المرأة السودانية: من عرش (الكنداكة) إلى شوارع التغيير

ثمة خيط رفيع يسري في نسيج الشخصية السودانية، خيط يجمع بين الصلابة والرقة معاً، وحين تتأمله جيداً تدرك أن يداً أنثوية هي التي نسجته على مرّ العصور. الحديث عن المرأة السودانية ليس ترفاً فكرياً ولا استعراضاً لمصطلحات التحرر الدارجة، بل هو قراءة في العمود الذي استند عليه وادي النيل حين كانت الريح تعصف بكل شيء.

المرأة السودانية (الكنداكة).. لقب يحمل ثقل التاريخ

حين تقرأ في تاريخ مملكة مروي، يستوقفك شيء لا تجده بسهولة في حضارات أخرى: امرأة تقف على رأس السلطة لا بوصفها زينة للعرش، بل بوصفها العرش ذاته. كلمة (كنداكة) لم تكن لقباً تشريفياً يُمنح في المناسبات، كانت تعني الملكة الحاكمة، تلك التي تُدير الحرب والسلم، وتُنقش صورتها على جدران المعابد وهي تُروّض الأعداء.

ما يلفت الانتباه أن هذا الإرث لم يتبخر مع اندثار الممالك القديمة. بل استقر في اللاوعي الجمعي، وتحوّل من قيادة الجيوش إلى شيء أكثر هدوءاً لكنه لا يقل حضوراً، كقيادة البيوت والمجتمعات في لحظات الانكسار، فالهيبة التي تتمتع بها الجدة السودانية داخل أسرتها ليست عادة اجتماعية عابرة، هي امتداد لتلك الملكات اللواتي حكمن يوماً ما على ضفاف النيل.

داخل البيت السوداني.. قيادة لا تحتاج إلى إعلان

من يدخل بيتاً سودانياً، يلاحظ شيئاً يصعب وصفه بدقة، فثمة محرك صامت يُشغّل كل شيء، وهو في الغالب امرأة. هي التي تُوازن الميزانية حين تضيق الأحوال، وتحفظ خيوط العلاقات الاجتماعية من الانقطاع عبر ما يسمى الواجب، تلك الشبكة المتشابكة من الحضور في الأفراح والأتراح التي تجعل المجتمع كتلة واحدة لا تتفكك.

هذا الدور لا يستهان به. تحويل الشحّ إلى كفاية، وإدارة الأزمات اليومية بهدوء العارف، مهارة قيادية من طراز رفيع.

المرأة السودانية والتعليم: التعليم لم يكن هبة.. كان انتزاعاً

لم تنتظر المرأة السودانية أن تُفتح لها الأبواب، بل طرقتها حتى انفتحت. منذ أن آمن (بابكر بدري) بحق بناته في التعليم في مطلع القرن الماضي، بدأت رحلة لم تتوقف. والسودان في هذا السياق كان سبّاقاً بين دول المنطقة، إذ عرف القاضية والطبيبة والبرلمانية في عقود مبكرة تسبق ما حققته كثير من المجتمعات المجاورة.

المجتمع السوداني رغم محافظته يحترم نوعاً محدداً من النساء: تلك التي تفرض نفسها بعلمها لا بصوتها، وتكسب احترامها بجدارتها لا بجدل. وربما هذا التوازن الدقيق بين الموروث الاجتماعي والطموح الفردي هو ما منح المرأة هناك قدرة على الاختراق دون أن تخسر انتماءها.

في الشارع.. حين تتكلم الكنداكة بصوت عالٍ

الأزمات كاشفة، وما شهده السودان في السنوات الأخيرة كشف معدناً لم يكن خافياً على المتأملين. حين ظهرت صور المرأة السودانية على الشاشات العالمية، واقفةً فوق أسطح السيارات، ثابتة أمام هزيع الخطر، لم يكن ذلك مشهداً فجائياً. كان ذروة تراكم طويل.

هي (الميارم) في دارفور، والبائعة في أسواق أم درمان، والطالبة في قاعات الجامعة. كلهن التقين في لحظة واحدة وقررن أن المطالبة بالحقوق لا تتجزأ: لا حقوقهن دون حقوق الوطن، ولا إصلاح جزئي يُرضي من اعتادت أسلافها إدارة الممالك. هذا الإصرار في مواجهة ظروف بالغة التعقيد يظل مثاراً للدهشة لكل من يرصده.

الواقع بكل ثقله.. والصمود بكل ألقه

لن تكون الصورة صادقة إن لم نقل إن المشهد ليس ورداً كله. المرأة السودانية اليوم تحمل أعباء مضاعفة: نزوح وحروب وفقر وغياب الأمان. نراها في مخيمات اللجوء تُربي أطفالها بما تجود به يد القدر، ونراها تُعيد بناء ما هدمته المدافع بيديها الاثنتين.

لكن المثير أنها في كل هذا لا تتخلى عن شيء يخصها: ابتسامتها، وثوبها الملوّن الذي يحمل ألوان قوس قزح رغم قتامة المشهد. هذا الصمود ليس مجرد تحمّل، هو نوع من العناد الجميل الذي يقول إن الحياة ستستمر وإن أصرّ البعض على إطفاء أضوائها.

المرأة السودانية : الهوية لم تكن يوماً قيداً

بعيداً عن السياسة، ثمة جانب آخر لا يُستهان به. الثوب السوداني، طقوس "الدخان"، نقوش الحناء، هذه ليست تفاصيل هامشية في حياة المرأة هناك، بل هي لغة تُعبّر بها عن هويتها وانتمائها وسط عالم يدفع نحو التشابه والنمطية. اعتزازها بهذه الرموز لا يناقض قوتها، بل يُعمّق حضورها.

المرأة السودانية لا ترى تعارضاً بين أن تكون محاربة وأن تكون رقيقة. هذا المزيج هو تحديداً ما يجعلها شخصية لا تُستنسخ بسهولة.

الحديث عن السودان يبقى منقوصاً ما لم تكن المرأة في مركزه، هي لم تكن يوماً هامشاً في الأحداث، حتى حين آثرت الصمت كان صمتها يقول ما لا تقوله الخطب.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل سيُنصفها التاريخ بما يليق بما بذلته، أم ستظل بطولاتها حكايات تُروى في الجلسات الهادئة؟