الإدارة الأهلية في السودان.. بين حماية السلم الاجتماعي وتحديات الحرب والتسييس

تحقيق | سودان واحد – الخرطوم

تمثل الإدارة الأهلية في السودان إحدى أقدم المؤسسات المجتمعية التي لعبت دورًا محوريًا في حفظ الأمن والاستقرار وإدارة شؤون القبائل على امتداد البلاد. ورغم التحولات السياسية التي شهدها السودان خلال العقود الماضية، ظلت هذه المؤسسة حاضرة في المشهد، قبل أن تضعها الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 أمام أكبر اختبار في تاريخها الحديث.

فهل لا تزال الإدارة الأهلية صمام أمان يحفظ وحدة المجتمع السوداني؟ أم أن التسييس والصراعات المسلحة حولتها إلى جزء من الأزمة؟

الإدارة الأهلية في السودان.. جذور تاريخية عميقة:

ترجع جذور الإدارة الأهلية إلى ممالك وسلطنات السودان القديمة، مثل سلطنة سنار وسلطنة دارفور وسلطنة تقلي والمسبعات، حيث كانت القبائل تدير شؤونها عبر نظم اجتماعية راسخة تقوم على الزعامة التقليدية وملكية الأرض المعروفة بالحواكير أو الديار.

اعتمد هذا النظام على عنصرين رئيسيين؛ الأول هو الارتباط التاريخي بالأرض، والثاني انتقال الزعامة بالوراثة وفق الأعراف المحلية، وهو ما منح القيادات الأهلية شرعية اجتماعية اكتسبتها عبر الأجيال، بعيدًا عن التعيينات الحكومية أو الحسابات السياسية. ومع دخول الإدارة البريطانية إلى السودان، لم يتم إلغاء هذا النظام، بل جرى تنظيمه رسميًا وإطلاق اسم "الإدارة الأهلية" عليه، لتصبح جزءًا من هيكل الحكم المحلي، وهو ما منحها اعترافًا رسميًا، لكنه فتح في الوقت نفسه الباب أمام استخدامها لخدمة السلطة المركزية.

لماذا لا تزال الإدارة الأهلية مؤثرة؟ :

رغم توسع مؤسسات الدولة الحديثة، بقيت الإدارة الأهلية تمثل المرجعية الأقرب للمجتمعات المحلية، خاصة في الولايات والأقاليم البعيدة عن المركز. فقد اضطلعت لعقود بمهام فض النزاعات القبلية، وتحقيق المصالحات، وتنظيم استخدام الأراضي، والمشاركة في جباية الزكاة والضرائب، إضافة إلى دعم جهود التنمية المحلية.

ويرى كثير من الباحثين أن نجاح الإدارة الأهلية يعود إلى قربها من المجتمع ومعرفتها الدقيقة بالعادات والتقاليد، وهو ما جعل قراراتها تحظى بقبول واسع بين المواطنين. البرهان يؤكد أهمية الإدارة الأهلية في ظل الحرب التي يشهدها السودان، عاد الحديث بقوة عن أهمية الإدارة الأهلية، بعدما استقبل رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وفودًا من قيادات قبيلتي الهدندوة والبني عامر، مؤكدًا أن الإدارة الأهلية تمثل إحدى ركائز حماية وحدة السودان وتعزيز السلم الاجتماعي.

وأكدت قيادات القبيلتين خلال اللقاء تمسكها بوحدة الصف ورفضها لمحاولات إثارة الفتن القبلية، مشددة على دعمها لاستقرار البلاد والحفاظ على النسيج الاجتماعي في شرق السودان. ويعكس هذا المشهد استمرار اعتماد الدولة على القيادات التقليدية في احتواء الأزمات، خاصة في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة.

دور وطني لا يمكن تجاهله

لعبت الإدارة الأهلية أدوارًا وطنية بارزة في تاريخ السودان، ولم يقتصر دورها على إدارة القبائل فقط، بل شاركت في الحياة السياسية خلال مراحل مفصلية من تاريخ البلاد.

ومن أبرز الأمثلة الناظر عبد الرحمن دبكة، الذي يُنسب إليه تقديم أول مقترح لاستقلال السودان داخل الجمعية التأسيسية عام 1955، في دلالة واضحة على الدور الوطني الذي لعبته القيادات الأهلية في بناء الدولة السودانية.

