انفتاح العمليات العسكرية للجيش السوداني.. هل دخلت الحرب مرحلة الحسم الاستراتيجي
تشير التطورات العسكرية الأخيرة في السودان إلى تحول لافت في طبيعة العمليات التي تنفذها القوات المسلحة السودانية، فبعد أشهر من التركيز على استعادة المدن والمواقع الحيوية في وسط البلاد، بدأت خريطة القتال تتجه بصورة متسارعة نحو ولايات دارفور، في خطوة يراها مراقبون محاولة لنقل المعركة إلى مراكز ثقل قوات الدعم السريع، واستهداف خطوط الإمداد التي شكلت لسنوات أحد أهم عناصر قوة هذه القوات.
وخلال الأسابيع الأخيرة أعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة تنفيذ عمليات متزامنة في شمال وغرب دارفور، وشمال وجنوب كردفان، وإقليم النيل الأزرق، في أكبر انفتاح ميداني منذ أشهر، وهو ما يعكس انتقال الجيش من مرحلة الدفاع واستعادة المدن إلى مرحلة الهجوم متعدد المحاور، وفق البيانات العسكرية الرسمية.
استراتيجية جديدة..
ضرب العمق بدلاً من الاكتفاء بالدفاع تُظهر البيانات الصادرة عن الجيش أن العمليات الأخيرة لم تقتصر على السيطرة على مناطق جديدة، بل ركزت بصورة واضحة على استهداف البنية اللوجستية لقوات الدعم السريع.
فبين 15 و30 يونيو 2026، أعلن الجيش تدمير 224 عربة قتالية، والاستيلاء على 36 أخرى، وإسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية، إلى جانب تدمير شاحنات إمداد، وناقلات وقود، ومستودعات للذخيرة والوقود، وهي أهداف يرى محللون عسكريون أنها تمثل العمود الفقري لاستمرار أي قوة قتالية في مسرح عمليات واسع مثل السودان.
وتشير هذه العمليات إلى أن الأولوية أصبحت تتمثل في استنزاف القدرة على الحركة والإمداد، بدلاً من الاكتفاء بتحقيق مكاسب جغرافية محدودة.
دارفور.. ساحة المعركة الجديدة
التحول الأكبر تمثل في انتقال العمليات العسكرية إلى ولايات دارفور، وهي المنطقة التي ظلت خلال الفترة الماضية تمثل مركز الثقل الرئيسي لقوات الدعم السريع. وبحسب خبير عسكري تركي تحدث إلى منصة "شاهد عيان"، فإن إعلان رئيس هيئة الأركان عن نقل العمليات إلى دارفور بدا مستبعداً لدى كثيرين، إلا أن التطورات الميدانية أثبتت أن القيادة العسكرية كانت تتحرك وفق خطة مدروسة، تعتمد على قراءة دقيقة للميدان قبل تنفيذ أي عملية.
وأضاف الخبير أن القوات المسلحة السودانية تتميز بما وصفه بـ"الثبات الانفعالي" في إدارة المعركة، وهو ما يجعل تحركاتها أقل قابلية للتوقع، ويمنحها القدرة على مفاجأة خصومها في توقيتات غير متوقعة. تعدد الجبهات.. استنزاف القدرات القتالية اللافت في العمليات الأخيرة أنها لم تنحصر في محور واحد، بل امتدت بصورة متزامنة إلى عدة ولايات.
ففي شمال دارفور أعلن الجيش تدمير عشرات العربات القتالية وإسقاط طائرة مسيرة استراتيجية، بينما أعلنت القوة المشتركة السيطرة على مدينة كلبس في غرب دارفور والاستيلاء على آليات عسكرية. وفي شمال كردفان تركزت العمليات على استهداف أرتال الإمداد ومستودعات الوقود، فيما شهد جنوب كردفان استمرار عمليات التمشيط وتدمير آليات قتالية. أما في إقليم النيل الأزرق، فأعلن الجيش السيطرة على منطقتي سركم ومقجة، إضافة إلى استعادة منطقة البار بمحافظة قيسان، مع تدمير آليات ودبابات ومستودعات ذخيرة. ويرى مراقبون أن فتح عدة محاور في وقت واحد قد يفرض ضغوطاً على مليشيات الدعم السريع، إذ يتطلب منها توزيع قواتها ومواردها على جبهات متعددة، وهو ما قد يؤثر في قدرتها على المناورة إذا استمر هذا النمط من العمليات.
لماذا أصبحت خطوط الإمداد هدفاً رئيسياً؟
في العلوم العسكرية، تمثل خطوط الإمداد شريان الحياة لأي قوة مقاتلة، إذ تعتمد عليها في نقل الوقود والذخيرة والمقاتلين والتموين. ولهذا فإن استهداف المركبات العسكرية، ومستودعات الوقود، ومخازن الذخيرة، والطائرات المسيّرة، قد يؤدي إلى إبطاء وتيرة العمليات العسكرية للطرف المستهدف، حتى لو احتفظ بسيطرته على بعض المناطق.
وتشير البيانات العسكرية الأخيرة إلى أن جزءاً كبيراً من العمليات ركز على هذا النوع من الأهداف، بما يوحي بأن القيادة العسكرية تسعى إلى تقليص القدرة اللوجستية لقوات الدعم السريع قبل الانتقال إلى معارك أوسع في دارفور. هل تتجه العمليات نحو مرحلة الحسم؟ رغم المؤشرات الميدانية التي تعكس تغيراً في ميزان العمليات، فإن الحديث عن حسم الحرب خلال فترة زمنية محددة يظل مطلب كل الشعب السوداني والذي بات قريبا من مشاهد وبيانات الوقائع المؤكدة.
فالحروب الممتدة تتأثر بعوامل عديدة، تشمل القدرة على الإمداد، وحجم القوات، والتطورات السياسية، والدعم الخارجي، والظروف الإنسانية، وهي عناصر قد تؤثر في مسار العمليات العسكرية.
مستقبل العمليات العسكرية
إذا استمرت القوات المسلحة السودانية في تنفيذ عمليات متزامنة تستهدف مراكز القيادة وخطوط الإمداد، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغط العسكري على مليشيات الدعم السريع، خاصة في المناطق التي تعتمد على الإمداد البري لمسافات طويلة. فالمؤكد أن خريطة الحرب تشهد تحولاً واضحاً؛ إذ انتقلت العمليات من الدفاع واستعادة المدن إلى هجمات متزامنة على عدة محاور، مع تركيز متزايد على استنزاف القدرات اللوجستية، وهو تحول قد يكون من أبرز سمات المرحلة الحالية من الحرب .