الخطوط الجوية الإثيوبية تشترط وتثير جدلاً في السودان
أثارت قضية بيع تذاكر الخطوط الجوية الإثيوبية في السودان بالدولار الأمريكي جدلاً واسعاً داخل الأوساط الاقتصادية وقطاع الطيران، وسط تباين في وجهات النظر بين من يعتبر الإجراء ضرورة لحماية حقوق الشركة المالية، ومن يراه خطوة تمس السيادة النقدية وتزيد الأعباء على المواطنين.
وتأتي هذه الأزمة في ظل ظروف اقتصادية معقدة يمر بها السودان نتيجة تداعيات الحرب وتأثر النظام المصرفي وشح العملات الأجنبية، ما جعل ملف تحويل عائدات الشركات الأجنبية إلى الخارج من أكثر الملفات حساسية خلال الفترة الحالية.
أزمة التحويلات المالية وراء الخلاف
تواجه الخطوط الجوية الإثيوبية، مثل العديد من شركات الطيران الأجنبية العاملة في السودان، تحديات متزايدة تتعلق بتحويل إيراداتها إلى الخارج بالعملات الصعبة. وفي المقابل، يواجه بنك السودان المركزي ضغوطاً كبيرة بسبب محدودية احتياطيات النقد الأجنبي وصعوبة تلبية طلبات التحويل المتراكمة.
كما تبدي الشركة مخاوف من الاحتفاظ بأرصدة كبيرة بالجنيه السوداني لفترات طويلة، في ظل التقلبات المستمرة في سعر الصرف واحتمالات تراجع قيمة العملة المحلية، وهو ما تعتبره الشركات مخاطرة مالية تؤثر على أعمالها واستدامة نشاطها.
أهمية الخطوط الإثيوبية للسودان:
تمثل الخطوط الجوية الإثيوبية حالياً أكبر ناقل جوي أجنبي يعمل في السودان، وتلعب دوراً محورياً في ربط البلاد بالعالم عبر شبكة واسعة من الوجهات الدولية والإقليمية، ما يجعل استمرار عملياتها داخل السوق السوداني أمراً بالغ الأهمية للمسافرين وقطاع التجارة والاقتصاد.
مخاوف مشروعة للطرفين:
من جهة، تسعى الشركة إلى حماية أموالها وضمان إمكانية تحويل عائداتها دون خسائر ناتجة عن تقلبات العملة أو تأخير التحويلات.
ومن جهة أخرى، تخشى السلطات السودانية من أن يؤدي بيع التذاكر بالدولار النقدي داخل البلاد إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية خارج القنوات الرسمية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على سعر الصرف ويمنح السوق الموازية مزيداً من النشاط.
كما يثير اعتماد الدولار في عمليات البيع المحلية تساؤلات تتعلق بمبدأ التعامل بالعملة الوطنية داخل السودان، وما إذا كان ذلك يتوافق مع السياسات النقدية والسيادة الاقتصادية للدولة.
حلول عملية لتجاوز الأزمة:
يرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب حلولاً متوازنة تضمن حقوق جميع الأطراف وتحافظ على استمرارية خدمات النقل الجوي.
ومن بين أبرز المقترحات المطروحة اعتماد ما يعرف بـ"الدولار الحسابي"، بحيث يتم تثبيت قيمة مستحقات الشركة بالدولار من تاريخ استحقاقها، مع تأجيل السداد الفعلي حتى تتوفر العملات الأجنبية، بما يحمي الشركة من خسائر تراجع قيمة الجنيه السوداني دون تحميل المسافر أعباء إضافية.
كما يُطرح خيار المقاصة المالية، عبر السماح باستخدام جزء من مستحقات الشركة داخل السودان لسداد رسوم العبور والخدمات الملاحية الجوية والالتزامات الحكومية الأخرى، وهو نموذج سبق تطبيقه بنجاح في سنوات سابقة وساهم في تخفيف الضغوط المتعلقة بالتحويلات الخارجية.
وتشمل الحلول المقترحة أيضاً وضع جدول زمني واضح لتحويل المستحقات المتراكمة، بما يمنح شركات الطيران رؤية أكثر وضوحاً ويعزز الثقة في السوق السوداني، إضافة إلى تقديم حوافز تشغيلية مؤقتة تشجع الشركات على مواصلة نشاطها والمحافظة على عدد الرحلات.
الحاجة إلى شراكة استراتيجية:
يدعو مختصون إلى إنشاء لجنة دائمة تضم سلطة الطيران المدني السوداني ووزارة المالية وبنك السودان المركزي وشركات الطيران الأجنبية، بهدف معالجة ملف التحويلات بصورة مستمرة ومنظمة، بدلاً من التعامل مع كل أزمة بشكل منفصل.
مصلحة وطنية تتجاوز الخلاف:
ويرى مراقبون أن الحل الأمثل لا يكمن في تحميل الخطوط الإثيوبية خسائر مالية إضافية، ولا في دفع المواطنين نحو السوق الموازية للحصول على الدولار، بل في التوصل إلى تسوية متوازنة تراعي الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد وتحافظ في الوقت نفسه على استمرارية خدمات النقل الجوي.
وفي ظل أهمية الخطوط الجوية الإثيوبية كنافذة رئيسية تربط السودان بالعالم، تبقى الحاجة ملحة إلى حلول مرنة ومبتكرة تضمن استقرار قطاع الطيران، وتحمي مصالح الدولة والشركات والمسافرين على حد سواء، بما يخدم الاقتصاد السوداني ويعزز حركة السفر والتجارة خلال المرحلة المقبلة.