بريطانيا تُهدر فرصة إنقاذ الفاشر.. وثائق تكشف إخضاع حقوق الإنسان لحسابات أبوظبي

لندن - سودان ون

كشف أحد أبرز محققي جرائم الحرب في العالم أن الحكومة البريطانية تعمدت التقاعس عن التدخل لوقف المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، خشيةً على علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع الإمارات العربية المتحدة، الداعم الرئيسي للميليشيا.

شاهد أمام البرلمان البريطاني:

لندن آثرت أبوظبي على أرواح السودانيين مثَل ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، أمام لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني، وأدلى بشهادة صادمة تتهم الخارجية البريطانية بتجاهل متعمد لتحذيرات متكررة.

وقال ريموند إن فريقه زوّد مسؤولي وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية بمعلومات استخباراتية آنية طوال أكثر من عامين، تنذر بأن حصار الفاشر سينتهي بعمليات قتل جماعي للمدنيين، غير أن الحكومة آثرت الصمت.

وقال ريموند في إفادته المكتوبة للنواب: «لقد أعطى المسؤولون الأولوية للعلاقات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات على حساب منع التجويع المتعمد والتهجير القسري والقتل الجماعي لعشرات الآلاف من مدنيي الفاشر».

60 ألف قتيل في أسابيع.. مجزرة تتجاوز ناجازاكي

استندت شهادة ريموند إلى صور أقمار صناعية وبيانات مصادر مفتوحة جمعها فريقه في ييل، تُظهر أن ما لا يقل عن 60 ألف شخص لقوا حتفهم خلال أسابيع قليلة من سقوط المدينة في أكتوبر 2025، عقب حصار امتد ثمانية عشر شهراً.

ولوضع هذا الرقم في سياقه، أوضح ريموند أن حجم المجزرة يعادل ستة أضعاف إبادة سربرينيتسا، وعشرين ضعف ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ويتجاوز الحصيلة الأولى للقنبلة الذرية التي أُلقيت على ناغازاكي عام 1945.

وقد خلص محققو الأمم المتحدة إلى أن الحصار حمل «سمات الإبادة الجماعية». ضغوط إماراتية في الخفاء.. ولندن تطلب من جامعة أمريكية ما يعجز عنه جهازها الاستخباراتي تكشف الوقائع المُدلى بها أمام البرلمان البريطاني عن صورة مُقلقة لمدى النفوذ الإماراتي داخل دوائر القرار البريطاني. ففي مايو 2024، طلب مسؤولو الخارجية البريطانية من ريموند نشر بيانات هواتف محمولة مُعترضة تربط منشآت إماراتية بقوات الدعم السريع، في خطوة وصفها بأنها لافتة للنظر؛ إذ كانت الحكومة تطلب من مختبر أبحاث جامعي أمريكي خاص، لا من أجهزتها الاستخباراتية، تقديم الدعم لمواجهة أبوظبي.

وأوضح ريموند أن المسؤولين صرّحوا له بأن «المملكة المتحدة كانت تتعرض لضغوط كبيرة خلف الكواليس من الإمارات تحد من قدرتها على التأثير في الوضع». نافذة أُهدرت.. والإمارات تقيس العواقب قبل استئناف الهجوم يكشف ريموند عن لحظة فارقة كان يمكن فيها إنقاذ الفاشر.

فبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2736 الداعي إلى رفع الحصار فوراً، توقفت عمليات قوات الدعم السريع مؤقتاً. وأفادت معلومات تلقاها فريق ييل من مصدر مطّلع على الداخل الإماراتي بأن أبوظبي طلبت من قائد القوات محمد حمدان دقلو «حميدتي» تعليق الهجوم ريثما تقيّم ما إذا كانت ستواجه تبعات سياسية فعلية.

وقال ريموند للنواب: «ما إن خلصت أبوظبي إلى عدم وجود أي تبعات، حتى استُؤنف الهجوم. وكانت أنجح خطوة لمنع الفظائع هي تلك الفترة القصيرة التي شعرت فيها الإمارات بالقلق». المسؤولية تطال حكومتين بريطانيتين متعاقبتين تمتد الاتهامات التي أطلقها ريموند لتشمل حكومتي ريشي سوناك وكير ستارمر على حد سواء، وتطال وزراء الخارجية الثلاثة الذين تعاقبوا على المنصب خلال تلك الحقبة: ديفيد كاميرون، وديفيد لامي، وإيفيت كوبي.

وخلص المحقق إلى أن «فشل الحكومتين في منع مجزرة الفاشر يبدو نتيجة التزام قيادي راسخ بوضع العلاقة الاستراتيجية مع الإمارات فوق الالتزامات القانونية الدولية المتعلقة بمنع الإبادة الجماعية». وأردف: «إن التكنولوجيا المتقدمة والتحليلات يمكن أن توفر للقادة المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار، لكن بيانات الأقمار الصناعية والقدرات الحاسوبية وحدها لا تستطيع خلق الإرادة السياسية أو الشجاعة الأخلاقية».

وقد تواصلت وسائل الإعلام مع وزارة الخارجية البريطانية للحصول على تعليق، ولم يصدر أي رد حتى لحظة النشر.

سودان ون - متابعة مستمرة لملف الحرب في السودان