كما ارتبطت القيادة الأهلية تاريخيًا بقيم الحكمة والحياد والكرم والشجاعة والقدرة على الإصلاح بين المتخاصمين، وهي صفات أسهمت في ترسيخ مكانتها داخل المجتمع. كيف أثرت الأنظمة السياسية على الإدارة الأهلية؟

شهدت الإدارة الأهلية تحولات كبيرة بعد استقلال السودان، إذ سعت الحكومات المتعاقبة إلى إخضاعها للسلطة السياسية. ففي عهد الفريق إبراهيم عبود بدأت أولى محاولات تقليص نفوذها، بينما أصدر الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1970 قرارات بحل الإدارة الأهلية ونقل ملكية الحواكير إلى الدولة، ما أحدث فراغًا إداريًا واسعًا في مناطق الريف. وعادت الإدارة الأهلية مجددًا خلال ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن عودتها ارتبطت بالصراعات الحزبية والاستقطاب السياسي. أما خلال فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير، فقد تعرضت الإدارة الأهلية لعملية احتواء سياسي واسعة، حيث جرى استقطاب العديد من القيادات التقليدية وربطها بالمؤتمر الوطني، الأمر الذي أضعف حيادها التاريخي وأثر على مكانتها المجتمعية.

الحرب في السودان تكشف الأزمة :

مثلت الحرب في السودان نقطة تحول كبيرة في مسيرة الإدارة الأهلية، بعدما انخرط عدد من الزعماء القبليين في دعم أطراف النزاع، سواء عبر التعبئة أو الحشد أو المواقف السياسية. وأدت هذه التطورات إلى إعفاء عشرات السلاطين والنظار والعمد في دارفور من مناصبهم، وسط اتهامات بالانحياز والمشاركة في عمليات التجنيد، وهو ما اعتبره مراقبون أخطر أزمة تواجه الإدارة الأهلية منذ تأسيسها.

ويرى خبراء أن فقدان الحياد أضعف الدور التقليدي لهذه المؤسسة، التي كانت تُعرف تاريخيًا بقدرتها على الوساطة وإطفاء النزاعات بعيدًا عن الاصطفافات السياسية والعسكرية.

مستقبل الإدارة الأهلية.. الإصلاح أم الإلغاء؟

ينقسم السودانيون اليوم حول مستقبل الإدارة الأهلية. فبينما يدعو البعض إلى إنهاء هذا النظام باعتباره يعزز القبلية ويعيق بناء الدولة المدنية، يرى آخرون أن إلغائه سيخلق فراغًا كبيرًا في المناطق الريفية، خاصة في ظل ضعف مؤسسات الحكم المحلي.

ويطرح عدد من المختصين خيار الإصلاح باعتباره الحل الأكثر واقعية، من خلال إصدار قوانين تضمن استقلال الإدارة الأهلية عن الأحزاب والقوى السياسية، وتعزيز الشفافية، وتحديد صلاحياتها، مع إشراكها في جهود المصالحة المجتمعية دون تحويلها إلى أداة للصراع السياسي. كما تشير تجارب دول أفريقية مثل بوتسوانا وغانا إلى نجاح نماذج تجمع بين المؤسسات التقليدية وأجهزة الدولة الحديثة، بما يحقق توازنًا بين الشرعية المجتمعية ومتطلبات الحكم الرشيد.

هل تستعيد الإدارة الأهلية دورها؟

يبقى مستقبل الإدارة الأهلية في السودان مرتبطًا بمستقبل الدولة نفسها. فإذا نجحت مؤسسات الدولة في ترسيخ سيادة القانون وبناء مؤسسات قوية، يمكن للإدارة الأهلية أن تستعيد دورها الطبيعي كوسيط اجتماعي وشريك في حفظ الأمن والاستقرار.

أما إذا استمرت حالة الاستقطاب السياسي والنزاعات المسلحة، فإن هذه المؤسسة ستظل عرضة للتوظيف والانقسام، وهو ما يهدد واحدًا من أهم مكونات النسيج الاجتماعي السوداني. وفي ظل التحديات الراهنة، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والإدارة الأهلية على أسس الاستقلال والحياد، حتى تستعيد دورها التاريخي في تعزيز السلم الاجتماعي، وتسهم في بناء سودان أكثر استقرارًا ووحدة.