التضخم في السودان يقفز إلى 51.28%.. أزمة اقتصادية متفاقمة

متابعات محمد جمال قندول

كشفت بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء عن تصاعد لافت في وتيرة التضخم بالسودان، حيث بلغ المعدل السنوي لشهر يونيو الماضي 51.28%، مقارنة بـ44.50% خلال مايو المنصرم، في مؤشر يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطنون.

ويأتي هذا التصاعد متزامناً مع تراجع سعر صرف الجنيه السوداني، وسلسلة من المتغيرات الاقتصادية التي فرضت واقعاً معيشياً بالغ الصعوبة على الأسر السودانية في مختلف الولايات.

فجوة كبيرة بين الحضر والريف

وأظهرت الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء تفاوتاً واضحاً بين المناطق الحضرية والريفية، إذ قفز معدل التضخم في المدن إلى 51.81% خلال يونيو، مقارنة بـ41.11% في مايو، في حين سجلت المناطق الريفية نسبة 51.06%، مقابل 46.83% في الشهر السابق.

واستند المسح إلى رصد أسعار 663 سلعة استهلاكية، تصدرت فيها مجموعة الأغذية والمشروبات قائمة السلع الأكثر استنزافاً لدخل الأسرة السودانية، بنسبة بلغت 52.89% من إجمالي الإنفاق الشهري.

كردفان والبحر الأحمر في صدارة الارتفاع

وعلى مستوى الولايات، تصدرت ولاية شمال كردفان قائمة أعلى الزيادات في معدل التضخم بنسبة 29.09%، تلتها ولاية البحر الأحمر بنسبة 27.53%، بينما جاءت ولاية غرب كردفان في المرتبة الأخيرة بأدنى نسبة زيادة بلغت 1.07% فقط.

في المقابل، شهدت بعض الولايات تراجعاً ملحوظاً في معدلات التضخم، إذ انخفضت النسبة في ولاية نهر النيل بمقدار 38.20%، وفي شمال دارفور بنسبة 21.42%، وفي جنوب كردفان بنسبة 7.43%، فيما واصلت بقية الولايات مسار الارتفاع.

يُذكر أن البلاد تشهد اضطراباً اقتصادياً متواصلاً منذ تمرد الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل 2023 بقيادة حميدتي ، وسط جهود متواصلة من القوات المسلحة والقوات المساندة لها لإفشال مخططات هذا التمرد المدعوم من أطراف خارجية.

تضخم الحرب".. تفسير اقتصادي لظاهرة متصاعدة

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي أن التضخم بحد ذاته ظاهرة معتادة في أي اقتصاد، غير أن تجاوزه حاجز 10% يُعد مؤشراً خطيراً على تدهور الأوضاع المعيشية. وأشار إلى أن أزمة التضخم في السودان ليست وليدة عوامل خارجية فحسب، بل تمثل خللاً هيكلياً عميقاً متجذراً في بنية الاقتصاد الوطني، لم يجد له علاجاً حاسماً حتى اللحظة.

وأضاف أن الإجراءات الاقتصادية المتبعة، بما فيها السياسات المرتبطة بتوجيهات صندوق النقد الدولي، لم تنجح في معالجة الأزمات المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني، معتبراً أن تعويم العملة وتراجع قيمتها ليسا سوى انعكاسات جانبية لاقتصاد يصارع تحديات وجودية منذ سنوات طويلة.

ووصف فتحي الوضع الراهن بأنه يندرج تحت مسمى "تضخم زمن الحرب"، وهي حالة ترتبط بالارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات نتيجة تعطل سلاسل الإمداد، وتدمير المرافق الأساسية، وتصاعد الإنفاق العسكري، إضافة إلى لجوء الدولة لطباعة العملة لتغطية النفقات، وهو ما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطن.

اقتصاد حرب.. أولويات جديدة

وأكد الخبير أن الاقتصاد السوداني تحول بشكل تدريجي إلى نمط "اقتصاد الحرب"، حيث أصبحت أولوية الدولة الأولى تأمين احتياجات أساسية مثل الوقود والغذاء، في ظل تباطؤ ملحوظ بمعظم القطاعات الإنتاجية. ورغم ذلك، تمكن الاقتصاد من الصمود وتجنب الانهيار الكامل.

وأرجع فتحي هذا الوضع إلى تراجع الإنتاج المحلي بفعل الحرب، ما زاد الاعتماد على الاستيراد، بالتوازي مع تمويل عجز الموازنة عبر طباعة النقود دون غطاء إنتاجي حقيقي يقابل الكتلة النقدية الجديدة. كما أشار إلى أن رفع أسعار المحروقات دون بدائل واضحة ساهم في تصاعد تكاليف الإنتاج والنقل، وأدى إلى تعطل قطاعات حيوية كالزراعة والصناعة. وشدد الخبير على أن الخروج من هذه الأزمة يستوجب استراتيجية اقتصادية طويلة المدى، ترتكز على تنشيط القطاعات الإنتاجية، وضبط حركة السوق، وتحقيق استقرار نقدي مستدام، باعتبار ذلك الطريق الوحيد لاستعادة عافية الاقتصاد السوداني تدريجياً.

الجبايات العشوائية تُثقل كاهل المشاريع الصغيرة

وفي سياق متصل، أوضح فتحي أن انتشار الجبايات الحكومية المتعددة وغير المنظمة، التي حلت محل نظام ضريبي عادل وواضح، كان له أثر مباشر في تفاقم معدلات التضخم. وأضاف أن هذه الجبايات ساهمت في إغلاق العديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ودفعت أصحابها إلى الخروج من السوق، فضلاً عن ارتفاع معدلات التهرب الضريبي، وهو ما حرم الاقتصاد السوداني من أحد أهم روافد النمو.