الموسم الزراعي الصيفي في السودان 2026.. تأخر التمويل وارتفاع تكلفة الإنتاج يهددان الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني
الخرطوم – تقرير خاص سودان ون
يواجه الموسم الزراعي الصيفي في السودان 2026-2027 تحديات غير مسبوقة تهدد مستقبل الإنتاج الزراعي في السودان، في ظل استمرار تأخر التمويل الزراعي، وارتفاع أسعار الجازولين والمدخلات الزراعية، إلى جانب أزمات الري ونقص التقاوى المعتمدة، وهو ما يثير مخاوف واسعة من تراجع الإنتاج وانعكاساته المباشرة على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.
ويحذر خبراء ومزارعون من أن ضيق الوقت قبل بداية موسم الأمطار يقلص فرص إنجاز عمليات التحضير، بينما لا تزال ملفات الوقود والتمويل والأسمدة والتقاوى تواجه عراقيل كبيرة قد تؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة وخفض إنتاج المحاصيل الاستراتيجية.
أزمة الجازولين تضاعف تكلفة الإنتاج الزراعي
تمثل أسعار الجازولين في السودان العقبة الأكبر أمام آلاف المزارعين، خاصة في ولاية القضارف التي تعد من أكبر مناطق إنتاج الذرة والسمسم والحبوب الزيتية.وأدى عدم إجازة مقترح لتوفير وقود زراعي مدعوم إلى استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة، حيث بلغ سعر برميل الجازولين نحو 1.85 مليون جنيه داخل محطات الوقود، بينما يقترب من مليوني جنيه بعد إضافة تكاليف النقل والرسوم.
ويؤكد مزارعون أن وصول الوقود إلى المشاريع الزراعية قبل هطول الأمطار يعد أمراً حاسماً، إذ تتحول الطرق إلى أوحال خلال موسم الخريف، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل ويزيد من تكلفة الإنتاج الزراعي بصورة كبيرة. ويرى عدد من المنتجين أن استمرار هذه الأزمة سيدفع كثيراً من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو إلغاء بعض العمليات الزراعية الأساسية، الأمر الذي يهدد حجم الإنتاج هذا الموسم.
ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وتذبذب سعر الصرف
لا تقتصر التحديات على الوقود، إذ تشهد المدخلات الزراعية من أسمدة ومبيدات وتقاوى زيادات متواصلة بسبب ارتفاع الأسعار وتذبذب سعر صرف الجنيه السوداني. ويؤكد مختصون أن بعض موردي المدخلات أوقفوا عمليات البيع انتظاراً لاستقرار السوق، بينما لجأ بعض المزارعين إلى شراء منتجات مجهولة المصدر، الأمر الذي يهدد جودة المحاصيل ويزيد المخاطر البيئية والزراعية.
مشروع الجزيرة يواجه تحديات الري والاستعداد للموسم
وفي مشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي مروي في السودان، ما تزال مشكلات الري وارتفاع تكاليف التحضير تلقي بظلالها على الموسم الجديد. ويشير خبراء إلى أن آثار الحرب، إلى جانب ضعف البنية التحتية للري، ساهمت في انخفاض معدلات تجهيز الأراضي، وهو ما قد يؤثر على الإنتاج إذا لم تتم معالجة هذه التحديات بصورة عاجلة.
التمويل الزراعي.. مطالب بالإسراع قبل فوات الموسم
طالب مزارعو الجزيرة والمناقل خلال لقاء مع البنك الزراعي السوداني بالإسراع في توفير التمويل الزراعي، مؤكدين أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى ضياع المواعيد الزراعية المناسبة. كما دعا المنتجون إلى توجيه التمويل مباشرة عبر جمعيات الإنتاج الزراعي لضمان وصوله إلى المزارعين الحقيقيين، بدلاً من تسربه إلى جهات أخرى.
من جانبه، أعلن البنك الزراعي استمرار تمويل الموسم الزراعي الصيفي، واعتماد التمويل عبر جمعيات الإنتاج الزراعي والحيواني، إضافة إلى إطلاق برنامج لتمويل الجرارات والآليات الزراعية لتعويض خسائر الحرب وتعزيز القدرة الإنتاجية.
سعر السلم يثير جدلاً بين المزارعين
حدد البنك الزراعي سعر السلم لجوال الذرة عند 150 ألف جنيه، إلا أن القرار أثار تبايناً وسط المزارعين. فبينما يرى البعض أن السعر مقبول في ظل الظروف الحالية، يؤكد آخرون أنه لا يغطي الزيادة الكبيرة في أسعار الوقود والمدخلات الزراعية، مطالبين برفع السعر إلى 200 ألف جنيه للجوال لضمان تحقيق عائد اقتصادي مجزٍ.
نقص التقاوى يهدد إنتاج المحاصيل
تشكل أزمة التقاوى المعتمدة تحدياً إضافياً أمام الموسم الزراعي، بعد تضرر شركات الإنتاج المحلية بسبب الحرب، إلى جانب ارتفاع تكلفة الاستيراد وتعطل سلاسل الإمداد. ويضطر بعض المزارعين إلى استخدام تقاوى غير معتمدة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وتراجع جودة المحاصيل الزراعية.
الأمن الغذائي والاقتصاد السوداني على المحك
يرى اقتصاديون أن نجاح الموسم الزراعي في السودان يتجاوز كونه قضية تخص المزارعين، إذ يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني، الذي يعتمد على الزراعة في توفير الغذاء، وزيادة الصادرات، وتأمين النقد الأجنبي، وخلق فرص العمل.
ويحذر الخبراء من أن أي تراجع في الإنتاج الزراعي سيؤدي إلى انخفاض الصادرات الزراعية، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وزيادة معدلات التضخم، بما يفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين.
دعوات للمحاسبة وتعزيز الشفافية
طالب مزارعون وخبراء بإجراء مراجعة شاملة للاستعدادات الخاصة بالموسم الزراعي، وتقييم أداء الجهات التنفيذية والتمويلية، والكشف عن أسباب تأخر التمويل والوقود والخدمات الزراعية. كما دعوا إلى إعلان نتائج المراجعة للرأي العام، واتخاذ إجراءات قانونية وإدارية بحق أي جهة يثبت تقصيرها، بما يعزز الشفافية ويحافظ على القطاع الزراعي باعتباره أحد أهم ركائز التنمية في السودان.
مستقبل الموسم الزراعي في السودان 2026
ومع اقتراب انطلاق الموسم الزراعي الصيفي في السودان 2026، يبقى نجاحه رهيناً بسرعة توفير التمويل، وضمان انسياب الوقود، وتأمين التقاوى والأسمدة، ومعالجة مشكلات الري، حتى يتمكن المزارعون من استغلال الموسم بالشكل الأمثل.
فالزراعة تمثل خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي في السودان، كما تشكل ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الصادرات وتحقيق الاستقرار المعيشي، فيما قد يؤدي أي تأخير في معالجة التحديات الحالية إلى آثار اقتصادية واجتماعية تمتد إلى ملايين السودانيين.