الطاقة الشمسية في السودان: من أزمة كهرباء إلى فرصة اقتصادية بمليارات الدولارات
تحقيق خاص سودان ون
يقف السودان، أحد أكثر دول العالم سطوعًا بأشعة الشمس، أمام مفارقة صارخة: بلد يحظى بأكثر من 300 يوم مشمس سنويًا ومعدلات إشعاع شمسي تتراوح بين 5.5 و7.5 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا، لا يزال يعتمد الطاقة الشمسية بأقل من 1% من مزيجه الكهربائي.
فجوة الكهرباء بالأرقام
بلغت القدرة الكهربائية الإجمالية المركّبة في السودان نحو 3.5 غيغاواط قبل الحرب، يشكل التوليد المائي والحراري نحو 54.6% منها، مقابل حصة لا تتجاوز 0.23% للطاقة الشمسية و0.02% لطاقة الرياح. وبحلول عام 2022، بلغ الطلب على الكهرباء نحو 3800 ميغاواط مقابل قدرة توليد فعلية لم تتجاوز 2799 ميغاواط، أي بعجز يقارب 1000 ميغاواط، لا يصل خلاله التيار سوى إلى 56% من السكان، وهي نسبة أقل بكثير من المعدل العالمي البالغ 89%. ووفق تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في مارس 2026 بعنوان "سلاسل قيمة الطاقة الشمسية في السودان"، فإن الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء الوطنية جراء الحرب تُقدَّر بنحو 3 مليارات دولار، في وقت انكمش فيه الاقتصاد السوداني بأكثر من 40%.
أين يقف السودان مقارنة بالعالم؟
تكشف بيانات مقارنة حجم الفجوة الحقيقية: تبلغ القدرة الشمسية المركّبة في السودان نحو 190 ميغاواط فقط، مقابل متوسط عالمي يبلغ 7.49 غيغاواط للدولة الواحدة. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، جاء السودان في المرتبة الخامسة عربيًا من حيث القدرة الكهربائية النظيفة المركّبة حتى نهاية عام 2022 – متأخرًا عن دول مثل مصر والمغرب والإمارات، التي راهنت مبكرًا على مشاريع شمسية عملاقة مثل مجمع "نور" في ورزازات ومحطة "بنبان" في أسوان. أما في دول الجوار الأكثر هشاشة، فالمقارنة تُظهر أن جنوب السودان، حيث لا يصل الكهرباء الشبكي إلا إلى 1% من السكان، لا يتجاوز إنتاجه الشمسي 38.4 ميغاواط، ما يضع السودان في موقع متقدم نسبيًا رغم الأزمة، لكنه بعيد كل البعد عن استغلال إمكاناته الفعلية.
خريطة المشاريع القائمة قبل اندلاع الحرب، كان السودان قد أطلق خمسة مشاريع شمسية رئيسية شكّلت نواة استراتيجية أوسع، أبرزها: - محطة دنقلا الشمسية (20 ميغاواط) - محطة شركة كنانة للسكر (40 ميغاواط) - محطة الفاشر الشمسية (5 ميغاواط) - مشروع الري الشمسي في شندي والمتمة (459 كيلوواط) - محطة "MAS" الصناعية في عطبرة وترتفع القدرة الإجمالية لمشاريع الطاقة الشمسية القائمة والجاري تنفيذها في البلاد إلى نحو 200 ميغاواط، يتركز أغلبها في ولاية الخرطوم (7.1%) تليها دارفور (6%) وكردفان (4.9%) وشرق السودان (3.1%) ووسط السودان (2.7%).
الأثر الإنساني: من الإنارة إلى الزراعة والصحة
على مدى السنوات الخمس الماضية، مول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تركيب نحو 300 منظومة شمسية للمياه بين الري والاستخدام المنزلي، وحوّل 110 مرافق صحية وثلاثة مراكز نسائية إلى الطاقة الشمسية، ما أفاد نحو 800 ألف شخص وخفض تكاليف التشغيل بنسبة وصلت إلى 70% مقارنة بالاعتماد على الديزل.
لماذا تعثر الاستثمار رغم الوفرة؟
يرجع تقرير الأمم المتحدة الإنمائي ضعف الاستثمار في القطاع إلى عوامل هيكلية سبقت الحرب: تعرفة كهرباء لا تغطي تكلفة الإنتاج، وتدهور قيمة الجنيه السوداني، واعتماد شبه كامل على استيراد المعدات. ورغم إقرار قانون تشجيع الاستثمار عام 2013، فإن عدم الاستقرار الاقتصادي أبقى القطاع الخاص متحفظًا، فيما ضاعف رفع دعم الوقود عام 2020 من معدلات التضخم التي قاربت 400% دون شبكة حماية اجتماعية كافية.
خارطة طريق مقترحة
يجمع خبراء الطاقة والاقتصاد على أن تسريع التحول الشمسي في السودان يتطلب: - إعفاء معدات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية - تمويلًا مصرفيًا ميسرًا للأسر والمزارعين - تشريعات تتيح بيع فائض الكهرباء المنزلية للشبكة القومية (نظام "القياس الصافي") - تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي في تصنيع مكونات الأنظمة الشمسية محليًا - توسيع برامج تدريب الفنيين وخدمات الصيانة
خلاصة
يمتلك السودان، نظريًا، كل مقومات التحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة: إشعاع شمسي يفوق منافسيه الإقليميين، ومساحات شاسعة غير مستغلة، وحاجة ماسة تفرضها أزمة الكهرباء. لكن الفجوة بين هذه الإمكانات المعلنة وواقع 190 ميغاواط فقط من القدرة المركبة، تكشف أن المسافة إلى تحقيق ذلك الطموح لا تزال طويلة، وتتوقف على قرارات تشريعية وتمويلية أكثر مما تتوقف على وفرة الشمس نفسها.
المصادر: تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "سلاسل قيمة الطاقة الشمسية في السودان" (مارس 2026)، الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، مجلة Engineering Reports (2025)، بيانات TheGlobalEconomy.com.