التي يُديرها الأستاذ معتصم القاضي، باتت في الأشهر الأخيرة ما وصفته ممثلة الوالي بـ"الملاذ الثقافي والاجتماعي الآمن منذ بداية الأزمة". مكان يفتح أبوابه للكتّاب والباحثين والفنانين، حين أغلقت الحرب كثيراً من الأبواب الأخرى.
قراءة أكاديمية في مرآة اليابان:
قدّم الأكاديمي محمد طه قراءة نقدية للكتاب استدعى فيها تجربة اليابان في "إدارة المعرفة" دليلاً على أن الانتصار الحضاري لا يُبنى بالسلاح وحده. ورأى أن السودان، بتعدد قومياته وروافده الثقافية، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى صوت هوية موحدة، مؤكداً أن الكتاب جاء ليوثق تحولاً تاريخياً نبت من رحم اليأس.
الصبر استراتيجية، والإبرة سلاح:
ليس مصادفةً أن يصدر هذا الكتاب الآن، وفي هذه المدينة تحديداً. بورتسودان التي تحمل لقب "العاصمة الإدارية المؤقتة" تقول اليوم بصوت الكتاب وصوت الكاتب إنها ليست عاصمة انتظار، بل عاصمة فعل وبناء وتأسيس.
وحين يُهدي عبد الإله كتابه للفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، ويؤكد أن "النصر ليس صخباً مدوياً بل حفر عميق في الوجدان"، فإنه يُلخّص رسالة الكتاب كلها في سطر واحد.
وربما هذا هو الدرس الأعمق الذي تمنحنا إياه الإبرة: أن أعظم ما يبقى ليس ما يُحدث ضجيجاً، بل ما يترك أثراً.