ظاهرة المثلية في السودان بين الغزو الثقافي والتحصين القانوني والاجتماعي

الخرطوم — سودان ون

يواجه المجتمع السوداني المحافظ في الآونة الأخيرة تحدياً متصاعداً يمس هوية كيانه وقيمه الراسخة، حيث برزت ظاهرة المثلية الجنسية كقضية أثارت قلقاً بالغاً لدى الدوائر التربوية والدينية والاجتماعية.

فبينما كانت هذه الممارسات تُحاط بالسرية التامة والتجريم المطلق، تشهد الساحة اليوم محاولات مستحدثة لتحويلها إلى حراك علني يستهدف عقول الشباب، تحديا كل القوانين والقيم والأعراف، مما يدق ناقوس الخطر حول مستقبل التماسك المجتمعي في البلاد.

1. الإطار القانوني:

ملاحقة وتجريم صارم تُعد المثلية الجنسية في السودان من المحظورات القانونية القاطعة التي لا تهاون فيها. فالقانون الجنائي السوداني يجرّم العلاقات الجنسية المثلية بشكل مباشر وصريح، وتحديداً وفقاً للمادة (148) لعام 1991، والتي تحظر وتُعاقب على فعل (اللواط).

وتتدرج العقوبات المنصوص عليها في المنظومة العقابية لتصل في أقصاها إلى عقوبة الإعدام، إلى جانب إقرار عقوبات تكميلية ورادعة للأفعال المرتبطة بالممارسات المثلية تشمل الجلد والغرامة المالية، مما يعكس صرامة المشرّع في حماية الأخلاق العامة.

2. الواقع ونظرة المجتمع:

رفض مطلق وعزلة مفروضة على الصعيد الاجتماعي، يصطدم أي سلوك شاذ برفض شعبي جارف؛ إذ ينظر المجتمع السوداني بمختلف مكوناته إلى المثلية كظاهرة مرفوضة تماماً من الناحيتين الدينية والثقافية، ولا يحظى ما يُسمى "مجتمع الميم" (LGBT) بأي نوع من الاعتراف القانوني أو الحقوقي أو حتى التعاطف المجتمعي. ونتيجة لهذا التجريم الصارم والنفور الشعبي، كان الشواذ والمنتمون لهذه الفئات يممارسة حياتهم في سرية تامة وتكتم شديد، خشية التعرض للملاحقة القانونية، أو التمييز، أو العنف المجتمعي.

ولكن اليوم نعيش حالة من المجاهرة متحدين (الكل) أما على مستوى التغطية الإعلامية، فقد ظل الطرح التقليدي للموضوع نادراً للغاية في وسائل الإعلام العامة، وغالباً ما يتم تناوله حصراً من منظور الرفض والتحذير بوصفه سلوكاً غريباً ومخالفاً للتقاليد.

خلفية تاريخية

إن التحذير من هذه الظواهر ليس وليد اليوم؛ فبالعودة إلى سجلات البرلمان السوداني، عبّر نواب الشعب في جلسة مشهودة بتاريخ 2 مايو 2013 عن قلقهم البالغ حيال مؤشرات ارتفاع معدلات زواج المثليين وتفشي الإصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، ووجهوا وزارة الإرشاد والأوقاف بضرورة تحمل مسؤولياتها كاملة في العمل الدعوي وتزكية المجتمع.

3. دوافع ومظاهر الانتشار:

من السرية إلى علانية الفضاء الرقمي:

يتجاوز الخطر الحالي مجرد ممارسات فردية منزوية، ليتخذ طابع "الغزو الثقافي" المنظم والمستهدف لقيم الأسرة. فقد استغل مروجو هذه الظاهرة الفضاء الرقمي المفتوح وشبكات التواصل الاجتماعي لتتحول إلى منصة للمجاهرة والاستعراض؛ ، مستندين إلى دعم ترويجي من بعض الوسائط الرقمية التي تسعى لتقديمهم كـ"نماذج للحرية والانفتاح".

وتكمن خطورة هذه الديناميكية الجديدة في استهدافها المباشر لقطاع الشباب، عبر تمرير رسائل مضللة تقنعهم بأن التمرد على الفطرة هو طريق "للتحرر" والانطلاق، وفي المقابل تصوير الالتزام بالأخلاق والدين وكأنه رمز للتخلف والقيود. هذا الاختراق الأخلاقي لم يعد يهدد الأفراد بعينهم بل امتد ليهز كيان الأسرة السودانية، من خلال الترويج لأوهام مفادها أن الشاب "المثلي" يعيش حياة أفضل، مما يخلق صراعاً مريراً بين الأجيال ويضعف الروابط الأسرية، ويدفع ببعض الشباب للتعاطف مع تلك السلوكيات تحت لافتة "حرية التعبير"، دون وعي منهم بأنهم يساهمون في تدمير ركائز مجتمعهم.

4. المسؤولية المؤسسية:

غياب الفاعلية ودق ناقوس الخطر أمام هذا الاستشراء والتحدي الصارخ على منصات التواصل، يبرز تساؤل جوهري حول دور الدولة ومؤسساتها: أين هو خطاب رجال الدين والمثقفين؟ ولماذا تُترك الساحة الإعلامية فضاءً مفتوحاً تذوب فيه الهوية، بينما تُحاصر الأصوات المدافع عن الأخلاق؟

إن الصمت الراهن من قِبل المؤسسات الدينية والاجتماعية والرسمية يمنح إشارات خاطئة تشجع على تفشي السلوكيات الشاذة، ويُظهر المجتمع في حالة استسلم غير مبررة أمام هذا الغزو الأخلاقي. 5. الحلول المقترحة ومسارات المواجهة لمواجهة هذا الخطر المحدق بالأمة السودانية، وتدارك الموقف قبل فوات الأوان، يتطلب الأمر حزمة من الإجراءات والحلول الفورية والشاملة:

1/ تشديد الرقابة الإعلامية والرقمية:

الحظر التام والمنع البات لأي محتوى يروّج للمثلية الجنسية عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو يسعى لإظهارها بشكل إيجابي أو طبيعي.

2/ المواجهة القانونية الصارمة:

سن وتفعيل تشريعات وقوانين صارمة ورادعة تلاحق أصحاب السلوك الشاذ والمروجين له، وتفعيل الآليات القانونية لملاحقتهم عبر وسائل التواصل.

3/ التوعية الدينية والاجتماعية الشاملة:

تعزيز الخطاب الدعوي والإرشادي الذي يبيّن حرمة هذه الأفعال، وتكثيف الحملات التوعوية لتعريف الشباب بمخاطرها الصحية والنفسية الكارثية.

4/ إعادة الاعتبار لدور الأسرة:

في ظل تراجع الدور الرقابي للمجتمع الذي كان يستنكر القبيح وأصبح يكتفي بالتفرج الآن، يتعين على الآباء تعزيز الحوار المصارح والمستمر مع الأبناء لتحصينهم داخلياً ضد الأفكار الدخيلة. إن ظاهرة المثلية ليست "حرية شخصية" كما يحاول مروجوها تصويرها، بل هي اختراق منظم للقيم وتدمير للأديان.

وإذا استمر الصمت والتغاضي، فإنها ستتحول بلا شك إلى كارثة أخلاقية تقضي على ما تبقى من تماسك. لقد آن الأوان ليقف الجميع — حكومةً وشعباً، مؤسسات وأفراداً — سداً منيعاً في وجه هذا الانحراف حمايةً للهوية السودانية وقيمنا التي حافظت على تماسك مجتمعنا لقرون.